رواية (حارس الموتى).. رحلة مع الأحياء الأموات تنتهك خصوصية الحرب

Thu Mar 31, 2016 9:00am GMT
 

من داليا نعمة

القاهرة 31 مارس آذار (رويترز) - تشوه الحرب كل شيء.. النفس القروية البسيطة.. الحب والمبادئ مهما حاولت تحييدها أو دافعت عن أسباب سقوطها. لا تفرق الحرب بين المارة ولا المقاتلين وراء المتاريس ولا الآمنين في بيوتهم. هي امتحان يفشل فيه الجميع مهما حاولوا النأي بأنفسهم عنه والتنقل على هوامشه. ورواية (حارس الموتى) التي ينقلك مؤلفها اللبناني جورج يرق بين مشاهد الموت الحسي والمعنوي تختصر كل ذلك.

تبدأ الرواية بصدفة عابرة يعتبرها البطل "مسؤولة عما يعانيه". هو عابر الليطاني القروي البسيط الذي كما غيره الكثير من الشبان في بداية الحرب الأهلية شاء قدره أن يكون في المكان الخطأ والزمان الخطأ لتخرج الأحداث بعد ذلك من بين يديه وتقوده كما الكثيرين غيره بعيدا عن بيوتهم وقراهم وعائلاتهم وتحولهم وقودا لمعارك دامت حتى أضحت روتينا.

يتناول يرق في روايته عن طبقة من المقاتلين كانت مجرد عدد لا يذكرها أحد ولا يتوقف عندها أحد ولم يحاسبها أحد. طبقة كان همها تأمين المأوى والطعام والدخل أو الانتفاع إلى أقصى الحدود فهي لم تدخل الحرب للنضال أو دفاعا عن أفكار أو أرض أو عقيدة رغم ما كانت تزخر به الحرب اللبنانية والفترة التي نشبت فيها من شعارات وصراعات بين المبادئ المختلفة والتوجهات والسياسات الداخلية والإقليمية وحتى الدينية.

اختار يرق ما يمكن وصفه "بأعواد ثقاب" الحرب ليكونوا شخصيات روايته الذين كانوا الوسيلة وشهدوا من الحرب أسوأ ما فيها وأخرجت الحرب أسوأ ما فيهم.

جل ما كان يريده عابر الليطاني في قريته الوادعة أن يصطاد طائر المطوق لكن دوامة الطائفية والعصبية قادته إلى رحلة أدخلته الحرب لسبب نفعي تماما رافقه طيلة رحلته فيها بعد ذلك وهو توفير المأوى والطعام.

"الأعمار ملك صاحبها تعالى .. ولا أحد يموت قبل ساعته" قولان تلفظ بهما عابر في بداية الرواية وتابع مدافعا عن قضيته وصورته أمام القارئ "أكررهما على غرار الكثير من الناس خصوصا أولئك الذين يرفضون الحرب والقتل لكنهم مرغمون على العيش في ظلالهما على قاعدة مكره أخوك لا بطل."

رحلة استكشاف عابر القروي للمدينة التي تأكلها الحرب تعيد القارئ الذي عاشها إلى مشاهد مختلفة وتستمتع بمرافقته خلال النهار عند "عالم الأرصفة.. المزيج من المتناقضات الصارخة" حتى يحل الليل "عدو الغرباء" فتتنقل معه قلقا بين السيارات والملاجئ ومداخل الأبنية.

لا يمر الربع الأول من الرواية إلا ويكون عابر قد اختار الطريق الأسهل للنجاة خلال أي حرب .. أن يكون جزءا منها .. صيادا لا طيرا. من اللحظة الأولى لدخوله الميليشيا يبدأ عابر بتبرير لنفسه "أتدرب على القنص لكي أتفادى القتل .. ولأن علي فعل ذلك حتى لا أعود متشردا."   يتبع