25 شباط فبراير 2016 / 15:12 / منذ عامين

تقرير خاص -المعتدلون يختبرون قبضة المتشددين على السلطة في انتخابات ايران

من سامية نخول

طهران 25 فبراير شباط (رويترز) - تكتسب الانتخابات التي تجري يوم الجمعة في إيران لاختيار برلمان جديد وأعضاء مجلس الخبراء -الذي سيختار بدوره الزعيم الأعلى المقبل للبلاد- أهمية تتجاوز المعارك المستمرة بين المتشددين المتشبثين بالسلطة والإصلاحيين الساعين لإبعادهم عنها.

فهذه أول انتخابات منذ توصلت طهران إلى اتفاق مع القوى الكبرى لتقييد برنامجها النووي الأمر الذي أدى إلى رفع معظم العقوبات الدولية التي كبلت اقتصادها خلال السنوات العشر الأخيرة.

وحدثت الانفراجة في ظل حكم الرئيس حسن روحاني صاحب التوجه البراجماتي الذي يرى فيه نقطة انطلاق لإعادة دمج إيران في المجتمع الدولي وعودتها للأسواق العالمية. لكن خصومه المتشددين مصرون على منع هذا التطور من التحول إلى تحرير للنظام الإسلامي عن طريق صندوق الاقتراع.

ويرى بعض المحللين أن هذه المنافسات الانتخابية تمثل لحظة فارقة يمكن أن تشكل مستقبل الجيل التالي في بلد تقل أعمار 60 في المئة من سكانه عن الثلاثين. ويبلغ عدد سكان إيران 80 مليون نسمة.

وربما يشوه النتيجة قيام مجلس صيانة الدستور بشطب كثير من المرشحين من مؤيدي الإصلاح. وهذا المجلس مكون من مجموعة من رجال الدين غير المنتخبين وهو مسؤول مباشرة أمام الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي.

والمخاطر كبيرة لكل الفصائل لأن نتيجة الانتخابات قد تحدد ما إذا كان لدى روحاني تفويض بالمضي قدما في الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سبق أن وعد بها بالإضافة إلى تأثيرها على فرص إعادة انتخابه في عام 2017.

وفي الأيام الأخيرة من حملات الدعاية الانتخابية أخذ الصراع منحى قاسيا.

ففيما يعكس الارتياب في مفاتحات روحاني للغرب اتهم خامنئي الغرب بالتآمر للتأثير في نتيجة الانتخابات وقال إنه واثق أن الإيرانيين سيصوتون من أجل الإبقاء على موقف إيران المناهض للغرب.

وقد نفى روحاني - الذي تعرض حلفاؤه لضغوط متزايدة في الحملة الانتخابية من جانب المتشددين الذين يتهمونهم بوجود صلات بينهم وبين القوى الغربية - هذه الاتهامات ووصفها بأنها إهانة لذكاء الإيرانيين.

ويأمل حلفاء روحاني المعتدلون الذين دعمهم الاتفاق النووي استعادة ما خسروه من مواقع خلال السنوات العشر الماضية. لكن عملية التدقيق في المرشحين وبطء وتيرة تحسن الوضع الاقتصادي كانا من العوامل التي عززت شعورا بين أفراد الشعب بأن إصلاحات روحاني الموعودة لم يتحقق منها شيء مما جعل المعتدلين يواجهون معركة انتخابية شرسة.

* في قبضة رجال الدين

وأكدت الإجراءات التمهيدية للانتخابات أن الساسة المنتخبين هم في نهاية المطاف في قبضة رجال الدين وفقهاء القانون الإسلامي ومؤسساتهم غير الشفافة التي يقبع على قمتها الزعيم الأعلى.

وحتى إذا فقد حلفاؤه المتشددون سباق الانتخابات البرلمانية لصالح خصومهم المعتدلين فستظل لخامنئي السلطة النهائية فيما يذهب الرؤساء والنواب ويجيئون.

