13 تشرين الثاني نوفمبر 2015 / 20:44 / منذ عامين

تحليل-رفع قيمة الجنيه: هل هو مقدمة لتحرير العملة المصرية؟

من لين نويهض

القاهرة 13 نوفمبر تشرين الثاني (رويترز) - أثار رفع مصر قيمة عملتها الجنيه هذا الأسبوع تكهنات بتغيير كبير في طريقة إدراتها لأزمة العملة التي تعاني منها منذ فترة طويلة في ظل دلائل متزايدة على أن البنك المركزي ربما يعد العدة لآلية أكثر مرونة لسعر الصرف.

ويعتقد اقتصاديون - لا سيما أولئك أصحاب الذاكرة الأبعد مدى - أن هذه الخطوة ربما تمهد لفترة تنطوي على تقلبات أكبر للعملة التي تدار بإحكام تفضي إلى خفض لقيمتها ومرونة أكبر في سعرها سيرا على نفس النهج الذي اتبعته مصر قبل نحو عقد من الزمن.

وأبقى البنك المركزي الجنيه في نطاق ضيق من خلال مزادات دورية لبيع الدولار استحدثها في 2012، لكن الضغوط النزولية تواصلت مما أجبره على السماح بتخفيضات تدريجية للعملة كل بضعة أشهر.

ومع ذلك فقد رفع البنك سعر الجنيه بنسبة 2.5 في المئة يوم الأربعاء، في أول تحرك من نوعه منذ 2013، وضخ مليار دولار في الاقتصاد. وفاجأ هذا المصرفيين الذين كانوا يطالبون بمزيد من الخفض في قيمة العملة لتعزيز القدرة التنافسية وضرب السوق السوداء للدولار التي اتسعت لسد حاجة الاقتصاد الذي يعتمد على الواردات في ظل نقص حاد في العملة الأجنبية.

وكافح محافظ البنك المركزي المصري المنتهية ولايته هشام رامز على مدى شهور للدفاع عن الجنيه وقال معظم المصرفيين إنه لا يمكنه الصمود إلى ما لا نهاية مع وصول الاحتياطيات الأجنبية إلى 16.4 مليار دولار تكفي لتغطية الواردات في ثلاثة أشهر فقط.

وفرض رامز في فبراير شباط سقفا على كمية الدولارات التي يمكن إيداعها في البنوك وهو ما ساهم في كبح السوق السوداء واستقرار الجنيه ولو لبضعة أشهر.

وطالما تحدث مصرفيون عن أنه لم يعد ممكنا الإبقاء على سعر الجنيه عند مستوى أعلى من قيمته الحقيقية بعدما ألحق نقص الدولار والضبابية بشأن العملة الضرر بالتجارة والصناعة وأزعج المستثمرين.

وعبر كثيرون عن ارتياحهم عندما استقال رامز وباتوا يتطلعون إلى المحافظ الجديد طارق عامر لتغيير النهج.

وعقب رفع قيمة الجنيه واجه المصرفيون صعوبة لتفسير سبب تدخل البنك المركزي لزيادة قيمة عملة هي بالفعل أعلى من قيمتها بعدما رفعها إلى 7.73 جنيه للدولار وأبقاها عند نفس السعر في اليوم التالي.

ووسط التغيير في القيادة، التزم البنك الصمت بشأن دوافعه ولم يرد المسؤولون على طلبات للتعليق.

لكن بعض الاقتصاديين يعتقدون أن ضخ الدولارات يهدف أيضا لتقليل انكشاف البنوك على أسعار الصرف قبل خفض كبير في سعر العملة. ويقولون إن رفع قيمة العملة يهدف كذلك لإبعاد المضاربين الذين يراهنون على هبوط الجنيه، بهدف تخفيف ربط العملة في نهاية المطاف والسماح بهبوطها.

