2 آب أغسطس 2011 / 06:53 / منذ 6 أعوام

هبة عليوة.. كثير من الفكري الفلسفي وسرد غير مترابط

من جورج جحا

بيروت 2 أغسطس اب (رويترز) - عنوان رواية هبة عليوة ”أنا الآخر“ ومقدمة وبدايات الرواية توحي بتوقع كثير من الثراء في السرد.. لكن متابعة عملها قد تجعل القارىء يفتش عن العمل القصصي المترابط. انها تقول الكثير لكن بتنافر ودون اتساق وانسجام واضحين.

واذا كانت الكاتبة -التي يبدو انها من المغرب العربي اذ ان دار النشر لم تذكر جنسيتها- سعت الى الاتيان بنظرات عديدة في الحياة وما بعدها فقد حققت بعض ذلك لكنها لم تقدم لنا رواية متكاملة منسجمة.

في الرواية وعد بدا على شكل تلويح فلسفي بتقديم شخص يعيش حياة الاخر. يبدو الامر في البداية وعدا بقدر كبير من الغرابة لكن حين ندقق النظر في الرواية من هذه الناحية لا نجد سوى محاولة بسيطة وعادية للحلول محل غائب لم تعلن وفاته بعد والقيام عوضا عنه بكتابة موضوعات كان يكتبها لاحدى الصحف.

الرواية التي صدرت عن (الدار العربية للعلوم ناشرون) في بيروت جاءت في 88 صفحة متوسطة القطع. نبدأ من البداية اي مما بدا مقدمة حملت عنوان ”تجليات النفس الاخير“.. انه عنوان يوحي بالكثير في الاطلال على عالم الزوال. لكننا نكاد لا نجد بوضوح الرابط بين هذا الكلام وسائر عناصر الرواية واحداثها.

تقول الكاتبة “لا.. لم اشعر بشيء مما سمعت. كنت كأنني اسلم نفسي للموج.. كأن الانتقال يتم ابحارا.. كفكرة تنتابك في لحظة سلام مع نفسك ومع العالم. لم يكن لدي سبب لاخاف او احزن. اتاني الموت خاتمة حياة ثرية. حين نظرت للوراء لم يكن هناك ألم او ندم. كانت هناك كل تلك الاشياء التي فعلت والتي تركت.

”ابتسمت لانني فعلت كل شيء ولا وجود لامنية اخيرة لدي. ابتسمت لانني لم ابحث عن اجابة عظيمة للحياة والآن اعرف يقينا ان لا وجود لها. ابتسمت لمباغتة الموت.. اية خيبة عظيمة كانت لتكون لو اتاني في لحظة انتظرته فيها..“

وتستمر الكاتبة في مواقف فلسفية يظن القارىء انها ستشكل قاعدة او منطلقا للاحداث التي تليها. لكن القاريء يجد نفسه امام مشكلة تتلخص بما يلي: اما ان الكاتبة ربطت بين المقدمة الفكرية الوجدانية وبين الاحداث التي يفترض ان تأتي بعدها ولم يستطع القارىء ان يكتشف الرابط بين الاثنين.. او انها فعلا لم تربط بين هذه وتلك. والحالان سيان من حيث التأثير في العمل الروائي وفي خلق المتعة لدى القارىء.

تضيف هبة عليوة فتقول ”ابتسمت لانني اعلم ان الحياة لها معنى. مسافر انا الآن. انا في الزمن.. راحل الى الابدية والابدية مكان مخيف ان انت لم تعش لم تحب لم تكره لم تصرخ لم تغضب لم تجن لم تتحد نفسك وتكتشف حدودها في اليوم الف مرة لكن كل ذلك بصدق... فالحياة هوس معد انت لا تدري حين تغادرها ما تكون قد تركت منها لغيرك...“

في النهاية يخطر في بال القارىء الذي لا يعرف شيئا عن الكاتبة انها قد تكون في شيخوخة وانها تتوقع قدوم الموت في أية لحظة وأنها جاءت بهذه الكلمات ايضاحا. لكننا في ما يلي من الرواية لا نكتشف علاقة بين كل هذا وبين احداث الرواية.

في الفصل الاول تتكلم شخصية الرواية الاولى وهي هنا رجل لا امرأة. مرة اخرى نعود الى الخلاص وإلى المواقف الفكرية والايمانية الى حد ما. نقرأ ”استلقيت مرددا صلاة الهروب: لا اريد ان اكره. لا سبيل غير الحب لأنجو. جزء من هذا الحب كان رغبة في اخلاص في الصلاة وجزء منه خوفا منه ان ارتدت علي وما بقي دعاء لاكون حقا شخصا يتجه للسماء. فكم يبدو الانكار مغريا لي الآن. فكرة ان بامكاني الا اهتم.. ان اجاري نفسي في اكثر نزواتها تدميرا وارتاح من الذوات التي تتصارعني على اختلافها واقول: فليكن يوم آخر وقدر آخر ورجل آخر فمن انا في النهاية حتى اضجر.“

نقفز فجأة الى العالم الواقعي الذي لا يبدو واقعيا تماما لنا كقراء. الرجل مطرود من عمله الذي هو بحاجة اليه ومعه عامل اخر. يتوجهان الى مقهى حيث اصدقاؤهما وسط اجواء من مشاعر متباينة بين تعاطف وغيره. يعود الى منزله ليوضب اغراضه ويذهب الى مكان اخر بحثا عن عمل.

نبقى في اجواء عديدة غير محبوكة بدقة منها مثلا ان امه تطلب منه الذهاب الى منزل جده المتوفي والذي لا يعرفه ولا يعرف كيف مات واين دفن ”لملاقاة زوجته السابقة التي لسبب ما ارادت رؤية المنزل الذي جمعهما للمرة الاخيرة لاقول لها انه كان بخير.. انه عاش سعيدا ومات كذلك.“

اما امه التي تزوجت من غير ابيه فيقول عنها ”المح خاتما جديدا في يدها. تلحظ ذلك. تمد يدها نحوي لاراه تسأني ان كان يعجبني. تقول ان زوجها اشتراه لها صباحا. لا ارد عليها. هي تعرف رأيي فيه. تعرف انني لا اطيقه ورغم انني لست مثاليا الا انني كنت اكره ان اراه يغدق عليها الهدايا من مال حرام بينما هي مستمتعة بذلك.“

اما مشاعره فتظهر في قوله “نظرت في عينيها بعمق. ذهب البريق. لم اعد ارى انعكاس روحي في عينيها. صار اللهب جليدا ببرود الماس على اصابعها البليدة. اصابعها كانت ترسم كونا يوما فتكون الحياة.

”ابتسمت في اضطراب لدهشتي. كيف تجرؤ على السخرية من حنيني لامرأة كانت يوما امي.. من امراة لم تعد.. من اب لم يعش ليعرف.. من طفل كان يراه فيها والان لم يعد يراهما معا.“

لا شك في ان الكاتبة تلتقط بمهارة لحظات ترسمها لنا بما يؤثر لكننا نجد انفسنا في ”غربة“ ونغرق في الانتقال من شأن الى آخر بدون روابط كافية كما نغرق في احداث تتسم بالغرابة التي قد يسعى القارىء الى فهمها فكريا اي رمزيا هنا او فهمها فهما حرفيا هناك فلا يحقق قدرا كبيرا من النجاح في الحالتين.

ج ج - أ ح (ثق)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below