24 تشرين الثاني نوفمبر 2011 / 11:44 / منذ 6 أعوام

تحليل-الجامعة العربية تخرج عن عادتها وتصعد الضغط على سوريا

من ادموند بلير

القاهرة 24 نوفمبر تشرين الثاني (رويترز) - بعد أشهر من الصمت يظهر العرب أن المعادلات القديمة في المنطقة لم تعد قابلة للتطبيق فجامعة الدول العربية التي لم تتخذ اجراء ضد اي دولة من الدول الأعضاء على مدى ستين عاما تهدد سوريا الآن بفرض عقوبات بسبب الحملة الأمنية التي تشنها على محتجيها.

جاء هذا نتيجة مجموعة عوامل منها تغاضي سوريا او حتى إصرارها على تجاهل التغيير الذي أحدثته موجة انتفاضات الربيع العربي علاوة على اختيار دمشق لأصدقائها الذي أغضب الدول العربية لسنوات خاصة دول الخليج وتعيين أمين عام جديد للجامعة له سجل في العمل بمجال حقوق الانسان يسعى الى الاستفادة منه الآن.

وبدأ وزراء الخارجية العرب اجتماعهم في مقر الجامعة بالقاهرة اليوم الخميس لبحث تصعيد الضغوط على دمشق. ولن تشارك سوريا وهي من الدول المؤسسة للجامعة في اجتماع اليوم بسبب تعليق عضويتها في اجتماع عقد في المغرب هذا الشهر.

وكانت سوريا وافقت على خطة للجامعة في الثاني من نوفمبر تشرين الثاني تسحب بموجبها القوات من المدن وتسمح بدخول مراقبين وتبدأ حوارا مع المعارضة. لكن عشرات قتلوا منذ ذلك الحين من جراء قصف الدبابات وقوات الجيش للبلدات.

وتقود الحملة ضد دمشق دول الخليج التي تشكو منذ زمن من تحالف سوريا مع ايران. وتمثل طهران خصما إقليميا لهذه الدول التي تتهم ايران بالقيام بدور في محاولة زعزعة استقرارها.

وتتزعم قطر والسعودية إجراءات الجامعة العربية ضد الرئيس السوري بشار الأسد.

ووسعت الانتفاضات التي تجتاح المنطقة نطاق الدعم العربي للحملة مستقطبة دولا حديثة العهد في محاولة إرضاء الجماهير.

وصوتت مصر -التي ظلت حذرة لفترة طويلة من اتخاذ اجراء- ضد دمشق وذهبت ليبيا خطوة أبعد. فبعد الإطاحة بالزعيم السابق معمر القذافي الذي حكم البلاد 42 عاما اعترف المجلس الوطني الانتقالي بالمعارضة السورية بوصفها الحكومة الشرعية.

وقال الدبلوماسي عز الدين شكري فشير وهو دبلوماسي مصري مخضرم وعضو حاليا في لجنة تضع الخطوط العريضة لإصلاحات بالجامعة ”العامل الاول في التغير هو الربيع العربي والتحدي الذي لم يسبق له مثيل. من الصعب جدا الا يصدر عن الدول الأخرى رد فعل.“

بدأ التغيير داخل جامعة الدول العربية بليبيا حين علقت عضوية طرابلس ودعت الجامعة الى فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا بعد أن قمعت قوات القذافي انتفاضة على حكمه.

ولطالما كانت ليبيا دولة شكسة بين اعضاء الجامعة البالغ عددهم 22 . وتكررت مشاحنات القذافي العلنية مع غيره من الزعماء العرب وفي الأعوام القليلة الماضية وجه اهتمامه لافريقيا.

والتحرك ضد سوريا يستهدف دولة في قلب العالم العربي واحدى دول المواجهة مع اسرائيل من المدافعين عن الوحدة العربية وان قال محللون إن سياساتها كانت دائما مسببة للانقسامات.

وكانت السعودية دائما على خلاف مع سوريا منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في بيروت عام 2005 والذي كون ثروته التي تقدر بالمليارات في المملكة ويحمل الجنسية السعودية واعتبر حليفا للرياض خلال السنوات التي شغل فيها منصب رئيس وزراء لبنان وكان يسعى جاهدا للتخلص من هيمنة سوريا.

