20 آذار مارس 2016 / 15:03 / منذ عامين

عزت القمحاوي يقدم أوجها عديدة للحقيقة في (السماء على نحو وشيك)

من أيمن سعد مسلم

القاهرة 20 مارس آذار (رويترز) - في مجموعته القصصية (السماء على نحو وشيك) لا يعتمد المؤلف على السرد التقليدي المسطح لأحداث من وحي الخيال أو حتى مستوحاة من الواقع.. لكنه يسعى إلى تفجير شحنات عاطفية مكبوتة وأفكار جامحة في داخل النفس البشرية من خلال مواقف حياتية معتادة.

تضم المجموعة -التي يطلق عليها المؤلف وصف ”روايتان قصيرتان وخمس قصص“- سبع قصص قصيرة فتبدأ بقصة أطول نسبيا عنوانها (شكر الله سعيك) ثم خمس قصص قصيرة وتختتم بما يصفه الكاتب بأنه رواية قصيرة ثانية عنوانها (عزيزنا الضيف).

المجموعة القصصية عبارة عن مجموعة مواقف يعيشها الإنسان لكن كل فرد منا يراها من منظوره الخاص. باختصار يقدم للحقيقة أوجها عديدة تختلف باختلاف الشخص الذي يعيشها والعين التي تراها.

يستخدم المؤلف أدوات كثيرة منها القدرة الواضحة على اقتحام النفس وتحويل داخلها المحسوس إلى شيء ملموس تكاد تقبض عليه بيدك وأنت مستغرق في القراءة.. علاوة على ذلك فاللحظة عند الكاتب طويلة جدا بل إنه يقبض على الساعة الزمنية ”الغير البيولوجية“ للقارئ فيوقفها برهة من الزمن ويعيدها أحيانا إلى الوراء ويستشرف في أحيان أخرى أزمنة طويلة قادمة..كل ذلك في آن واحد في موقف حياتي بسيط لكنه مُعقد ”سيكولوجيا“.

يتعمد الروائي عزت القمحاوي في مجموعته القصصية ألا يعطي معظم شخوص قصصه أسماء ولا يحدد لهم أماكن ربما لتعميم هذه الشخصيات إذ أن المواقف التي نعايشها مع الكاتب مواقف مألوفة تحدث وتتواتر مع جميع البشر باختلاف شخصياتهم وطبائعهم وبلادهم.

في ”الرواية“ الأولى لا يقص القمحاوي ولا يحكي بل يستولد من نظرة العين آلاف المشاعر ومن الخاطرة عشرات الخواطر الوليدة.. فبطل الرواية ساكن المدينة يعود إلى القرية لتشييع جثمان أخيه الذي كان مريضا بالسرطان.

يضعنا المؤلف في حالة من الحيرة فمرة نتعاطف مع الرجل ومرة أخرى نشعر بالحياد إزاءه وتارة ثالثة بتأنيب الضمير خاصة عندما يعاتب ساكن المدينة نفسه على ما اعتبره تقصيرا في حق أخيه في مرضه. وينقلنا بعد ذلك إلى الإحساس القوي بالغربة في القرية التي هي موطنه الأصلي.

في المقابل تفرض المقارنة نفسها بين ساكن المدينة المهزوز المُثقل بالمشاعر المضطربة وبين الإعجاب بابن أخيه الشاب الذي يستدبر القبلة قبل صلاة الجنازة مناديا ”يا أهل البلد.. أنا ابن المتوفى.. إن كان لأحدكم على أبي دين فليأحذه مني“. إنه ”رجل جديد تخلق من العظام الخفيفة الهشة التي تركها السرطان.. شق الغلام قشرة الأب وخرج مكتملا.“ إنها رواية اليوم الواحد أو رواية البضع ساعات.

استقبل بطل الرواية الاتصال الهاتفي من زوجة أخيه في الصباح وهرول لدفنه قبل أن يستأنف الغربة ويغادر القرية ليلا عائدا إلى المدينة.. هذه السويعات القليلة هي عمر الرواية. لكنها رغم قصرها الزمني غنية بالمشاعر ثرية بالأفكار.. ليصل البطل الذي كُتبت عليه الغربة في المدينة والغربة في قريته لأن يستسلم في النهاية للحقيقة التي تجسدت أمامه في ابن أخيه الشاب. الجذر الجديد الذي ينبت لكي يحمل النخلة العجوز..”فعندما تطعن النخلة العجوز في السن ويصبح جذعها الطويل عرضة لعصف الريح لا يستسلم المزارع الماهر بسهولة... يثبت خاتما من القش والحبال قرب رأسها ويرفع فوقه حلقة من التراب.. يواظب على ريها حتى تضرب النخلة جذورا جديدة في ذلك الخاتم فيقطعها من تحته ويعيد غرسها فتكون نخلة جديدة صغيرة مثمرة“.

