10 تشرين الأول أكتوبر 2016 / 14:57 / منذ عام واحد

تقرير خاص -في الحرب على الدولة الإسلامية.. الأكراد يوسعون نطاق سيطرتهم

من ايزابيل كولز وستيفن كالين

ذمار (العراق) 10 أكتوبر تشرين الأول (رويترز) - من شرفة البيت الذي يقطنه أبو سهيل يمكنك أن ترى بنفسك اتساع خطوط الصدوع العرقية في العراق شيئا فشيئا.

فمثل كثير من البيوت في تلك المدينة الواقعة في شمال العراق كان هذا المبنى الخرساني الباهت مملوكا لأسرة عربية. وكان أبو سهيل الكردي الذي يملك متجرا صغيرا يعيش في المربع السكني نفسه.

وكان أبو سهيل وأفراد أسرته يتناولون الشاي بصحبة جيرانهم العرب بل وكان ابناه يلعبان مع أطفال الجيران العرب في الشارع.

غير أنه بعد أن سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على ذمار خلال هجومه الكاسح على شمال العراق وغربه في 2014 فر معظم الأكراد وتركوا المدينة للتنظيم السني المتطرف. وبعد شهرين جاء رد الأكراد فأخرجوا مقاتلي الدولة الإسلامية.

والآن أصبح كل سكان ذمار تقريبا من الأكراد الذين لم يجد كثيرون منهم أي غضاضة مثل أبو سهيل في الاستيلاء على البيوت.

وقال أبو سهيل إن العربي الذي استولى هو على بيته كان يؤيد الدولة الإسلامية.

ومن الممكن مشاهدة هذا التحول نفسه في المدن والقرى عبر الشريط الأرضي المتباين عرقيا الذي يفصل المنطقة الكردية التي تتمتع بالحكم الذاتي في شمال العراق عن بقية البلاد في الجنوب حيث الأغلبية من العرب. وفي ظل ما خاضته قوات البشمركة الكردية من معارك مع التنظيم اضطر كثير من العرب للرحيل عن بيوتهم.

وتقدم مواطنون عاديون من الأكراد فاستولوا على الممتلكات ودمروا مباني ووضعوا أيديهم على أراض زراعية. وبصفة إجمالية زاد الأكراد مساحة الاقليم الذي يسيطرون عليه في العراق بنحو 40 في المئة منذ عام 2014.

وعلى هذا المنوال يعاد رسم الخريطة في مختلف أنحاء العراق وسوريا إذ تستغل جماعات تقاتل تنظيم الدولة الاسلامية المعارك لتسوية نزاعات قديمة وتوسع نطاق أراضيها.

ويقول الأكراد إنهم يعملون ببساطة لإصلاح أخطاء تاريخية ارتكبها قادة العراق المتعاقبون وخاصة صدام حسين. فقد أدت سياسة ”التعريب“ التي انتهجها في الشمال إلى إزالة قرى كردية ونزوح مئات الآلاف.

غير أن آخرين من بينهم كثيرون في الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي قالوا إن الأكراد يتسببون في مظالم جديدة ويهيئون الوضع لصراعات مستقبلية. كذلك فإن تعاظم نفوذ أكراد العراق يقلق دولا مجاورة تخشى أن تحاول أقليات كردية فيها الاقتداء بأشقائهم الأكراد في العراق.

وفي الشهور القليلة الماضية تزايدت التوترات في ظل استعداد القوات الحكومية العراقية والأكراد والفصائل الشيعية المدعومة من ايران لشن هجوم هدفه إخراج الدولة الإسلامية من معقلها في مدينة الموصل. ولأطراف هذا التحالف غير المستقر عدو مشترك لكنهم لا يتفقون على شيء آخر تقريبا.

ومن الممكن رؤية آثار هذا التوتر في الشعارات المكتوبة على الجدران إذ يقول بعضها ”مخصص للأكراد“ و”تحيا الدولة الكردية“ في مناطق كانت في وقت من الأوقات تحت سيطرة مقاتلي الدولة الإسلامية.

