30 تشرين الأول أكتوبر 2011 / 07:43 / منذ 6 أعوام

المدينة الإغريقية.. كتاب يروي شروق الديمقراطية وغروبها

القاهرة 30 أكتوبر تشرين الأول (رويترز) - في كتاب (المدينة الإغريقية) الذي يترجم إلى العربية للمرة الأولى يستعرض مؤرخ فرنسي شروق الديمقراطية اليونانية وغروبها إذ مورست الديمقراطية على نطاق جماهيري واسع قبل أن تستنفد التجربة أغراضها ويتم احتكار السلطة.

ويقول جوستاف جلوتز (1862-1935) إن ”الطبقة العاملة“ التي حرمت حق الممارسة السياسية تحولت إلى جيش للتمرد ينتظر ”رؤساء“ وبدأ عصر الثورات والثورات المضادة إلى أن جاء الغزو المقدوني ثم الغزو الروماني لليونان التي تصارعت مدنها وعجزت عن الاتحاد.

والكتاب الذي نشر للمرة الأولى بالفرنسية عام 1928 ترجمه إلى العربية الناقد المصري الدكتور محمد مندور (1907-1965) الملقب بشيخ النقاد العرب المحدثين وصدر في سلسلة (ميراث الترجمة) عن المركز القومي للترجمة في القاهرة. ويقع في 466 صفحة كبيرة القطع.

وكانت مصادفة سيئة وراء ظهور الكتاب كما ذكر طارق مندور الابن الأصغر للدكتور مندور في مقدمة الكتاب الذي ظل مدرجا ضمن قوائم أعمال مندور ”تحت الطبع“ حتى قرر مالك البيت هدمه منذ بضع سنوات فقررت الأسرة إهداء المكتبة إلى أكاديمية الفنون وعثروا على كتب ومخطوطات وخطابات ”اتضح أن الكثير منها يستحق النشر“ ومنها خطاب مندور إلى قادة ثورة 23 يوليو تموز 1952 التي أنهت حكم أسرة محمد علي إضافة إلى ترجمة كتاب (المدينة الإغريقية).

وأضاف أن مندور بدأ ترجمة هذا الكتاب حين كان يعد رسالة الدكتوراه في باريس ولكنه عاد عام 1939 بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية وواصل ترجمة الكتاب في فترات متقطعة حتى بداية الستينيات مسجلا أنه لاحظ تغير خط والده في الكتابة قبل جراحة أجريت له في المخ عام 1950 وبعدها كما وجد أجزاء من الترجمة بخط والدته الشاعرة ملك عبد العزيز (1921-1999) فبذل جهدا في المراجعة بمساعدة الشاعر المصري محمود قرني حتى صدر الكتاب كاملا.

وقال طارق مندور إن والده ”ألزم نفسه أخلاقيا“ برد الجميل للمصريين بمجرد عودته من فرنسا إذ ترجم كتبا منها (دفاع عن الأدب) و (من الحكيم القديم إلى المواطن الحديث) و(تاريخ إعلان حقوق الإنسان) ورواية (مدام بوفاري) لجوستاف فلوبير إضافة إلى كتب من تأليفه منها (نماذج بشرية) 1943 و(النقد المنهجي عند العرب) 1948 و(الديمقراطية السياسية) 1952.

وقال إنه عثر أيضا على ترجمة عربية غير مكتملة لكتاب (اضمحلال حضارة.. أو نهاية الإغريق القديمة) لمؤلفه الإيطالي كورادو بارجالو مدير المجلة التاريخية الجديدة وترجمه للفرنسية جورج بورجان أمين محفوظات الدولة والمحاضر بمدرسة الدراسات العليا وترجم مندور عن الفرنسية أجزاء منه.

ويقول هنري بير في مقدمة كتاب (المدينة الإغريقية) إن اليونان ”حققت للشخصية البشرية نموا لا مثيل له. وفي مقابل البربري الذي يخضع للاستبداد ويؤلهه نرى الإغريقي مواطنا حرا... وفي المدينة الإغريقية من الإعجاز مثل ما في فن الإغريق وفلسفتهم. لقد كونت تلك المدينة تجربة للبشرية. كونت مثلا وأنموذجا خالدا على وجه الدهر“ مضيفا أن أثينا حققت تحولا عميقا للعناصر الدينية وجعلتها عناصر عقلية بحتة أما الفلسفة والسلطة الدينية فاتحدتا لدرجة يكاد معها الفلاسفة أن يصبحوا ملوكا والملوك فلاسفة خيرين.

ويسجل أن أثينا تعد ”مدرسة الإنسانية جمعاء لا مدرسة اليونان فحسب“ وأن الشعب كان ”مجموعة أعضاء المدينة لا مجموعة سكانها“ حيث يستبعد الأرقاء والأجانب وأن ”الديمقراطية ازدهرت بفضل تحرير الفرد الذي يهب المدينة من القوة بقدر ما تهبه من الحرية“ ويربط بين النمو السياسي وازدياد الثروة وتكوين طبقة زعماء الشعب وأرستقراطية المال ”أو ما يسمى الرأسمالية“.

ولكن جلوتز مؤلف الكتاب يختلف عن حماسة هنري بير للديمقراطية اليونانية فيما يخص مفهوم المواطنة أو تراكم الثراء الذي يؤدي إلى الاستبداد.

