(تلال الأكاسيا).. عن جدوى طول العمر مع فقد الذكريات

Fri Feb 26, 2016 8:29am GMT
 

من سامح الخطيب

القاهرة 26 فبراير شباط (رويترز) - حين يتقدم العمر وتزحف أعراض الشيخوخة وتضعف القدرة على الفعل لا يبقى للمرء سوى الذكريات يلوذ بها من وحشة الأيام ويتغلب بها على فقد من رحلوا وتركوه في هذه الدنيا. لكن ماذا يحدث عندما يطول العمر وتتوارى الذكريات رويدا رويدا.

في رواية (تلال الأكاسيا) للمؤلف المصري هشام الخشن تبدأ المعضلة من إصابة البطل بمرض (ديمنتيا) أو (الخرف) لتقودنا إلى الكثير من الأسئلة والقضايا الحياتية المزمنة مثل الصراع بين جيلي الآباء والأبناء والصدام الفكري بين الشرق والغرب والحيرة بين صوت العقل ونداء القلب.

يبدأ المؤلف روايته بمشهد قاس -ربما مهد به لمآس أشد تالية- فالبطل "المسن" يجلس في أحضان حبيبته (سارة) ينعمان بدفء حبهما في خريف العمر حين تطرق الشرطة بابهما لانتزاعه عنوة بوصفه "فاقد الأهلية" بحكم القضاء وأنه "محجوز ضد إرادته" عندها.

حينها تتبدد أمنيات البطل التي حدث بها نفسه يوم علم بحقيقة مرضه قائلا "منذ ذلك اليوم أصبح شاغلي الأوحد هو التأكد من أن آخر ما ستسجله ذاكرتي التي قررت أن تنسحب وتتوارى سيكون حلو المذاق. وقت أن تعلن ذاكرتي تمام انسحابها سأستحيل جسدا أتصوره هامدا مستسلما لا جدوى له سوى الاستمرار في التنطع على هواء أرض ملأها وملأته صخبا وحياة لفترة طويلة. أنفاس أثبت بها أني حي وإن كان الأجدر أن أتركها لمن بهم قدرة على تسجيل لحظاتها والشعور بدبيبها بداخلهم وحولهم وإيداع لحظات مرورهم فيها في خزائن أذهانهم."

يعود البطل -والذي يخفي المؤلف اسمه طوال العمل- إلى بيته مرغما لتبدأ الذاكرة في مناورته بهيئة "ومضات" تلمع من حين لآخر أثناء حديثه إلى حفيدته الوحيدة (نانسي) التي اقتربت من سن الثلاثين وكانت في طفولتها أول مصدر للصدام بينه وبين ابنه (سامي).

الابن (سامي) اختار أن يكون طبيبا ويبتعد عن مجال أبيه رجل الأعمال. يحب (سامي) فتاة إنجليزية وينجب منها (نانسي) خارج إطار الزواج ثم يأخذ الطفلة ويهرب بها إلى مصر لتعيش مع الجد والجدة بزعم عدم رغبته في تنشئتها على العادات الغربية ويستأنف هو طموحه العملي في ألمانيا. لكن الجد يعيد الفتاة إلى أحضان أمها رغم ارتباطه الشديد بها. ويضمرها (سامي) في نفسه.

"ومضة" أخرى تحمل غصة أخرى في نفس البطل هي ابنته (نور) التي اختارت الزواج من رفيق دراستها (طارق) ليكتشف الزوجان لاحقا إنهما غير قادرين على الإنجاب فيتزوج (طارق) من امرأة أخرى ويرفض طلاق زوجته الأولى. يتدخل الأب بحكم ماله وسطوته لإيقاع الطلاق فينكسر قلب (نور) لكن الأب وبطريق غير مباشر يعود من جديد لشراء ذلك الزوج السابق بالمال ويدفعه للعودة إلى (نور) بهدف إسعادها.

ووسط تلك "الومضات" تطل (سارة) تلك الفتاة الصهباء سليلة الطبقة الإقطاعية التي جردتها ثورة 1952 من كل أملاكها لكن القدر وضعها في طريق البطل مرتين. المرة الأولى في مقتبل العمر حين رآها أول مرة في بيت أبيها فأحبها بجنون والمرة الثانية في خريف العمر بعد أن تزوج وأنجب ابنه وابنته فكان عليه الاختيار بين حبه القديم وزوجته (ماجدة) التي شاركته مشوار الحياة.   يتبع