16 آذار مارس 2016 / 11:33 / بعد عامين

تحليل-الفوز بمقعد في "مجلس إدارة العالم" أتاح لبوتين تقليص عملياته في سوريا

من أندرو أوزبورن

موسكو 16 مارس آذار (رويترز) - أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن ما حققه من نجاح عسكري في سوريا كان دافعه لتقليص حجم قواته على الأراضي السورية. لكن الأرجح أن ما دفعه لأخذ هذه الخطوة هو اعتقاده أن التدخل العسكري ضمن له مقعدا على مائدة الكبار في إدارة الشؤون العالمية.

كانت العملية التي بدأت روسيا تنفيذها في سوريا في 30 سبتمبر أيلول من العام الماضي منطقية للكرملين من الناحية العسكرية والدبلوماسية بل وعلى صعيد السياسة الداخلية إذ كان الكرملين يحرص على دعم أقرب حلفائه في منطقة الشرق الأوسط وحماية قاعدته البحرية الوحيدة في البحر المتوسط.

وقد حقق هذين الهدفين إلى حد بعيد.

غير أن تحليلا لتعليقات الرئيس الروسي وغيره من المسؤولين وكذلك محادثات مع شخصيات مطلعة على أسلوبه في التفكير كل ذلك يشير إلى أن هدفه الأساسي كان جعل روسيا طرفا لا يمكن الاستغناء عنه في عملية السلام السورية حتى يمكنها استعادة قدر من المكانة الدولية التي كان الاتحاد السوفيتي يتمتع بها.

وقال الكسندر باونوف الباحث بمركز كارنيجي موسكو ”روسيا عادت إلى مجلس الإدارة العالمي... إلى المائدة التي تقرر عليها القوى العالمية والإقليمية مصير صراعات الآخرين ومن الواضح أن روسيا ليست طرفا محليا بل عالميا.“

وقد اشتهر عن بوتين غموضه واستحالة التنبؤ بتصرفاته ولم يكن قراره خفض الوجود العسكري الروسي في سوريا استثناء من ذلك.

وهو لا يضع ثقته سوى في زمرة صغيرة من الشخصيات المقربة منه وقد جاء التحرك الأخير مفاجأة كاملة لكثيرين في الكرملين ووزارة الدفاع.

وقال مصدر بصناعة الدفاع لرويترز مشترطا عدم نشر اسمه بسبب حساسية المسألة ”أمضيت اليوم كله في وزارة الدفاع ولم نسمع أي شيء.“

ورددت وسائل الدعاية التابعة للدولة يوم الثلاثاء عبارة ”إنجاز المهمة“ في تقليد متعمد للعبارة التي كتبت على سفينة حربية أمريكية عام 2003 عندما أعلن الرئيس جورج دبليو بوش نهاية العمليات القتالية الرئيسية في العراق.

ويقول البعض إن المهمة الحقيقية كانت منح روسيا نفوذا على ساحة الشؤون العالمية.

ففي غضون ستة أشهر تحولت روسيا من دولة منبوذة في الغرب بسبب ضم شبه جزيرة القرم ودعم المتمردين المؤيدين للكرملين في شرق أوكرانيا إلى شريك يتجه إليه الكل فيما يتعلق بسوريا.

وبعد أن كان قادة الغرب يترفعون عن التعامل مع روسيا أصبحت موسكو الآن طرفا معتادا للتحاور عند واشنطن وقادة الاتحاد الأوروبي.

وقال نيكولاي بتروف الخبير السياسي بكلية الاقتصاد العليا في موسكو ”بوتين حصل على كل الفوائد السياسية. ومن الأفضل الانسحاب قبل أن تزيد التكاليف وقبل أن يقع أي حادث وقبل أن تصبح المخاطر أكبر من اللازم.“

وتقدر رويترز إن العملية التي استمرت خمسة أشهر كلفت الكرملين ما بين 700 مليون و800 مليون دولار. وكان الثمن من العنصر البشري أكبر.

ورغم أن الإحصاء الرسمي للجيش الروسي يشير إلى سقوط أربعة قتلى فقط فقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية أنه نسف طائرة ركاب روسية فوق مصر في أكتوبر تشرين الأول ما أسفر عن مقتل 224 شخصا على متنها انتقاما لما يجري في سوريا.

* النظام العالمي الجديد

ويمثل إعادة تأكيد صوت روسيا على الساحة العالمية أمرا يحظى بأهمية كبيرة لبوتين الذي شغل على مدار الخمسة عشر عاما الماضية منصبي الرئيس ورئيس الوزراء ومن المعتقد أنه يولي أهمية خاصة لما سيذكره التاريخ عنه وفي الوقت نفسه لا يبدي أي بادرة على الرغبة في الرحيل عن الكرملين.

ويسعى بوتين منذ مدة طويلة لتأسيس نظام عالمي جديد متعدد الأطراف تعمل فيه قوى أخرى كثقل مواز للنفوذ الأمريكي.

وفي خطاب ألقاه في الأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر أيلول الماضي شكا بوتين من ”غطرسة“ من قال إنهم دبروا الربيع العربي ”ومنحوا أنفسهم الاستثناءات وإفلاتهم من العقاب“ في تلميح شبه صريح إلى الولايات المتحدة.

وفي الشهر الماضي رسم حليفه ورئيس وزرائه ديمتري ميدفيديف الخطوط العامة للنظام العالمي الذي يتمناه الكرملين فاستشهد بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 كنموذج على قدرة موسكو وواشنطن على تسوية الأزمات الخطيرة.