وقال سايمون وليامز كبير الخبراء لمنطقة الشرق الأوسط وافريقيا ووسط وشرق أوروبا لدى إتش.إس.بي.سي في لندن ”آمل أن يكون هذا خطوة أولى في تحرك صوب نظام أكثر مرونة للعملة وأن نرى بدءا من الآن مزيدا من التقلب لكن مع تحرك الجنيه المصري في اتجاه نزولي.“

وتابع قوله ”آمل أن يسمحوا في البداية بالتقلب حتى لا تكون الرهانات في اتجاه واحد .. ثم يسمحوا بعد ذلك للعملة بالتحرك نزولا. نتوقع أن تكون العملة المصرية عند تسعة جنيهات للدولار بحلول منتصف 2016.“

ويواجه الاقتصاد المصري صعوبات منذ انتفاضة 2011 التي تسببت في ابتعاد المستثمرين الأجانب والسياح وهو ما ضغط على الاحتياطيات الأجنبية التي تبلغ حاليا 16.4 مليار دولار.

ومن المرجح أيضا أن يتضرر الجنيه المصري بسبب حادث سقوط الطائرة الروسية في سيناء الشهر الماضي حيث سيتراجع حجم الإيرادات بالعملة الصعبة من قطاع السياحة.

وحث صندوق النقد الدولي مصر على التحول إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف في سبتمبر أيلول عقب زيارته الأخيرة للبلاد ويتوقع اقتصاديون العودة إلى نظام التعويم المحكوم الذي كان قائما قبل أن تجبر الانتفاضة الشعبية البنك المركزي على التحرك.

وتتبع الخطوات التي اتخذت حتى الآن نمطا يقول خبراء اقتصاديون إن البنوك المركزية التي تسعى للتحول بشكل منظم إلى آلية أكثر مرونة لسعر الصرف تلجأ إليه غالبا: ويشمل خلق شعور بأن العملة يمكن أن تتحرك في الاتجاهين، والسماح بمزيد من النشاط فيما بين البنوك، ورفع أسعار الفائدة وتخفيف القيود الرأسمالية.

وقال أكبر بنكين في البلاد وهما بنك مصر والبنك الأهلي المصري الأسبوع الماضي إنهما سيوفران 1.8 مليار دولار لتغطية احتياجات الواردات للمحافظة على حركة النشاط التجاري.

ورفع البنكان يوم السبت أسعار فائدة شهادات ادخار بالجنيه المصري إلى 12.5 بالمئة من عشرة بالمئة في المتوسط، بهدف تشجيع المستثمرين على التحول من الدولار إلى الجنيه الذي بات الآن مغريا أكثر.

والإجراء الذي اتخذ يوم الأربعاء خطوة جديدة في هذا الاتجاه. ويقدر مصرفيون حجم السيولة التي ضخها البنك المركزي في النظام المصرفي بنحو مليار دولار بالسعر الأعلى البالغ 7.73 جنيه للدولار من أجل مساعدة البنوك على تغطية ربع الحسابات الدولارية على المكشوف التي فتحوها للعملاء المتضررين من نقص العملة الأجنبية.

وقال محمد السويدي رئيس اتحاد الصناعات المصرية لوسائل إعلام محلية إن عامر - الذي التقى مع مصرفيين ومسؤولين كبار في الصناعة - وعد بضخ أربعة مليارات دولار في النظام المصرفي في الأسابيع القادمة لتغطية احتياجات الواردات.

وقال جيسون توفي محلل شؤون الشرق الأوسط لدى كابيتال ايكونوميكس ”ربما كانوا يمهدون الطريق لأمرين: تخفيض قيمة العملة والتحول إلى سعر صرف أكثر مرونة.“

نظام ما قبل 2011

كان عامر نائبا لمحافظ البنك المركزي إبان أزمة سابقة واتبع نهجا مشابها شمل رفع أسعار الفائدة وإحداث تقلبات في العملة لإعادة تقويم الجنيه.

ويتذكر هاني جنينة مدير الأبحاث في فاروس تلك الفترة من عام 2003 حتى عام 2005 جيدا ويقول إن الإجراءات التي اتخذت مؤخرا ”نسخة بالكربون“ من السياسة السابقة.

وقال جنينة إن الخطوات التالية يتوقع أن تتضمن رفع البنك المركزي للحد الأقصى للإيداعات الدولارية من 50 ألف دولار شهريا أو عشرة آلاف دولار يوميا وهو سقف قيد المستوردين وأجبر بعض الشركات الصناعية على وقف عمليات.