وقال محلل في طهران طلب عدم نشر اسمه ”لنفرض أنه أصبح لدينا حكومة إصلاحية تتمتع بأغلبية. لا أعتقد أنها ستحدث فارقا كبيرا. فالزعيم الأعلى والحرس الثوري يضبطان الإيقاع والحدود ويحددان الاتجاه العام للبلاد.“

وأضاف ”يجب ألا تكون توقعاتنا كبيرة. فالمحافظون لديهم أدوات السلطة. الإعلام والجيش والمخابرات والموارد المالية الفعلية كلها في أيديهم. فهو نظام مزدوج والجانب الآخر مازال في غاية القوة.“

وكانت آخر مرة فاز فيها الإصلاحيون بالأغلبية في البرلمان في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي واعترض مجلس صيانة الدستور على عدة قوانين أقرها البرلمان حينذاك باعتبارها مخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية.

وقد أدى الاتفاق النووي الذي أبرم في العام الماضي إلى رفع العقوبات المعوقة التي كانت مفروضة على إيران في الشهر الماضي رغم أن عقوبات مهمة ترتبط بتصرفات إيران على المستوى الدولي مازالت سارية.

ويرى المستثمرون الدوليون في إيران فرصة هائلة بين الأسواق الناشئة في كل شيء من السيارات إلى الطائرات ومن السكك الحديدية إلى تجارة التجزئة.

وتملك إيران ثاني أكبر احتياطيات من الغاز الطبيعي في العالم وقاعدة متنوعة للصناعات التحويلية وقوة عاملة متعلمة.

* انزعاج المتشددين

وبالنسبة لرجل الشارع العادي في إيران يبشر احتمال مجيء هذا النوع من الاستثمارات بعودة النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات المعيشة وزيادة الوظائف في الأجل الطويل.

وقد أزعج احتمال الانفتاح على العالم بهذا القدر وكذلك شعبية روحاني حلفاء خامنئي المتشددين الذين يخشون فقدان السيطرة على وتيرة التغيير بالإضافة إلى التطاول على مصالحهم الاقتصادية المربحة التي كونوها خلال فترة العقوبات.

فالحرس الثوري الإسلامي على سبيل المثال ليس مجرد حارس لإيران بل هو إمبراطورية اقتصادية من الشركات التي تملك مصالح في قطاعات من البنوك إلى البناء والتصنيع.

ومازال الحرس يخضع للعقوبات بسبب ما يقال عن دعمه للإرهاب. وأدى ذلك إلى تفاقم الخلافات السياسية داخل هياكل السلطة المعقدة في إيران.

ومنع مجلس صيانة الدستور آلاف المعتدلين من خوض الانتخابات ومن بينهم حسن الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام آية الله روح الله الخميني.

وكان حفيد الإمام البالغ من العمر 43 عاما وهو من رجال الدين وفي مرتبة متوسطة بينهم يسعى لدخول مجلس الخبراء باعتباره حامل لواء الاعتدال وله في الوقت نفسه مصداقية بين المحافظين. وقيل له إنه يفتقر إلى المؤهلات الدينية اللازمة.

وتدور واحدة من أهم المعارك الانتخابية في طهران حيث يتنافس أكثر من 1000 مرشح على 30 مقعدا فقط. ويتصدر قائمة الإصلاحيين في العاصمة محمد رضا عارف المرشح الرئاسي السابق الذي تخرج من جامعة ستانفورد وهو وزير سابق عمل أيضا نائبا للرئيس الإصلاحي خاتمي في الفترة 2001-2005.

والمرشح الأول للمحافظين هو غلام علي حداد عادل الذي يشغل مقعدا في البرلمان منذ عام 2000 وكان رئيسا للبرلمان في الفترة 2004-2009. وهو أيضا مستشار لخامنئي كما أن ابنته متزوجة من مجتبى ابن الزعيم الأعلى والذي يتمتع بنفوذ كبير.

ورشح عدد يقدر بنحو 801 رجل من رجال الدين أنفسهم لخوض انتخابات مجلس الخبراء المؤلف من 88 عضوا غير أنه لم تتم الموافقة سوى على 166 مرشحا. ولم يسمح للنساء بالترشح لهذا المجلس الذي سيتولى اختيار خليفة لخامنئي.

