14 تموز يوليو 2011 / 13:12 / بعد 6 أعوام

تحقيق- تونس تتطلع لإعادة صياغة علاقاتها بالغرب بعد بن علي

من أندرو هاموند

تونس 14 يوليو تموز (رويترز) - يناقش التونسيون نوع العلاقة التي يريدونها مع أوروبا والولايات المتحدة بعد انتفاضة هذا العام التي كشفت أن الدولة البوليسية كانت وراء ما وصفه الغرب ذات يوم بأنه "معجزة اقتصادية".

واتفق الإسلاميون واليساريون والقوميون من الأحزاب السياسية الكبيرة في البلاد على أن تونس يجب أن تدفع بالعلاقات باتجاه درجة أكبر من الندية مع الغرب من أجل التوصل إلى ترتيبات تجارية أفضل وتجنب الاستدانة.

ومن علامات إحراز التقدم في هذا الصدد تلقت تونس عرضا من الاتحاد الأوروبي بأن يكون لها وضع متقدم في الشراكة وهو ما لم تحصل عليه حتى الآن سوى المغرب من بين الدول العربية. ويناقش الاتحاد هذا الأمر داخليا في الوقت الراهن.

ويظهر احجام الاتحاد الأوروبي عن خفض الجمارك على المنتجات الزراعية المغربية وإثارته لقضايا سياسية وقضايا تتعلق بحقوق الإنسان في المغرب الصعوبات التي تنطوي عليها هذه العملية.

ويقول المعلق البارز رشيد خشانة إن التحول الديمقراطي في تونس من شأنه أن يعزز مكانتها.

ويضيف "العامل الرئيسي في علاقاتنا الجديدة بالخارج هو أن نتعامل بندية مع الاتحاد الأوروبي. يمكننا المساومة وهو ما لم تكن حكومة (الرئيس المخلوع زين العابدين) بن علي تفعله."

وانتهى حكم بن علي الذي استمر 23 عاما بشكل مفاجيء عندما فر من البلاد يوم 24 ناير كانون الثاني في مواجهة احتجاجات واسعة النطاق على البطالة والفساد والقمع.

وقال خشانة "ربما سنكون أكثر تكاملا مع الدول العربية وبخاصة في شمال افريقيا مما كنا عليه في عهد بن علي لكنني لا أعتقد ان هذا يتعارض مع اقامة علاقات طيبة مع الغرب."

وقال دبلوماسي غربي إن الاتحاد الأوروبي يمضي قدما في خطط لتحديث علاقاته التجارية مع تونس.

وقال "أعتقد ان الاتحاد الأوروبي يسعده أن يمضي بها في هذا الاتجاه. تجري صياغة الكثير منها بالفعل داخل الاتحاد الأوروبي." واضاف ان أغلب حكومات الغرب لم تكن تدرك إلى أي مدى كانت تونس في عهد بن علي بيتا من ورق.

وأضاف "كنا نعلم أن هناك حالة من الفوضى لكننا لم نكن نتوقع أن يسقط عندما حدث ذلك. وما يخفف عنا وطأة ذلك هو أن رجال أمن بن علي الذين أنفقوا أموالا كثيرة لتوقع هذه الأمور لم يمكنهم التنبؤ بها هم الآخرين."

وللوهلة الأولى كانت تونس التي يقطنها عشرة ملايين نسمة تبدو ملاذا للاستقرار والتقدم إذ تزدان عاصمتها بمزيج من المعمار الإسلامي والفرنسي ويصور رئيسها إلى جانب زوجته ذات الحضور القوي نفسه بطلا للعلمانية العربية ومحررا للمرأة.

وكان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ذات يوم منبهرا بهذا البلد الذي اتبع بدقة وصفة خصحصة شركات القطاع العام وسهل الاستثمار الأجنبي حتى انه اعتبر تونس قصة نجاح لليبرالية الجديدة ومعجزة اقتصادية.

وقال خليفته نيكولا ساركوزي ذات يوم ان حكم بن علي يمنع ظهور دولة تقودها حركة طالبان الإسلامية. وأشاد البنك الدولي العام الماضي بالتقدم الملحوظ الذي أحرزته تونس في "النمو المتوازن ومكافحة الفقر وتحقيق مؤشرات اجتماعية جيدة."

غير أن المحللين السياسيين التونسيين كانوا يقولون أن هناك شعورا متناميا بأن بن علي ومسانديه يخدعون البلد.

وقال صالح عطية الكاتب البارز في جريدة الصباح اليومية إن بن علي كان يمثل شرطي المنطقة على طرف افريقيا حيث يمكنه وقف الهجرة غير المشروعة ومنع تهريب المخدرات والسلاح إلى أوروبا.

وأضاف "انه تلاعب بالأرقام وأقنع بها الغرب ليمكنه القول على الأقل انه دكتاتور لين. وفي هذه الاثناء تزايد الفقر والآن اتضح الأمر."

ولم تغفل إشادات الغرب فقط سلطوية الدولة البوليسية بل تجاهلت أيضا الحرمان الاقتصادي في مناطق وسط وجنوب البلاد التي انطلقت منها الانتفاضة التي أسقطت بن علي فضلا عن تراكم الثروات في يد الصفوة المقربة من أسرته الممتدة وجهازه الأمني.

وأشارت برقيات دبلوماسية أمريكية كشفت عنها تسريبات ويكيليكس العام الماضي إلى فرنسا وايطاليا على وجه الخصوص من بين القوى الغربية باعتبارهما تحجمان عن الضغط على تونس فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الانسان والفساد داخل النظام.

