12 نيسان أبريل 2016 / 12:52 / بعد عام واحد

41 عاما على الحرب الاهلية في لبنان وما تزال اسطوانات القذائف معلقة بجدار القصر

من علي حشيشو

صيدا (لبنان) 12 أبريل نيسان (رويترز) - في السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية بين الاعوام 1985 و1991 كانت قرية كفرفالوس خط تماس ملتهبا بين مدينتي صيدا وجزين وكانت تعتبر محاور قتال بين مقاتلي الاحزاب الوطنية اللبنانية والفلسطينية من جهة صيدا وبين مقاتلي جيش لبنان الجنوبي الذي أنشأته اسرائيل بقيادة انطوان لحد من جهة جزين.

بداية المعارك التي استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة الصاروخية والمدفعية والرشاشات شارك فيها مقاتلون من حزبي الكتائب والقوات اللبنانية الى جانب قوات لحد واستمرت المعارك ست سنوات.

احد المواقع الرئيسة لجيش لحد كان عبارة عن قصر حصين مبني بالحجر الصخري يعود لأحد أثرياء المنطقة (نقولا سالم).

اليوم وبعد مضي أكثر من ثلاثين عاما على تلك الحرب صار الموقع "القصر" مهجورا لكنه ما زال يحتفظ باستحكاماته الاسمنتية وتحصيناته من متاريس وبراميل مليئة بالتراب وهو تحول الى مكان يصطحب اليه المصورون العرسان لالتقاط صور ما قبل الزفاف أمام خراب المبنى كما ويقصده أهل المنطقة للتنزه والشواء في باحته الواسعة.

قبل أيام زاره كل من رشيد وسمير وربيع (وهم مقاتلون سابقون ينتمون إلى الحزب الديمقراطي الشعبي - تنظيم شيوعي- طوال السنوات الست) زاروه بصحبة اولادهم لاطلاعهم على الجبهة التي كانوا يحاربون فيها وتحديدا الى "قصر سالم" الذي كانوا يتولون قصفه من موقعهم المقابل في قرية عين المير من على بعد 1200 متر بمدفع سوفيتي من طراز (بي. 10) ومدفع هاون عيار 82 ملم وأيضا بواسطة رشاش "دوشكا".

تفاجأ المقاتلون السابقون الثلاثة بدقة اصاباتهم عندما وجدوا عشرات الاسطوانات المتبقية من قذائفهم لا تزال عالقة بجدران الموقع وبعضها قد اخترق الى داخل استحكاماته وغرف منام الجنود فيه. شرعوا بالتقاط الصور الى جانب بقايا قذافهم وبدأووا بتجميعها للاحتفاظ بها كذكرى من تلك الحرب التي انخرطوا فيها بعمر ال 17 عاما وقد اصبحوا اليوم على مشارف الخمسين.

مشطوا القصر بطوابقه الثلاثة بحثا عن ذكرى فلم يجدوا الا رصاصا فارغا قد أكله الصدأ وبراميل مهترئة كانت في ما مضى تحمي "العدو" من قذائفهم كما سروا كثيرا عندما وجدوا صناديق ذخيرة خاوية ومخلعة عليها كتابات باللغة العبرية حمل احداها رشيد (الذي أصيب خلال عملية تسلل بانفجار لغم أرضي إسرائيلي جعله يلبس ساقا بلاستيكية وعينا زجاجية) "هذا أكبر دليل على انها لم تكن حربا أهلية بين لبنانيين.. كانت حربا بين وطنيين واحتلال أجنبي".

يوافقه سمير الذي كان من أمهر رماة المدفعية "لم نكن مقاتلين مسلمين نقاتل مسلحين مسيحيين. والدليل ان في صفوفنا كان معنا رفاق مسيحيون وفي جبهة العدو كان الجنود خليط بين المسلمين والمسيحيين، واصلا نحن علمانيون لا ننظر الى الانسان بحسب تصنيفه الديني او الطائفي" يقول ذلك بينما يشحذ قوته لتخريب احدى الدشم على سطح الموقع.

اما ربيع فكان منشغلا بنزع اسطوانات القذائف العالقة بجدران القصر كالسهام "كنا نقصف هذا الموقع يوميا بقذائف (بي. 10) وكنا على ثقة أننا نصيب أهدافنا لكنني اليوم مصدوم من دقة إصاباتنا لقد تمكنا من إدخال بعض تلك القذائف داخل طاقات الاستحكامات.. حتما قتلنا الكثير منهم".

على مسمع من اولادهم مضى الثلاثة يتفقدون الفجوات التي خلفتها قذائفهم في المبنى وكذلك آثار طلقات الدوشكا وجمعوا 16 اسطوانة قذيفة وعددا من فراشات قذائف الهاون مستعيدين أيام القتال ولحظات الخسارة والربح والخوف والشجاعة والحراسات الليلية والكمائن تحت شجر الزيتون والتسلل وزرع العبوات.

وللمصادفة كان في باحة القصر شخص يشوي اللحم ويشرب العرق مع عائلته وأصدقائه هو طوني الذي شده الحنين الى المكان فاعتلى احدى استحكامات القصر وراح يشرح لمن معه بكثير من الافتخار "خدمت سنوات في هذا الموقع مع الجيش الجنوبي وصدينا أكثر من محاولة تسلل لميليشيات الاحزاب والفلسطينيين.. لقد قتلنا منهم وبعض قتلاهم بقيت جثثهم معنا".

يشير طوني بيده ناحية الموقع الذي كان يخدم فيه رشيد وسمير وربيع "كنا نتعرض لقصف من هذا الموقع وكنا نرد بقصفه بمدفعية الدبابة ونسكته. وفي أكثر من مرة شبت النيران في ذلك الموقع".

كلام طوني الذي كان على مسمع من سمير كاد يفجر حربا من نوع جديد، فالاخير امتعض من تفاخر طوني بالتعامل مع اسرائيل لكنه تمالك اعصابه وامتنع عن الرد " كنا كلما قصفناهم نسمعهم على جهاز اللاسلكي وهم يناشدون قيادتهم إسنادهم بمدفعية الميدان لإسكات مدفعنا". طوني قال لرويتر انه قاتل إلى جانب الاسرائيليين عن قناعة "لو لم نقاتل في كفرفالوس لاحتل الفلسطينيون بيوتنا وذبحونا واستوطنوا مكاننا".

يروي طوني بعض ذكرياته عندما كان جنديا في هذا القصر "أصبت بشظايا قذيفة مرتين ونجوت من الموت وعدت للحراسة في القصر. كانت تمر علينا ليال صعبة خصوصا عندما نكتشف تسلل العدو ووصوله على بعد عشرات الأمتار من دشمنا (استحكاماتنا) كما خسرت اثنين من أغلى الاصدقاء استشهدا بانفجار عبوة على طريق القصر".

قال أيضا إنه غير نادم على سنوات من شبابه قضاها بين المتاريس والاستحكامات: "لست نادما لأنني كنت مضطرا للدفاع عن أرضي وعن أهلي ضد الغرباء لكني ناقم على الاسرائيلي الذي تركنا وسط المعركة وانسحب".

كانت الشمس تقترب من الأفق لتغوص خلف البحر والظلام يستعد للهبوط. افترق الطرفان دون أن يتواجها أو يبوحا بما يحمل أحدهما للآخر من حقد وضغينة.

إعداد ليلى بسام للنشرة العربية- تحرير سيف الدين حمدان

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below