19 كانون الثاني يناير 2012 / 15:52 / منذ 6 أعوام

تحليل-الأحزاب المصرية تقترب من التوافق على السياسة الاقتصادية

من أندرو تورشيا وتميم عليان

القاهرة 19 يناير كانون الثاني (رويترز) - تبدي جماعة الإخوان المسلمين مرونة لافتة في مجال السياسات الاقتصادية بعدما حققت نصرا كبير قد يجعلها تسيطر على نصف مقاعد البرلمان في أول انتخابات شهدتها البلاد بعد ثورة العام الماضي.

ووعدت الجماعة الناخبين بتحسين معيشة الفقراء لكنها نأت بنفسها عن اقتراحات جذرية تتعلق بإعادة توزيع الثروة مؤكدة أنها ستجري مشاورات مع أحزاب أخرى تحت قبة البرلمان.

وتطلق الجماعة حملة مدهشة في أوساط رجال الأعمال تعلي من أهمية أسواق المال وتتعهد باحترام الملكية الفردية وحماية السياحة التي تعد أحد أهم مصادر العملة الصعبة للبلاد. ورغم الاستياء الذي تبديه الجماعة تجاه الخمور والبكيني قالت إنها لن تسعى لحظرهما في المناطق السياحية.

وقال أشرف بدر الدين رئيس لجنة السياسات الاقتصادية بالجماعة لرويترز ”سنكون جزءا من البرلمان... سنعمل بدعم من أحزاب أخرى.“

وبعد مرور عام على الإطاحة بالرئيس حسني مبارك تسعى معظم الأحزاب الكبرى للتوصل إلى توافق على أسلوب إدارة اقتصاد البلاد بعدما أصبح تآكل الاحتياطي النقدي ينذر بانهيار العملة وبعد أن اضطرت الحكومة التي تسعى لتمويل عجز الموازنة إلى دفع سعر فائدة على أذون الخزانة قصيرة الأجل يزيد على 15 في المئة.

وتبدو العملية صعبة ويحوطها الغموض لكن ثمة دلائل على قرب التوصل إلى مسار مشترك منها الاتفاق على تلقي مساعدات من صندوق النقد ومانحين أجانب آخرين وتوفير الحماية للشركات الخاصة وأسواق رأس المال وتقليص عجز الموازنة وإقراض المال للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بهدف خلق فرص العمل.

وربما يتحقق التوافق في اللحظة المناسبة بما يجنب البلاد كارثة اقتصادية.

يقول آنجوس بلير رئيس الأبحاث بشركة بولتون المالية ”البرلمان الجديد سيواجه بعض التحديات الكبيرة ليس أقلها محاولة وضع برنامج توافقي يعيد الثقة ويساعد في استعادة الاستقرار الاقتصادي.“

ويضيف ”عليهم (البرلمان) أن يتخذوا إجراء قويا حول قضية رئيسية واحدة أو أكثر ليؤكدوا جديتهم.“

ووقعت السياسة الاقتصادية للبلاد في مأزق منذ الإطاحة بمبارك. فالحكومات المدعومة من الجيش الذي حلت محل مبارك مفتقرة للشعبية وخائفة من إثارة اضطرابات جديدة أحجمت عن إجراء إصلاحات. وفي يونيو حزيران الماضي رفض الجيش قرضا من صندوق النقد بقيمة ثلاثة مليارات دولار بدافع الكرامة الوطنية والتردد في الالتزام بشروط منها تقييد حرية الإنفاق الحكومي.

وتوقفت استثمارات شركات محلية وأجنبية في البلاد على نطاق واسع بسبب الضبابية التي تغلف سياسات الحكومة التي ستأتي بعد الانتخابات والتي ستسيطر عليها أحزاب كانت محدودة النشاط أو مستبعدة تماما في عهد مبارك.

وقبيل إعلان النتائج النهائية للانتخابات يتوقع الإخوان حصد 46 في المئة من مقاعد مجلس الشعب ويتوقع حزب النور السلفي الفوز بحوالي 23 في المئة من المقاعد بينما توزع بقية المقاعد على أحزاب علمانية وليبرالية ومستقلين.