وكانت فرنسا المحتل السابق أكبر شريك تجاري لتونس وأكبر مستثمر أجنبي خارج قطاع النفط ونحو نصف الشركات الأجنبية العاملة في البلاد فرنسية.

وكانت واشنطن كذلك تقدر أهمية التعاون الأمني مع بن علي. وأفاد تقرير للامم المتحدة عن حقوق الانسان صدر هذا العام أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية كانت تعمل عن كثب مع الأمن التونسي وتنقل أشخاصا يشتبه في أنهم نشطاء عبر البلاد. كما ان استعداد بن علي للتعامل مع إسرائيل زاد من اعجاب الإدارات الأمريكية به.

ويقول محللون إن هناك اتفاقا واسع النطاق بين الساسة على الاقتصاد الحر مع المزيد من اللامركزية إلى جانب الابقاء على الدعم الحكومي والسيطرة على بعض القطاعات الحيوية - وهو ما قد يثير خلافات محتملة مع المقرضين الأجانب.

وقال نور الدين البحيري عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة التي يثير احتمال صعودها باعتبارها اقوى حزب في تونس ما بعد بن علي قلق الكثيرين في الغرب "المقلق الآن هو اننا لا نحل المشكلات الاجتماعية أو الاقتصادية أو البطالة أو مشكلة التنمية في المناطق المحرومة."

وأشارت الحكومة الانتقالية -التي تشرف على عملية تحول بطيئة إلى الديمقراطية أثارت مخاوف من فراغ سياسي وأمني- إلى أن السياسة المالية لن تتغير ويشعر بعض التونسيين الذين تصفهم الجماعات المعارضة بانهم "الثورة المضادة" بالرضى عن ذلك.

ومازالت الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعيدة بعض الشيء وتعتمد على اقتراع في أكتوبر تشرين الاول لتشكيل لجنة تتولى وضع دستور جديد للبلاد.

وقال الاقتصادي مروان عباسي "انا واثق من أن الركائز الأساسية لن تتغير. يتعين علينا العمل مع المجتمع الدولي والاتحاد الاوروبي والبنك الدولي وغيرها." وأضاف أنه لا يعتقد أن حركة النهضة إذا ما شكلت الحكومة ستغير هذه الروابط.

وقال "كان يمكن أن تحقق تونس معجزة اقتصادية لولا سوء الإدارة على مدى عشر سنوات ... تركت البلاد عام 2006 بسبب شعوري بالاحباط من الحكومة... نحتاج لوقت الآن ليكون لدينا حكم رشيد ونغير أسلوب التفكير ونطور الإدارة."

وقال عباسي أن الفريق الذي يدير السياسة الاقتصادية لم يتغير رغم تغيير بعض الوجوه القيادية.

وقال محافظ البنك المركزي إن تونس ستفي بالتزامات ديونها في 2011 وكان وزير المالية جلول عياد قد استبعد إعادة جدولة الديون مع سعيه لطلب قروض أجنبية بأربعة مليارات دولار منها 500 مليون دولار لدعم الميزانية من البنك الدولي.

وتحدث عياد عن خطط لإصلاحات في القطاعين العام والخاص في اجتماع مع زعماء دول مجموعة الثماني في فرنسا في مايو أيار الماضي والذي وافق على منح مصر وتونس قروض بقيمة 40 مليار دولار ومساعدات مباشرة بعد الأحداث التي جرت هذا العام.

وأرجأت الحكومة التونسية خطط طرح سندات بسبب خفض تصنيفها الائتماني اثناء الانتفاضة.

ودافع عباسي عن توصيات الدائنين المتعلقة تخفيف الاجراءات التنظيمية والخصخصة وخفض الدعم في قطاعات استراتيجية مثل الوقود والسلع الاساسية والمواصلات.

وقال "(بن علي) اختار عدم إصلاح قطاع النقل لانه كان مربحا جدا لاسرته ... نريد ان نفهم كيف ستعمل الحكومة التونسية على تحرير هذه القطاعات."

وتابع عباسي أن تونس لا يمكنها أن تراهن علي على استعادة أصول أسرة بن علي رغم وعود العديد من الحكومات بالمساعدة في ذلك.

وقال "فلننس المال.. إذا تمكنا من الحصول عليه سيكون أمرا طيبا. لكني لا اعرف حجمه واستعادته أمر في غاية الصعوبة. يمكن تكليف أمهر المحامين في العالم."

لكن خشانة قال إن الطبقة المتوسطة تشعر بالقلق من الوضع المالي للبلاد ومن فكرة المزيد من الديون والصراع قد يسفر عن نوع جديد من القيادة السياسية قد لا يعجب بالضرورة اللاعبين الدوليين الراغبين في استمرار الحال على ما هو عليه.

وتابع "نسمع في وسائل الإعلام واتحادات العمال والأحزاب السياسية صوت الطبقة الوسطى الخائفة من خيارات اقتصادية جديدة يحاول البنك الدولي على سبيل المثال فرضها على تونس."

وأضاف "مع الإعلام الجديد أصبح التونسيون يعرفون كل شي عن هذه المفاوضات مع مجموعة الثماني والاتحاد الأوروبي... وإذا دفع البنك الدولي ومؤسسات أخرى حكومتنا لاتخاذ إجراءات صعبة ومشددة فستظهر قيادات جديدة."

ل ص - م ح (قتص)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below