وتمثل ايران محور مخاوف الدول السنية. وتتهم السعودية منذ فترة طويلة طهران بمحاولة تأليب الأقلية الشيعية عليها وفي الآونة الأخيرة اشتركت مع الولايات المتحدة في اتهام ايران بالتخطيط لاغتيال السفير السعودي في واشنطن.

وقال المحلل صفوت الزيات إن مشكلة السعودية هي ايران وإن ملاحقة سوريا اليوم تضمن إخراج ايران من الصورة مشيرا الى وجود محاولة لتكوين كتلة سنية جديدة بالمنطقة.

ويخشى الحكام السنة من تزايد التأثير الايراني على المواطنين الشيعة الذين يعيشون في قوس يمتد من الخليج عبر العراق الى لبنان حيث يتمتع حزب الله الشيعي بقوة لا يستهان بها.

ويبدو أن للدور القطري في قيادة الحملة أهدافا متنوعة. لقد اضطلعت هذه الدولة الصغيرة التي تملك موارد هائلة من الغاز الطبيعي بدور دبلوماسي بارز في المنطقة. وكانت من اوائل المساندين للمعارضة التي تحكم ليبيا الان وسعت الى دعم الفلسطينيين في غزة التي تديرها حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وأغضبت قطر السلطات المصرية في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك حين قدمت قناة الجزيرة ومقرها الدوحة تغطية مؤثرة للثورة على حكمه.

وتقود قطر لجنة توجيه من دول الجامعة مختصة بالتعامل مع سوريا. وعبرت الجامعة عن غضب متزايد من دمشق لعدم تعاونها مع جهود الوساطة.

وحين وافقت سوريا على الخطة العربية في الثاني من نوفمبر تشرين الثاني قال رئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني بعد الاجتماع إنه سعيد بالتوصل الى هذا الاتفاق وسيكون أسعد اذا طبق فورا.

ولم ينفذ الاتفاق وصوتت الجامعة لصالح تعليق عضوية دمشق.

وعارض لبنان الذي كان لسوريا تواجد عسكري به لسنوات الخطوة وكذلك اليمن الذي يواجه انتفاضة. وامتنع العراق الذي تخشى حكومته التي يقودها الشيعة من إغضاب ايران المجاورة عن التصويت. لكن 18 دولة أيدت الخطوة.

وقال دبلوماسي عربي كبير بالجامعة ”سوريا لم تقدم اي شيء لتحريك الموقف الى الأمام“ مضيفا أن التغيرات في المنطقة تعني أن هناك تحالفا جديدا للمصالح في العالم العربي يساعد الجامعة على التحرك.

لكن البعض مازالوا حذرين. ويقول محللون إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير مصر حاليا يتسم بنفس إحجام مبارك عن التحولات الجذرية لكنه اضطر للتحرك لأنه لا يريد المجازفة برد فعل شعبي عنيف لموافقته على القمع في سوريا وإن كان المجلس نفسه انهال بكميات هائلة من الغاز المسيل للدموع على معارضيه بالقاهرة.

وتوخى آخرون الحذر لكنهم أصبحوا مؤيدين. وتنحاز حكومة السودان الاسلامية تقليديا لموقف سوريا المتشدد من التفاوض مع اسرائيل لكن مصدرا بالجامعة ذكر أن التيار الإسلامي المصري الذي يرتبط بعلاقات بنظيره السوري المقموع نجح في إقناع الخرطوم بتأييد الإجراء ضد دمشق.

وقال الدبلوماسي العربي ”الجامعة العربية الان مرنة في التحرك. يجب أن نعطي قيمة للجامعة التي يعتقد الكثير من العرب أنها لم تحقق شيئا طوال 60 عاما.“

وتأسست الجامعة عام 1945 وكان الإجراء الوحيد الذي استطاعت الاتفاق عليه لسنوات هو مقاطعة السلع الاسرائيلية. حتى هذه الوحدة تداعت بعد عام 1979 حين أصبحت مصر اكبر دولة عربية من حيث عدد السكان اول دولة عربية توقع معاهدة للسلام مع اسرائيل.

ولم تتحرك الجامعة بالكاد ضد اي دولة عربية. ولم يتخذ إجراء حين شن الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد والد بشار حملة على مدينة حماة عام 1982 قتل خلالها الآلاف لسحق انتفاضة مسلحة قادها الإسلاميون.