فيقول جلوتز في فصل عنوانه (النظام الاستبدادي) إن أرسطو (384- 322 قبل الميلاد) رأى ”بفطنته المألوفة أن ازدياد الثروة قد كان السبب الأساسي في ظهور الحكم الاستبدادي“ ويضيف المؤلف أن الحكام المستبدين وبخاصة الذين تركوا أثرا في التاريخ كانوا من كبار البناة لأنهم ”يوحون إلى الشعب بعزة قومية تنسيهم حريتهم المسلوبة... وكانت هباتهم السخية تجلب إليهم من كل فج المعماريين والنحاتين والشعراء“ ويحرصون على تنظيم مسابقات غنائية ومسرحية.

ويشرح مفهوم الديمقراطية الإغريقية قائلا إن الملك لم يكن يستطيع أن يقرر شيئا بغير رؤساء الجماعات في المدينة وهم يمثلون مجلس الشيوخ وإلى جانبهم كان رأي الشعب أو العامة يؤخذ في الحسبان إذ يجتمعون في الأجورا (الساحة العامة) وهي تمثل الجمعية العامة التي تضم جميع مواطني المدينة والمحاربين.

ويوضح أن الأجورا في تلك المدن كانت مغلقة أمام الفلاحين والبسطاء ورجال المهن وإن ”المواطنين“ كان امتيازهم ينحصر في حق حضور ”جمعية عامة عاجزة. وأما حقيقة السلطة فكانت مستقرة في مجلس ضيق“ حيث كانت العشائر الكبيرة تحتكر السلطة وكان الصناع والفلاحون ”الذين لا يكادون يتميزون عن الرقيق لا يشعرون أي أمل في إمكان إصلاح“ وكان دهاء الفلاح يجعله ينجب ابنا واحدا حتى لا يتجزأ ماله القليل ولكي لا يترك أسرة من البؤساء.

ويقول جلوتز إن الطبقات الدنيا من صناع وباعة وعمال وصيادين وبحارة وغيرهم من ”الطبقة العاملة“ كان بينهم من يهتمون بالسياسة ونظرا لاختلاطهم بالأجانب الوافدين فإنهم أحسوا بتضامنهم حتى ”أصبح جيش التمرد معدا في حاجة إلى رؤساء“ فإذا بالنخبة البرجوازية بذكائها وشجاعتها تنتهز الفرصة للحصول على حقوقها السياسية التي حرمت منها بوضع نفسها على رأس تلك القوة التي وجدتها تحت تصرفها.

ويضيف أن المدينة انقسمت ”وكان قد انقضى الزمن الذي يكتفي فيه الساخط بأن يئن مبتهلا إلى السماء. وحل العنف محل التصوف. لقد ابتدأ صراع الطبقات. وكان صراعا مخيفا دام زمنا طويلا... مليئا بالثورات والثورات المضادة والمذابح والنفي ومصادرة الثورات... أول مطلب تقدمت به الديمقراطية بعد أن نظمت نفسها في حزب كان هدفه إعلان القوانين.“

ولم تكن اليونان دولة بالمعنى العصري ولا كانت الديمقراطية تطال المواطن العادي وبخاصة الفلاحون وأصحاب الحرف وسكان القرى.

فيقول المؤلف إن أبرز خصائص اليونان القديمة كان انقسامها لعدد من المدن التي تكون دولا صغيرة ومنها إسبرطة وأثينا. وفي حين كان أهل القرى منذورين للرق كانت المدينة تسمح بالتنظيم السياسي نظرا لأن الرجل الإغريقي كائن مدني أو ”حيوان مدني“ كما قال أرسطو.

ويصف مفهوم الاستقلال بأنه ”العشق المبرح“ الذي يجعل المدينة الإغريقية مهما تكن صغيرة دولة ذات سيادة ولو تجاورت مدينتان فإنهما تنفصلان تماما ”فالحدود المقدسة“ تفصل الجغرافيا والديانات والقوانين والتقاويم والعملات والموازين والمكاييل وعندما يخرج الإغريقي من عالمه/مدينته يجد نفسه في بلد أجنبي ”وغالبا بلد معاد... هذه النزعة الاستقلالية الغيورة عرضت الجنس الإغريقي كله إلى أخطار لم يكن في مقدوره دفعها“ ومنها النزاعات التي أرهقت المدن ”ولم يكن بد من تدخل مقدونيا وروما تدخلا عنيفا“ بعد عجز المدن عن الاتحاد.

ويقول جلوتز إن القرن الخامس قبل الميلاد شهد ترسيخ قيمتي الحرية والمساواة وإن ”النظرية الدستورية في المساواة... تتلخص في كلمة واحدة.. الشعب سيد“ ويتولى القانون حماية حقوق الأفراد من سلطة الدولة ومن بعضهم ضد البعض الآخر كما يحمي مصالح الدولة من الإفراط في الفردية.

ويسجل أن نهاية ذلك القرن شهدت فوضى وأنه في بداية القرن الرابع قبل الميلاد حدثت نزاعات وبدا أن البلاد عاجزة عن التغلب على فكرة المركزية التي تمثلها المدن ”فهي لن توحد إلا بالغزو وكان لا بد لبلاد الإغريق من أن تسقط كي يختفي نظام المدينة السياسي.“

ويرى أن انتصار فيليب المقدوني (382-336 قبل الميلاد) وضع نهاية مرحلة في تاريخ العالم وقضى على المدينة اليونانية وأصبحت بلاد الإغريق كلها للمرة الأولى تابعة لدولة أجنبية إذ جعلها الغزو المقدوني جزءا من دولة كبيرة وأصبحت الدولة تتركز في شخصيات قوية تسلح طموحها بالمكر والعنف.

س ق - م ه (ثق)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below