25 شباط فبراير 2016 / 23:50 / منذ عامين

تحقيق-التضامن الكردي في جنوب شرق تركيا يحبط سياسة أنقرة إزاء سوريا

من آيلا جين ياكلي

ديار بكر (تركيا) 25 فبراير شباط (رويترز) - في مقبرة عامة قرب قاعدة جوية عسكرية في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية كست أعلام المسلحين السوريين الأكراد كثيرا من شواهد القبور.

وتظهر رسائل التأبين التي تنشر عبر الإنترنت من وحدات حماية الشعب الكردية السورية - وهي حليف رئيسي للولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا - أن نحو نصف الذين قتلوا على جبهات المعارك خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط ولدوا في تركيا.

وكان سيرتيب جيليك الطالب في مدينة إسكندرونة على البحر المتوسط واحدا من آلاف الأكراد الأتراك الذين عبروا إلى سوريا للانضمام للقتال ضد الدولة الإسلامية استجابة لدعوة حمل السلاح من حزب العمال الكردستاني المحظور والذي يشن تمردا ضد تركيا منذ ثلاثة عقود.

وقالت والدته رحيمة جيليك ”ما يفعل بالأكراد في سوريا والعراق... الهجمات والمذابح وخطف النساء أصابه بالصدمة... لا يوجد أم تريد لأبنها أن يلقى حتفه ولكن لم أكن أستطيع إيقافه.“

وخلال ثلاثة أشهر من مغادرته قتل جيليك خلال حصار الدولة الإسلامية في عام 2014 لمدينة عين العرب (كوباني) الواقعة بمحاذاة الحدود مع تركيا.

والتضامن مع أبناء عرقهم في سوريا مصدر للفخر للعديد من الأكراد الأتراك.

لكن أنقرة ترى الروابط بين وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني كتهديد لوحدتها وأمنها بما يعقد الجهود الدولية لإنهاء الحرب في سوريا ويتسبب في توترات مع الولايات المتحدة حليفتها في حلف شمال الأطلسي. وتخشى تركيا من تأسيس إقطاعية كردية في سوريا يمكنها أن تؤجج الطموحات الانفصالية في الداخل التركي.

وتدرج واشنطن - مثل تركيا والاتحاد الأوروبي - حزب العمال الكردستاني في قائمة المنظمات الإرهابية. لكن واشنطن ترى أن وحدات حماية الشعب وذراعها السياسي حزب الاتحاد الديمقراطي جماعة مختلفة مستعدة للعمل معها لقتال الدولة الإسلامية وهو ما يصيب أنقرة بخيبة أمل.

وقالت سادات أوروج المستشارة البارزة للرئيس التركي طيب إردوغان لرويترز ”في تقاريرها الخاصة وصفت الولايات المتحدة حزب الاتحاد الديمقراطي بكل أذرعه بأنه جماعة إرهابية تحصل على أسلحتها من حزب العمال الكردستاني.“

وأضافت ”عدم رؤية هذا الرابط الآن يتطلب أن تغلق عينيك وتدفن رأسك في الرمال. التصريحات التي تدلي بها الولايات المتحدة عن أنهم يرون هؤلاء كجماعات مختلفة لا تتمتع بالمصداقية.“

وقال إردوغان إن وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني خططا معا ونفذا تفجيرا انتحاريا في قلب العاصمة أنقرة الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل 29 شخصا أغلبهم من الجنود.

ووصف رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو الهجوم بأنه دليل واضح على الطبيعة الإرهابية لوحدات حماية الشعب وقال إن أنقرة تتوقع تعاونا من حلفائها لدحر الجماعة.

* صراعات متداخلة

لكن الجيش الأمريكي وجد في وحدات حماية الشعب الكردية حليفا ماهرا. وتمكن التحالف بالعمل مع قوات البشمركة الكردية في العراق من طرد الدولة الإسلامية من كوباني ومعاقل أخرى للمتشددين في سوريا والعراق منذ 2014.

وسمح ذلك لحزب الاتحاد الديمقراطي بالاحتفاظ بالسيطرة على ثلاث محافظات سورية على الحدود مع تركيا وتديرها ضمن أراض للحكم الذاتي تسمى روج آفا (وتعني غرب كردستان بالكردية) في إشارة للجزء الغربي من الأراضي الكردية التي تمتد بين إيران والعراق وتركيا وسوريا.

وقبل الحرب في سوريا كان المسلحون الأكراد السوريون جزءا من حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

وقالت إليزا ماركوس مؤلفة كتاب (الدم والعقيدة) - تاريخ الجماعة المتمردة - إن حزب العمال الكردستاني أسس وحدات حماية الشعب الكردية كمنظمة سورية قبل عقد مضى وإن الجماعتين تستلهمان فكرهما من عبد الله أوجلان الذي قاد حزب العمال الكردستاني منذ نشأته وعاش في سوريا قبل فترة وجيزة من اعتقاله في عام 1999.