وشأنه شأن وليامز، يتوقع جنينة أن يشجع البنك المركزي على فترة من التقلبات مع تحديد أسعار فائدة مغرية على الودائع بالجنيه ليجذب المضاربين غير المنتظمين نحو هذا الملاذ الآمن.

ويتوقع أن يبدأ البنك المركزي بعد ذلك توجيه الجنيه للنزول إلى مستوى أقرب لقيمته السوقية - بلغ سعر الدولار في السوق السوداء 8.6 جنيه يوم الخميس - لكن في نظاق تحرك أوسع بما يسمح بمرونة أكبر ويخفف الضغط على احتياطيات العملة الأجنبية.

وقال جنينة ”مفتاح تنفيذ تعويم محكوم ومستدام للعملة هو أن يكون مركز نطاق التحرك قريبا من حد التعادل.“

التضخم وأسعار الفائدة

يقول مصرفيون إن مثل تلك السياسة تنطوي على مخاطر حيث أن تخفيض سعر الجنيه كثيرا سيزيد الضغوط التضخمية في مصر التي تعتمد بشدة على واردات الغذاء والتي يعيش الملايين فيها في فقر مدقع.

لكن هذا الأمر لم يغب عن الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حذر عندما عين عامر من أن على البنك المركزي ضمان توفر السلع الأساسية وإبقاء الأسعار تحت السيطرة. وساعدت أزمة في السلع على زيادة الضغط الشعبي على الرئيس السابق محمد مرسي قبل الإطاحة به في عام 2013.

ويضاف إلى الأدلة على أن البنك المركزي ربما يكون يستعد لخفض في قيمة العملة قد ينطوي على ضغوط تضخمية ما قاله وزير التموين يوم الاثنين من أن الهيئة المصرية العامة للسلع التموينية ستقوم بتوفير القمح المستورد للقطاع الخاص للمساعدة على إبقاء الأسعار منخفضة.

وبعد ذلك بيومين طرحت الهيئة مناقصة عالمية لشراء دواجن في إجراء آخر غير معتاد قال جنينة إنه جزء من النهج ذاته الرامي إلى ضمان توفر المواد الغذائية الأساسية قبل التخفيض المحتمل لقيمة الجنيه.

إلا أن مصرفيين كثيرين يقولون إن البنك المركزي لا يملك احتياطيات كافية من النقد الأجنبي لإدارة تحول كبير كهذا وقد يقع فريسة للمضاربين الذين يراهنون على هبوط الجنيه إذا حاول الحفاظ على سعر الصرف الجديد أو السيطرة على السوق.

وقال هاني فرحات كبير الاقتصاديين لدى سي.آي كابيتال ”لا أعتقد أن مصر مستعدة من الناحية السياسية لتعويم العملة. صحيح أن التعويم الحر للعملة سيحل مشاكلنا وأن الصدمة ستكون مؤقتة وسوف نتجاوزها .. لكن المتطلبات الاقتصادية اللازمة للتعويم الحر غير متوفرة حتى الآن.“

وأضاف ”هذا الرفع في قيمة العملة تحرك متواضع إذا ما قورن بما ينبغي عمله لإعداد الاقتصاد لتعويم حر.“

ومثل آخرين، قال فرحات إن الحاجة الأكثر إلحاحا هي الخفض السريع لقيمة العملة مشيرا إلى أن الزيادة المتوقعة في أسعار الفائدة الأمريكية من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) من المرجح أن تعطي دعما للدولار وتضع ضغوطا نزولية جديدة على الجنيه وعلى عملات الأسواق الناشئة الأخرى.

وقال جنينة إن على البنك المركزي توفير موارد جديدة للعملة الأجنبية بحلول أوائل العام المقبل بالتزامن مع أي تحول في السياسة. غير أنه من الصعب تحقيق هذا في ظل تدني أسعار السلع الأولية وتقلص المساعدات من الدول الخليجية وهروب المستثمرين بشكل عام من الأسواق الناشئة.

وقال ”ينبغي عمل كل هذه التغييرات بنهاية الربع الأول على أبعد تقدير، وإلا فستكون هناك مخاطر أن يتم فقد السيطرة على العملية وينتهي الأمر إلى تعويم مضطرب مع نفاد الاحتياطيات النقدية الأجنبية.“

إعداد مصطفى صالح وإسلام رشدي للنشرة العربية

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below