عرض كتاب-إذاعة الأغاني.. شاعر مصري يؤرخ لمواقف من حياته على خلفية الموسيقى

Fri Jan 8, 2016 1:03pm GMT
 

القاهرة 8 يناير كانون الثاني (رويترز) - حين تصبح الأغاني سيرة شخصية مرتبطة بمواقف بعينها في الحياة تكتسب الموسيقى والكلمات أكثر من معنى وتحمل دلالة لم تخطر على بال مؤلفها أو مغنيها وتتحول إلى خيط من نسيج الذاكرة.

وقبل أن يلتبس الأمر على قارئ كتاب عمر طاهر (إذاعة الأغاني) يأتي العنوان الفرعي (سيرة شخصية للغناء) ليشير إلى أن المؤلف لا يستهدف التأريخ للأغاني ولكنه يتقصى السياق "التاريخي" الذي جعل هذه الأغنية أو تلك جزءا من مزاجه وذائقته وتاريخه الشخصي.

ولا ينسى المؤلف أن يمزج بمهارة -على طريقة المونتاج المتوازي في الأفلام السينمائية- موقفا كان طرفا فيه أو شاهدا عليه بأول مرة يسمع فيها أغنية ما فتظل مرتبطة بالموقف وتستدعيه بتفاصيله لدرجة أن تصبح الأغنية أحيانا نوعا من التعذيب أو مصدرا للسعادة.

فأغنية المغربية سميرة سعيد (قال جاني بعد يومين) على سبيل المثال سمعها المؤلف ذات ليلة بعد سهرة ممتعة انتهت بحصاره داخل مصعد وكانت مأساة المغنية في الشكوى من هجر الحبيب وانتقاله إلى أخرى "تفوق مأساتي بمراحل... لكن نقلات اللحن كانت مفزعة لا يتحملها شخص محبوس في مصعد مظلم يشعر بالعطش والارتباك" وأرهقته الأغنية في أول نوبة سماع.

وما كاد يخرج من حبس المصعد حتى اشتبك معه بواب البناية الذي "أمسك بقميص زوجته ثم شقه نصفين بالطول حتى بان لحمها" واتهمه البواب باغتصاب زوجته لولا أن شرطيا كان يعرف حماقات البواب وقال للحاضرين إن البواب "مجنون" فخرج المؤلف إلى الشارع وظلت الأغنية التي كتبها المصري عبد الوهاب محمد ولحنها المصري جمال سلامة "ماثلة في وجداني كأداة تعذيب".

وفي بعض الفصول لا يمر طاهر بالمطرب أو المطربة مرورا عابرا ولكنه يتوقف أمام تاريخه الشخصي والفني فيحتل مساحة لا تقل عن مساحة دراما الموقف.

ففي فصل عنوانه (فاكراك) تدور الأحداث في بيت ريفي بسوريا -عبر سرد قصصي جذاب لا يخلو من سخرية تستخدم فيها امرأة سورية شتائم طازجة في تلقائية محببة- متناولا جانبا من العادات والأطعمة وذكريات من خيبات أمل وأحبة راحلين. وهناك يسمع مطربة تغني "وإن رحت مرة تزور-عش الهوى المهجور-سلم على قلبي" فيأسره صوتها.

ولم تكن صاحبة الصوت إلا المطربة المصرية نجاة علي (1910-1993) التي شاركت محمد عبد الوهاب بطولة فيلم (دموع الحب) عام 1935 ويقول المؤلف إنها غنت قصيدة (الأطلال) للشاعر المصري إبراهيم ناجي "ونجحت. إلا أن طموح أم كلثوم القديم في تقديم الأغنية لم يثنها عن غنائها بلحن جديد."

ويسجل ما يشبه التراجيديا لهذه المطربة فيروي كيف تعثر مشوارها الفني بسبب توالي العثرات الشخصية إذ وقعت في غرام رجل أقنعها باعتزال الغناء واستقرت معه في مرسى مطروح في غرب مصر بعيدا عن الأضواء والمجد في القاهرة ثم عادت بعد خمس سنوات وتزوجت مرة ثانية وتعرضت لمرض ترك آثاره على صوتها فاضطرت للاعتزال في بداية الخمسينيات ثم تزوجت للمرة الثالثة واكتشفت أن جارها هو حبيبها الأول وأنه مريض يشرف على الموت وفوجئت بزوجة الحبيب الأول تزورها وتطلب منها أن تزوره وسمح زوج نجاة علي -الذي "كان نبيلا"- بزيارة المريض الذي رحل بعد أيام.   يتبع