* منافسة مهمة

وحتى الآن كان التنافس على هذا المركز من مراكز سلطة رجال الدين حدثا عاديا لكن الأمر يختلف هذه المرة. فبسبب الحالة الصحية لخامنئي البالغ من العمر 76 عاما من المرجح أن يختار أعضاء المجلس الجدد الذين سيخدمون لفترة ثماني سنوات خليفة الزعيم الأعلى.

ومن المحتمل أن يكون الزعيم التالي من بين الأعضاء الذين سينتخبون هذا الأسبوع.

والمرشح الأول للإصلاحيين هو الرئيس السابق آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني رغم أنه في الحادية والثمانين من العمر. وهو من مؤسسي الجمهورية الإسلامية وشغل منصب الرئيس في الفترة 1989-1997.

وقد اشتهر عن رفسنجاني الموجود دائما تقريبا في مركز شبكات السلطة المتداخلة في إيران ميله للبراجماتية وبراعته السياسية.

وبتأييد رفسنجاني يأمل الإصلاحيون أن يتمكنوا من خلال التحالف مع المحافظين المعتدلين من منع أبرز ثلاثة مرشحين من المتشددين وهم أحمد جنتي ومحمد يزدي ومحمد تقي مصباح يزدي من خلافة خامنئي.

كذلك فإن رفسنجاني هو رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يتوسط بين البرلمان المنتخب ومجلس صيانة الدستور المعين. لكن سلطته ضعفت في السنوات الأخيرة وتمثل ذلك في سجن اثنين من أبنائه.

وكان قد اختلف مع خامنئي بعد أن أيد حركة الخضر المعارضة في انتخابات الرئاسة لعام 2009 والتي كانت نتيجتها موضع نزاع وأصبح متحالفا الآن مع الإصلاحيين. والرئيس روحاني نفسه هو الرجل الثاني في قائمة المرشحين الإصلاحيين لمجلس الخبراء بعد رفسنجاني.

كان خامنئي -الذي دعم تشدد مجلس صيانة الدستور في التدقيق في اعتماد المرشحين- قد حذر مرارا من أن أعداء إيران يسعون لاستخدام الانتخابات من أجل التغلغل في هيكل السلطة.

ومع ذلك ورغم ما يتمتع به من سلطات فليس بوسعه أن يكبح النقاش الدائر حول مستقبل إيران.

وفي الماضي كان أي نقاش يدور حول خليفة خامنئي المحتمل يعتبر إضعافا لمكانة الزعيم الأعلى نفسه لكن النقاش العام اكتسب زخما قبل الانتخابات.

وليس في ذلك ما يمثل مفاجأة إذ أن للزعيم الأعلى نفوذا كبيرا أو سلطة دستورية على مؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية والقضائية بالاضافة إلى الجيش ووسائل الإعلام.

* صراع على السلطة

أغضب رفسنجاني المتشددين في ديسمبر عندما قال إن مجلس الخبراء سيكون على استعداد لاختيار ”مجلس قيادة إذا اقتضى الأمر“ بدلا من اختيار زعيم أعلى يحكم مدى الحياة.

وبمقتضى الدستور الإيراني يجوز اختيار ”مجلس قيادة“ انتقالي إلى أن يختار مجلس الخبراء زعيما أعلى. لكن المحللين قالوا إن رفسنجاني ينادي بمجلس قيادة دائم وهو الرأي الذي يعارضه بشدة حلفاء خامنئي المتشددون.

وقال أمير محبيان خبير الاستراتيجيات السياسية المحافظ لرويترز ”الإصلاحيون لن يكون وضعهم قوي في مجلس الخبراء لأن رفسنجاني أطلق إشارة سيئة أن بوسع المجلس تحدي الزعيم.“

وأضاف ”أخذوا حذرهم بشطب الخميني. وأرسلوا رسالة مفادها ‘نحن أقوياء ولا نسمح لأحد بإجراء تغييرات في المجلس فهذا ليس مكان لألاعيب الساسة بل موقع مهم لاختيار زعيم جديد‘.“

ورغم شطب أعداد كبيرة من المرشحين فإن الإصلاحيين ينافسون بضراوة ويحاولون تعظيم نتائجهم بتشكيل تحالف مع البراجماتيين ويطرحون قائمة مشتركة مع مرشحيهم المفضلين في العاصمة ومدن أخرى.