كان أخوه الراحل تلك النخلة وسيصبح ابن أخيه النخلة الجديدة أما هو فإنه ينتهز أقرب فرصة للعودة إلى غربته في المدينة.

أما القصص الخمس التي تتوسط الروايتين فهي عبارة عن ”مواقف“ أو ”لحظات“ لكنها لحظات ثرية رغم قصرها.. أولها تحمل عنوان ”الموقد“ فيجعل الكاتب من فرحة امرأة عجوز أرملة بموقد جديد حدثا هائلا تتمحور حوله كثير من أحداث الحياة وتستعيد به الكثير من الذكريات بينما تتحدث بثرثرة مثل كثير من العجائز وتعزم الضيف الذي لا يتحرك ولا يتكلم طوال القصة ”تشرب قهوة؟“ و ”تشرب شاي؟“

وفي قصة (إنه الخريف) يستفيض الكاتب في تكثيف اللحظة التي يفترض أنها لحظة عابرة. فهذا راكب التاكسي الذي تدور في رأسه مئات المعارك مع الغبار الذي يلف المدينة والذي يرتبط بتغير المناخ حتى مراودة النفس واحتيالها كي يقلل من ثمن الأجرة التي سيدفعها لسائق التاكسي ”الخرب“ الذي يبث سمومه في الجو في نهاية المطاف.. نفس الأفكار والمشاعر تتجسد لكن بطريقة أخرى ومن منظور آخر وهو منظور سائق التاكسي الذي لا يقل عنه حيرة.

إنها لحظات عابرة في الحياة.. مواقف يمر بها المرء عشرات وربما مئات المرات .. يضعنا الروائي في قلبها يوقف الزمن القصير أصلا ويدفعنا للغوص في أدق تفاصيل اللحظة.

وفي قصة أخرى بعنوان (يطارد الغبار) يعود الرجل إلى شقته المهجورة بعد طول غياب مُتسائلا ”هل كانت غيبتي طويلة إلى حد تبجح الأشباح“ ليجد ”قطة مستلقية فرشت أثداءها لستة رضع.. لم تجد أمانا في هذا العالم إلا خلف إصيص“ على بسطة السلم؟ يتذكر في شبابه القطة التي اشتراها بعد إلحاح ابنته.. يتهيأ له أنه قد آن الأوان الآن لكي يصدر كتابه الرابع الذي ”ظل معلقا بين روحه والورق“. ليصل في النهاية إلى حقيقة أنه عاش حياته ”مثل قطة شوارع حُبلى تبحث عن مكان آمن لتضع حملها“. في النهاية لم يجد ما يفعله سوى أن ”أنهى قهوته وشرع يطارد الغبار.. نفض الكراسي.. بلل المنشفة وأكمل مسح الطاولة“.

القصة الرابعة بعنوان (وحدهما) تحفل بخواطر رجل في ليلة زواج أصغر الأبناء.. ليقر في نهايتها لزوجته ”عدنا اثنين كما بدأنا لكننا الآن غير قابلين للزيادة.. مد لها يده يساعدها على الوقوف.. تساندا وسارا باتجاه الغرفة.“

القصة التالية (عتمة صباحية) عن قصة صداقة بين رجل ويمامة اختارت شباك غرفته لتبني عشها وتضع بيضها.. وهو ”لا يعرف إن كان يريد لهذه الأسرة أن ترحل بعد أن اعتاد وجودها“.. ويظل حائرا بين تقلبه في النوم والتشوش المربك والفضول الطفولي لانتظار خروج فرخين جديدين لزوج اليمام والتقاط صورة ”سيلفي“ معهما يكتب عليها ”انظروا حتى اليمام يستأمنني على أفراخه“ لكنه يعود مُستدركا أنه ليس شركة أو مشروعا ليستغل الصورة في دعاية مربحة.

أما (مقعد في الحديقة) فهي عن لحظة سفر. ليست لحظة فراق حبيب لحبيبته لكنها لحظة سفر رجل كهل أنضجته الأيام وامرأة شابة يرى في عشقها حرجا له فيما تنظر هي إلى هذه العلاقة بنظرة مختلفة تماما.. إنه مسافر يشعر بالاضطراب.. اضطراب كهل وقع في عشق فتاة تصغره في السن.. لا يريد أن يجرح عشقها.. ولا يريد أن يراه الآخرون كهلا متصابيا خاصة سائق التاكسي الذي ”ليس في تلصصه ذئبية المتحرش ولا زجر المتزمت.. بل محض فضول“.

الرواية الأخيرة ”عزيزنا الضيف“ مسافر آخر يحاول أن يواصل الحياة في السفر كما كان يفعل في الشباب..يسعى لاصطياد امرأة ينشغل بنظرات نزيلة من نزيلات الفندق.. لكن سرعان ما يتحول مصدر السعادة إلى التلذذ بوحدته و”عريه“ منفردا في الغرفة.. قبل أن يقوده الملل في نهاية المطاف إلى قرار المغادرة.

تحرير سيف الدين حمدان

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below