لكن الجناح السوري تحمل الكثير لتمييز نفسه.

وقالت ماركوس ”وحدات حماية الشعب هي الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني لكن الأكراد السوريين يعملون وفقا لاحتياجاتهم وأهدافهم... القيادة مكونة من أكراد سوريين ولهم وجهة نظر مختلفة ترتكز على روج آفا.“

وأثار التحالف حنق إردوغان الذي قال إن واشنطن عليها أن تختار بين تركيا والأكراد.

وفي المراحل الأولى من الحرب الأهلية السورية كانت هناك مؤشرات على أن تركيا مستعدة للعمل مع حزب الاتحاد الديمقراطي وجماعات كردية أخرى إذا ما استوفوا ثلاثة مطالب وهي الثبات على معارضة الرئيس بشار الأسد والتعهد بعدم السعي للحكم الذاتي عن طريق العنف وعدم تشكيل أي تهديد لتركيا.

واستضافت تركيا زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم لإجراء محادثات عندما كانت تتفاوض مع حزب العمال الكردستاني لإنهاء الصراع في جنوب شرق تركيا الذي تسبب في مقتل 40 ألف شخص منذ عام 1984.

لكن انهيار عملية السلام في يوليو تموز والتقدم الذي حققته وحدات حماية الشعب في سوريا والتي تمكنت فيها الوحدات من استغلال الهجوم الحكومي المدعوم من روسيا في السيطرة على مناطق أخرى من أيدي مسلحي المعارضة الذين تدعمهم تركيا أثار غضب أنقرة.

وقالت جولتان كيشاناك رئيسة بلدية ديار بكر أكبر مدينة في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية إن تركيا التي تخوض حربا مع المسلحين الأكراد في الداخل ليس لديها خيارات تذكر.

وأضافت في مقابلة ”لو كانت تركيا عقدت سلاما مع الأكراد في الداخل وعاملتهم بديمقراطية وأوقفت الاشتباكات لم تكن لترى الأكراد السوريين كتهديد ... عندما فشلت أهداف الحكومة السياسية في سوريا وبدأت الاشتباكات في تركيا بدأت حملتها عن أن حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب جماعتان إرهابيتان.“

* روابط عميقة

تتساءل قلة من الأكراد عن الرابط بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب بما يتوافق مع تأكيدات الحكومة التركية.

وقالت والدة جيليك إن احتكاكه الأول بالصراع كان وهو في سن الخامسة. أخلى الجنود قريتهم بسبب مخاوف من أنها تؤوي متعاطفين مع حزب العمال الكردستاني وهربت أسرته إلى ديار بكر. وقضى والده أغلب التسعينيات في السجن بسبب تهم سياسية.

وكالكثير من الأكراد الأتراك الذين يحاربون في سوريا لم يتلق جيليك أي تدريب عسكري. وكان الطفل الأول من سبعة في أسرته الذي يذهب إلى الجامعة. وقالت والدته إنه نادرا ما تحدث في السياسة لكنه وعدها بأنه ”سيصبح رجلا عظيما في يوم ما.“

ونقلت مصادر مخابراتية عن صحف تركية العام الماضي قولها إن نحو 4500 من وحدات حماية الشعب التي يقدر عدد مقاتليها بنحو 30 ألفا هم من المولودين في تركيا بينما جاء 4000 آخرين من قواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق التي يتمركز فيها منذ التسعينيات.

وقالت كيشاناك ”الأكراد ربما يعيشون على الحدود في دول مختلفة لكن لديهم ثقافة مشتركة وروابط عاطفية... هذه الحدود وضعت ربما منذ نحو 100 عام وعندما رسمت انقسمت بسببها عائلات وقرى ومدن. عندما يعاني أحد الجوانب يتأثر الآخر أيضا.“

وفي المقبرة في ديار بكر التي يرقد فيها جيليك ينتظر أكثر من 20 قبرا جديدا تغطيتهم بالرخام وكتبت الأسر الحزينة أسماء القتلى بالحصى على التراب.

وفوق الرؤوس تحوم المقاتلات التركية التي كانت تقصف معسكرات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق من القاعدة الجوية القريبة والتي يعلو منها صوت النشيد الوطني التركي أحيانا.

وقالت رحيمة جيليك ”أشاهد جنازات الجنود والشرطة على التلفزيون وأدرك ألم وبكاء وصراخ الأمهات. إنها أرواح الأمهات التي تحترق... أتمنى أن سيرتيب لم يذهب أبدا. أتمنى أن تنتهي هذه الحرب التي لا نهاية لها.“

إعداد سلمى محمد للنشرة العربية - تحرير محمد اليماني

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below