ولا يجازف المحافظون بشيء. فهم ينظمون نقل الناخبين بحافلات من القرى النائية والمدن إلى طهران ويوفرون لهم سبل الإقامة والغذاء للإدلاء بأصواتهم لصالح مرشحيهم.

وبث الرئيس الأسبق خاتمي الإصلاحي الممنوع من الظهور في وسائل الإعلام الرسمية رسالة بالفيديو هذا الأسبوع حث فيها أنصاره على التصويت للمعسكر الإصلاحي الذي اختار كلمة ”الأمل“ شعارا لحملته الانتخابية.

وقال خاتمي مشيرا إلى انتخابات سابقة فاز فيها الإصلاحيون بعدد أكبر من المقاعد بسبب الإقبال على التصويت ”كلما زاد إقبال الناخبين المؤهلين على الإدلاء بأصواتهم كانت النتيجة أقرب إلى مطالب الشعب.“

* شباب منقسم

ولن يكون لنتيجة الانتخابات البرلمانية أثر كبير على السياسة الخارجية. لكنها ستعزز نفوذ الفصيل المنتصر في انتخابات الرئاسة التي تجري في العام المقبل.

ومن الممكن أن يعزز البرلمان إذا كان مؤيدا لروحاني سلطته في دفع الإصلاحات الاقتصادية لفتح البلاد أمام حركة التجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية.

كما أنه قد يساعد الحكومة في تنفيذ برنامج سياسي يهدف إلى توسيع نطاق الحريات الاجتماعية والاقتصادية مثلما وعد الرئيس في حملته الانتخابية عام 2013.

وقد أثرت حالة الاستقطاب الشديد في البلاد على الشباب الذين يدلي عدد كبير منهم بصوته للمرة الأولى.

وفي حين قال البعض إنهم سيصوتون للإصلاحيين لأنهم يسعون للتغيير ويريدون قطع الطريق على المتشددين فقد قال آخرون إنهم يعتزمون التصويت للمحافظين انطلاقا من ولائهم لخامنئي. وقال البعض إنهم سيقاطعون الانتخابات لأن أصواتهم لن تحدث فرقا.

وقالت اريا بهفوروز (18 عاما) الطالبة بالسنة الأولى في كلية طب الأسنان بجامعة طهران ”لن أضيع وقتي وأدلي بصوتي لأنه لا شيء سيتغير لأن المحافظين يقبضون على السلطة بأيديهم.“

وقالت طالبة الفنون سحر (26 عاما) ”لا أعتقد أن تغييرا جوهريا سيحدث على الإطلاق. فمن يديرون البلاد هم هم أنفسهم. والمرات القليلة التي شهدنا فيها تغيرا وجدنا المتشددين يسدون عليهم الطرق. وحتى إذا فاز الإصلاحيون بالسلطة الآن سيقطع المتشددون عليهم الطريق.“

وقالت طالبة علم الوراثة بهار (22 عاما) ”سأدلي بصوتي للإصلاحيين لأنني أريد التغيير. أريد بلدا على صلة أكبر بالعالم وليس معزولا. لدينا بلد ثري جدا وشعب شاب وأنا أريد حكومة تستثمر في شعبها وفي الشباب وتعمل على تحسين أقداره.“

ومع تزايد الاهتمام بالاتجاه الذي ستسير فيه إيران مستقبلا بعد ما حققته من انفراجة على المستوى الدولي بالاتفاق النووي من المرجح أن تستمر الخلافات والصراعات بين المعسكرين لما بعد الانتخابات المزدوجة التي تجري يوم الجمعة.

وقال المحلل المقيم في طهران ”هذا في جوهرة نظام سياسي يسعى لإبقاء الأمر الواقع كما هو وليس مهتما بتغيير حقيقي. فالتغيير متدرج للغاية وشكلي. وهذه الانتخابات لن تؤذن بعصر جديد لإيران.“ (إعداد منير البويطي للنشرة العربية - أحمد حسن)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below