وفي ذمار كتبت كلمة واحدة باللون الأحمر الداكن هي ”كردي“ على بيت محترق يملكه عربي.

وعلى الناصية يبدو أن بيتا آخر كان مملوكا لعربي آخر قد سوي بالأرض. وقال أبو سهيل أن صاحب البيت كان يؤيد الدولة الإسلامية.

وأضاف أبو سهيل وهو يجلس في بيت والده قرب البيت الذي يقول الآن إنه أصبح ملكه ”العرب يعرفون أن الحق يعود إلى أصحابه. والآن أصبحت أراضينا في أيدينا.“

ويتفق مع هذا الرأي فلاح مصطفى رئيس الإدارة الكردية للعلاقات الخارجية والذي قال لرويترز إن كثيرين من أفراد قوات البشمركة لقوا حتفهم في اشتباكات مع الدولة الإسلامية.

وأضاف أن الحكومة الكردية ”لا يمكنها السماح بأن تذهب هذه التضحيات سدى بإعادة سياسة التعريب التي كانت سياسة النظام السابق. ومن المؤكد أنه يتعين وقف عملية التعريب.“

* ماض مضطرب

ويرى الأكراد أن تدعيم أراضيهم خطوة مهمة على الطريق صوب وضع الدولة المستقلة التي يسعون لإقامتها منذ قامت القوى الأوروبية بتقسيم الامبراطورية العثمانية قبل نحو 100 عام. وقد رسمت الحدود الجديدة حدود دولة العراق الحديثة لكنها قسمت الشعب الكردي بين العراق وثلاث دول أخرى مجاورة.

وفي العراق تعرض الأكراد للقمع على الدوام لا سيما في عهد صدام.

وذمار شاهدة على ذلك. فقد غمرت المياه القرية القديمة في الثمانينات عند بناء سد الموصل أكبر سدود العراق. وعندما ينحسر منسوب الماء في خزان سد الموصل يمكن مشاهدة أسطح أعلى مباني القرية.

وقام صدام ببناء قرية بديلة على أرض يقول الأكراد إنها انتزعت منهم. وقضى صدام الأعوام العشرين التي تلت ذلك في توطين العرب في تلك القرية وغيرها من المناطق الكردية في مختلف أنحاء شمال العراق.

وتغيرت الأوضاع بعد اجتياح العراق بقيادة القوات الأمريكية عام 2003 والإطاحة بصدام. وبعد حرب الخليج الأولى عام 1990 اقتطع الأكراد لأنفسهم جيبا حمته منطقة حظر طيران فرضها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

ومع اختفاء صدام من الصورة أخيرا ازدادت قوة الأكراد. وعاد كثيرون إلى قراهم أو ما بقي منها. وتعرض العرب للترحيل قسرا في بعض الأحيان غير أن رحيلهم كان من تلقاء أنفسهم في كثير من الأحيان.

ودعا نص دستوري جديد إلى إجراء استفتاء على مستقبل المناطق الحدودية. غير أن هذه العملية لم تكتمل بسبب الخلافات السياسية في العراق وعدم اتفاق الزعماء السياسيين على تنفيذها.

ولم يكن أبو سهيل (40 عاما الآن) قد ولد عندما تعرضت قرية أجداده للحرق في السبعينات. واستقرت أسرته في قرية أخرى. غير أنه بحلول عام 2005 قررت الأسرة الانضمام لأكراد آخرين عائدين إلى ذمار واشترت أرضا فيها.

وأحيا وصول تنظيم الدولة الإسلامية في أغسطس اب 2014 مخاوف قديمة. وفي مقابلة أجريت العام الماضي قال الرئيس الكردي مسعود البرزاني لصحيفة الحياة اليومية العربية إن كثيرا من السنة العراقيين يستغلون الدولة الإسلامية لتعزيز مطالبهم.

وقال البرزاني إن بعض المتطرفين في الوطنية من العرب دعموا التنظيم على أساس أن ذلك سيسوي مصير المناطق المتنازع عليها لكنه أضاف أنهم أخطأوا في حساباتهم.