وفي كل الأحوال سيكون الاتفاق على سياسة معينة في هذا البرلمان متنوع الأطياف بمثابة تحد. ويؤكد هذا التعقيد أن شكل النظام السياسي القادم لم يتضح بعد.

ويقول الجيش إنه سيظل ممسكا بزمام السلطة حتى نهاية يونيو حزيران القادم وبحلول هذا الموعد يكون قد تم انتخاب رئيس الجمهورية لكن هناك مسائل دستورية مثل توازن السلطات بين الرئاسة والبرلمان لابد أن تحسم.

ولكن ظهرت دلائل في الاسابيع القليلة الماضية على أن الأحزاب بدأت المساومة على السياسات.

فقدم الإخوان المسلمون اقتراحات محددة بشأن تعديلات ضريبية وإصلاحات أخرى. وقال بدر الدين إن جماعة الإخوان المسلمين أجرت اتصالات غير رسمية مع أحزاب أخرى لكنها لم تجر محادثات رسمية معها حول السياسات الاقتصادية.

وقال حسن أبو سعدة رئيس حكومة الظل لحزب الوفد ووزير ماليتها والذي من المتوقع أن يحصد حزبه عشرة في المئة من مقاعد البرلمان الجديد إن أعضاء الحزب أجروا نقاشات مشجعة مع الإخوان حول الاقتصاد.

ويعتبر حزب الوفد الجديد الليبرالي امتدادا لأحد أعرق الأحزاب السياسية المصرية وهو الحزب المفضل لكثير من رجال الأعمال.

ويقول أبوسعدة ”أستطيع أن أستنتج من هذه النقاشات مع الإخوان أنهم معتدلون وليسوا متطرفين وهناك اتفاق كبير (بين الوفد والإخوان) على الأفكار والسياسات.“

واستأنفت الحكومة المدعومة من الجيش محادثاتها مع صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع بشأن اقتراض ما لا يقل عن 3.2 مليار دولار لتجنب كارثة بميزان المدفوعات. وقال الصندوق إن أي اتفاق يجب أن يحظى ”بدعم سياسي كبير“ في البلاد.

ومن شأن أي اتفاق مع الصندوق أن يحد من قدرة السياسيين على الإنفاق على الأرجح لكن المحادثات مع الصندوق لم تلق معارضة من أي حزب بارز. ويقول الإخوان إنهم قد يقبلون باتفاق بعد استنفاد كل البدائل على أن يكون خالية من الشروط وهي صيغة لحفظ ماء الوجه قد تجعل مصر تقدم ضمانات حول السياسات للصندوق في خطاب نوايا بدلا من توقيع اتفاقية ملزمة.

ويأتي أكبر تهديد لتوافق الأحزاب المساندة لدور القطاع الخاص من حزب النور السلفي الذي قال إنه لا يعارض الاستثمار الخاص أو رأس المال الأجنبي بشرط أن ”تحدد الدولة القطاعات الحيوية التي تحتاج لرأسمال استثماري.“

وقال يسري حماد المتحدث باسم الحزب لصحيفة المصري اليوم إن البرنامج الاقتصادي للحزب يركز على تحقيق التوازن بين الأغنياء والفقراء وإنه اقرب إلى التيار اليساري في تحقيق العدالة الاجتماعية ورعاية الفقراء.

وفي ظل تحالف برلماني متوقع بين الإخوان وبعض أعضاء المجلس الليبراليين أو المستقلين قد تتضاءل فرص حزب النور في إملاء وجهات نظره. وقد يفقد حزب النور دعما شعبيا إن بدا معطلا لسياسات تحفيز النمو.

وقد يكون الاتفاق على كيفية خفض عجز الموازنة صعبا أيضا.

ولم يتوصل الاخوان والاحزاب الأخرى رغم اتفاقهم على الحاجة إلى الادخار إلى موقف مشترك يسفر عن خطوات واضحة كلها تقريبا قد تعرضهم لمخاطرة سياسية.