وقال إنه يعتقد أن بإمكان القوى العالمية أن تتعاون معا في اتحاد يقوم على العدل والمساواة للحفاظ على السلام العالمي.

ويقول المسؤولون الروس إن الأحداث الأخيرة تظهر إلى أي حد تأكدت أهمية موسكو من جديد.

ويشير المسؤولون إلى أن روسيا بمشاركة الولايات المتحدة قامت بدور الوساطة في الوقف الحالي للأعمال القتالية في سوريا رغم هشاشته. ولا يفوت المسؤولون فرصة لتأكيد أن الجانب الأمريكي لجأ مرة تلو المرة إليهم لتقديم المساعدة في سوريا.

وطار جون كيري وزير الخارجية الأمريكي إلى موسكو في ديسمبر كانون الأول لبحث المسألة السورية مع بوتين وفي الفترة الأخيرة كان يتحدث بصفة شبه يومية تقريبا مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف حسبما تؤكد بيانات الكرملين والبيت الأبيض.

بل إن منتقدي بوتين اعترفوا بالمكانة التي حققتها سوريا للزعيم الروسي.

وقال فيليب هاموند وزير الخارجية البريطاني لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) في الشهر الماضي ”يوجد رجل واحد على هذا الكوكب يمكنه أن ينهي الحرب في سوريا بمكالمة هاتفية وهذا الرجل هو بوتين.“

* الأسد في أمان

من خلال تقليص الوجود العسكري بعد حملة شملت أكثر من 9000 طلعة وقدرت تكاليفها بما بين 700 و800 مليون دولار قلل الكرملين احتمالات تورطه في صراع إقليمي محتمل مع تركيا أو السعودية.

وعلى الرغم من أنه لم يسجل نصرا عسكريا باهرا مثل الاستيلاء على حلب بالكامل فإن الكرملين يعتقد أنه بذل ما يكفي لضمان صمود الأسد وقواته.

وعلى الصعيد الداخلي ساهم التدخل الروسي في إبقاء معدلات شعبية بوتين قرب مستوياتها القياسية كما كان بمثابة أداة مفيدة لصرف الأنظار عن المشاكل الاقتصادية.

ووسط عزف الفرق الموسيقية العسكرية والخطب الرنانة عرض التلفزيون الروسي يوم الثلاثاء قرار تخفيض القوات باعتباره ذروة لحرب قصيرة انتهت بتحقيق النصر.

لكن البعض قد يرى في الانسحاب الجزئي الذي نفذه بوتين في سوريا انقلابا دبلوماسيا وأن عودة بلاده للمسرح العالمي لم تحقق النجاح الكامل.

ومازالت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على موسكو بسبب الأزمة الأوكرانية سارية وتسهم في تعقيد أزمة مالية داخلية ازدادت سوءا بانهيار أسعار النفط.

ويعتقد بعض المحللين أن قرار خفض حجم القوات الروسية في سوريا أملاه ضعف وإدراك أن روسيا لا يمكنها إبرام اتفاق مع الغرب بشأن سوريا لرفع العقوبات السارية عليها.

ويقول آخرون إنه لا يمكن معرفة دوافع بوتين ومن هؤلاء دبلوماسي غربي قال لرويترز إن أنباء التحرك الأخير كانت مفاجأة كاملة له وليس لها أي تفسير.

وقال وزير الخارجية البريطاني هاموند يوم الثلاثاء ”لا أحد منا يعرف ما هو قصد السيد بوتين عندما ينفذ أي عمل ولهذا السبب هو شريك صعب للغاية في أي وضع كهذا.“

وتفسر بعض الدوائر خطوة بوتين بأنها محاولة للتأثير في نتيجة محادثات السلام الروسية في جنيف وربما الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد كي يتحلى بالجدية فيما يتعلق بالتوصل لاتفاق.

ومع ذلك فإن قلة قليلة داخل روسيا هي التي تعتقد أن الأسد عرضة لفقدان دعم بوتين حتى إذا كان الكرملين يريد منه خوض أي انتخابات رئاسية تجري مستقبلا.

ولم يبد بوتين ما يشير إلى أنه يكن إعجابا خاصا بالزعيم السوري لكنه لا يرى فائدة تذكر في إبداله بشخص ربما يتضح فيما بعد أنه أسوأ ولا يؤمن بأن سوريا مستعدة للديمقراطية على النمط الغربي.

وعلى أي حال فقد وقى بوتين نفسه من الخسارة.

فبوسعه إذا ما شعر بأن الخطر يحدق بالنفوذ العالمي الذي اكتسبه في الآونة الأخيرة أو بالأسد أن يستخدم القاعدتين العسكريتين اللتين تركهما في سوريا لتوسيع الوجود العسكري الروسي على وجه السرعة.

كذلك فقد حمى استراتيجيته فيما يتعلق بالعلاقات العامة.

وقال باونوف من مركز كارنيجي ”إذا تحول وقف إطلاق النار إلى سلام طويل الأمد فسيعتبر هو المنتصر تلقائيا. لكن إذا تفجرت الحرب من جديد بوسعه دائما أن يقول ‘أترون. عندما كنا هناك كان الجميع يحاول التوصل للسلام لكن بعد رحيلنا تفجرت الحرب‘.“

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير محمد اليماني

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below