وفوضت الجامعة بنشر قوة لحفظ السلام في لبنان الذي تمزقه الحرب عام 1976 لكن القوة تحولت فعليا الى جيش احتلال سوري. كما أمرت الجامعة بإرسال قوة الى الكويت في الستينات حين هددها العراق لكنها لم تتفق على التحرك حين غزا العراق الكويت بالفعل عام 1990 على الرغم من انضمام بعض الدول العربية الى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة.

لكن الوضع مع سوريا مختلف تمام الاختلاف. فجامعة الدول العربية تطالب سوريا بالموافقة على دخول فريق للمراقبة يضم عسكريين كما تبحث فرض عقوبات.

وقال ممثل احدى الحكومات العربية بالجامعة طلب عدم نشر اسمه ”هناك الكثير من الأفكار والمقترحات للعقوبات التي يمكن فرضها على النظام السوري.“

ويشمل هذا فرض حظر للسفر على مسؤولين سوريين وتجميد التحويلات البنكية او الأموال في دول عربية مرتبطة بحكومة الأسد ووقف المشاريع العربية في سوريا.

وقال الدبلوماسي العربي ”ترتبط الدول العربية بعلاقات تجارية مع سوريا لكن عليها أن تأخذ موقفا من سوريا. ستؤثر هذه العقوبات على تلك التجارة. دول الخليج في مقدمة الدول التي لها استثمارات مع سوريا.“

غير أن التحرك المطلوب لم تنفذه كل الدول العربية حتى الآن. وكانت مصر قالت إنها لن تطرد السفير السوري قائلة إنها بحاجة الى قناة للحوار. لكن تحرك الدول العربية نحو فرض عقوبات يمثل تحولا.

وقال السفير شكري فشير ”الجامعة العربية تتغير وتضع معيارا جديدا لنفسها لم يكن موجودا. انها تتدخل الآن في الشؤون الداخلية حين تتعلق هذه الأمور بحماية المدنيين.“

ويلعب شكري فشير دورا بارزا في اللجنة التي قودها مبعوث الامم المتحدة المخضرم الاخضر الابراهيمي وهو جزائري لمراجعة هياكل الجامعة بما في ذلك التدخل في شؤون السلم والأمن.

وقال شكري فشير إن الأمين العام للجامعة نبيل العربي كلف اللجنة بوضع خطة للتعامل ”بفعالية مع الربيع العربي وكيف تصبح الجامعة العربية جزءا من التغيير في العالم العربي وليس عائقا امامه.“

وتجتمع اللجنة هذا الشهر وترفع تقريرها في فبراير شباط للعربي وهو محام مثل مصر في الأمم المتحدة وعمل قاضيا بمحكمة العدل الدولية من عام 2001 الى 2006 .

وقاد الجامعة طوال معظم عمرها الذي يبلغ 60 عاما وزراء خارجية مصريون. وليس العربي (76 عاما) باستثناء غير أنه لم يقض في منصب وزير الخارجية سوى شهرين قبل اختياره لمنصب الامين العام.

وخلال هذه الفترة القصيرة وبعد أن ترك مبارك الحكم ترك العربي بصمة في السياسة الخارجية المصرية. واقترح إصلاح العلاقات المتوترة مع ايران ووجه الى نهج أقل صرامة مع الحصار الذي كان مبارك يساعد في تطبيقه على غزة.

وقال دبلوماسي غربي وصف العربي بأنه نشط جدا ”انظر الى مبادرته بالتحرك على صعيد السياسة الخارجية المصرية حين كان وزيرا.“

ويقول بعض المحللين إن هذه السياسات هي ما دفع حكام مصر العسكريين أصحاب العقليات التقليدية الذين فوجئوا برغبته في التغيير الى إزاحته بعيدا عن وزارة الخارجية المصرية ونقله الى الجامعة العربية.

وقال شكري فشير إن العربي ”يؤمن قلبا وقالبا بتعزيز قواعد القانون الدولي واحترام حقوق الانسان“ التي تقول جماعات حقوقية إن الدول العربية دأبت على انتهاكها.

لكنه أشار الى أن العربي يواجه تحديا صعبا يتمثل في تغيير مسار الجامعة بغض النظر عن التغيرات بالمنطقة. وأضاف ”الجامعة العربية آلة ثقيلة جدا. وهي تعمل وسط 22 آلة أخرى ثقيلة ايضا.“

(شارك في التغطية مروة عوض وايمن سمير وياسمين صالح)

د ز - أ ف (سيس)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below