وتقدر الحكومة عجز الموازنة بمبلغ 134 مليار جنيه (22 مليار جنيه) أو 8.6 في المئة من الناتج الإجمالي في العام المالي الذي ينتهي 30 يونيو 2012. وقد يحتاج خفض العجز تدريجيا على مدى بضع سنوات إلى ثلاثة في المئة وهي النسبة التي يطالب الاتحاد الأوروبي أعضاءه بها إلى تقليل الإنفاق بواقع 80 مليار جنيه أو توليد إيرادات جديدة بنفس القيمة.

ويسعى كثير من الأحزاب إلى تجنب الخيارات الصعبة الآن باتخاذ خطوات قصيرة الأمد من قبيل إعادة توجيه مبلغ يقدر بنحو 35 مليار جنيه من الاحتياطيات المالية المتراكمة لدى وزارات الدولة ودعوة الشركات إلى دفع ضرائبها مبكرا وتأجيل الاستثمار في مشاريع بنية تحتية كقناة السويس.

وثمة اقتراحات أكثر ملاءمة منها خفض الإنفاق العسكري بصورة مؤقتة على الأقل رغم أن هذا الاقتراح قد يفجر خلافات بين الحكومة الجديدة والجيش ورفع أسعار صادرات الغاز الطبيعي.

ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط العام الماضي عن عصام شرف الذي كان رئيس الحكومة آنذاك إن تعديل أسعار الغاز قد يوفر لمصر ما بين ثلاثة وأربعة مليارات جنيه سنويا لكنه يتوقف على عدة عوامل.

ويقول الإخوان إنهم راغبون في دراسة إصلاح منظومة دعم الغذاء والطاقة غير الرشيدة ربما عبر دفع مبالغ نقدية لمستحقي الدعم مباشرة. ويكلف دعم الغذاء الحكومة ما يربو على 30 مليار جنيه سنويا.

لكن تعديل منظومة الدعم قد يؤدي إلى كارثة سياسية كما حدث في نيجيريا الأسبوع الماضي.

وقال بدر الدين أن تعديل الدعم يجب أن يسنتند إلى توافق حزبي واسع النطاق.

وأضاف لصحيفة الأهرام إن من الممكن زيادة الضرائب على القطاعات التجارية والريعية والتي تشمل القطاع العقاري لزيادة إيرادات الحكومة وقد تجني الدولة أكثر من مليار جنيه من زيادة الضرائب على قطاع الاتصالات.

ويميل الإخوان أيضا إلى فرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية لكنها ستكون منخفضة -تمثل حوالي ثلاثة في المئة على الصناديق الراغبة في مغادرة سوق المال قبل مرور ستة أشهر على دخولها واسعار فائدة أكثر انخفاضا على المستثمرين في الأجل الطويل- وقد يكون من الصعب زيادة معظم الضرائب مع تلافي وقوع أضرار على الاقتصاد. وسيدرس الإخوان تطبيق خفض ضريبي على القطاعات كثيفة العمالة مثل صناعة النسيج.

وتؤكد أحزاب عديدة أن هدفها هو توجيه مزيد من أموال الحكومة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة. وقدم حزب الوفد اقتراحا لتنفيذ ذلك عبر بنك حكومي ذي طبيعة خاصة وهو اقتراح قد يحظى بالتأييد.

وسوف يستفيد الاقتصاد أيضا من إصلاحات مثل تحرير بعض القطاعات وتطبيق تعديلات قانونية تسهم في تصفية النزاعات المحتدمة حول حقوق الملكية.

لكن قد يتأخر ذلك إذ أن البرلمان القادم سينشغل في باديء الأمر بتحد قصير الأمد هو دعم الوضع المالي والاقتصادي للبلاد.

ويرى صايم علي المحلل المتخصص في شؤون منطقة شمال أفريقيا في بنك ستاندرد تشارترد أن الحكومة الجديدة ستحافظ على نظام السوق الحرة الذي أدخله مجلس الوزراء الإصلاحي عام 2004- 2005. ولا يتوقع الخبير اتخاذ أي إجراءات جذرية بشأن السياسات في الفترة القريبة القادمة على الأقل.

ويقول ”في الفترة الأولى ستكون الحكومة الجديدة مشغولة بإطفاء الحرائق وستظل يداها مغلولة إلى حد كبير.“

أ ل - ل ص

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below