وأرغم الأكراد الدولة الإسلامية على الخروج من ذمار في أكتوبر تشرين الأول عام 2014.

وتسيطر على البلدة الآن قوات أمن كردية يرتدي أفرادها زيا عسكريا مموها تعرف باسم الأسايش. ويقول من تبقى من السكان العرب إنهم يخشون أن يصبحوا عرضة للانتقام منهم إذا ما فتحوا أفواههم.

لكن البعض يقول سرا إن قوات الأمن الكردية طردت مئات الناس المتهمين بأن لهم صلات بالمتشددين. واستولى الأكراد على شوارع ومناطق بأكملها كانت في السابق مملوكة للعرب.

وتقدر منظمة العفو الدولية أن عدد السكان العرب الممنوعين من العودة إلى بيوتهم في كل المناطق المتنازع عليها من الحدود السورية في الغرب إلى الحدود الايرانية في الشرق يبلغ عشرات الآلاف.

ويقول الأكراد إن من تربطهم صلات فقط بالدولة الإسلامية هم غير المسموح لهم بالعودة ويشيرون إلى العرب الباقين كدليل على أنه لا توجد سياسة لإحداث تغيير سكاني.

وقالت دوناتيلا روفيرا مستشارة الاستجابة للأزمات في منظمة العفو الدولية لرويترز ”يعرفون أنهم لا يستطيعون أن يفرغوا المناطق المتنازع عليها بالكامل من العرب. فهذا لن يكون واقعيا. ولذلك فقد أخذوا قدر ما استطاعوا. وهذا تقدم من وجهة نظرهم.“

وحول ذمار بدأت حيوانات برية تحتل الأطلال الباقية في عدة قرى عربية. ويقول بعض من سكنوها سابقا بل وبعض الأكراد إن تلك المناطق سواها مقاتلو البشمركة بالأرض. وفي عدة تجمعات سكنية خارج المدينة تحولت جميع البيوت بلا استثناء إلى أكوام من الركام. في أحد هذه التجمعات كان المسجد هو المبنى الوحيد الذي بقي سليما وكانت مئذنته تطل عاليا على ما حولها من أنقاض.

وينفي مسؤولون أكراد استهداف ممتلكات العرب. ويقولون إن ما لحق بها من أضرار نتج عن ضربات جوية لقوات التحالف والاشتباكات مع مقاتلي الدولة الإسلامية.

وقال متحدث باسم حكومة إقليم كردستان إنه لا يوجد جهد منسق لمعاقبة السكان العرب أو منعهم من العودة لبيوتهم. وقال دندار زيباري رئيس لجنة حكومية للتحقيق في تقارير عن وقوع انتهاكات في ذمار ومدن أخرى إن حكومة الإقليم لا تتهاون في الحالات التي يحتل فيها جيران بيوتا بعينها.

* ”التاريخ يعيد نفسه“

والرجل المسؤول عن الأمن في ذمار هو العقيد نوروز بالاتي الذي أمضى 17 عاما في السجن خلال حكم صدام بسبب دوره في كفاح الأكراد من أجل الاستقلال.

وقال بالاتي إن ما يصل إلى 80 في المئة من سكان ذمار العرب انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو أيدوه عندما احتل التنظيم المدينة.

وأضاف أن أغلبهم من الذين تم توطينهم في عهد صدام وليس من العرب ”الأصليين“ الذين عاشت عائلاتهم في المنطقة على مر الأجيال.

وقال إن 50 أسرة عربية فقط تمثل أقلية من السكان السابقين للمدينة سمح لها بالعودة إلى ذمار. واعترف بأن آخرين نزحوا إلى مناطق أخرى في الأراضي الكردية ولم يسمح لهم بالعودة وقال ”نحن نرتاب فيهم.“

وفي الوقت نفسه انتقل الأكراد الذين تعرضت بيوتهم في قرى خارج ذمار لأضرار أو مازالت قريبة من الخط الأمامي للاشتباكات إلى المدينة.

وقال سعيد عثمان المدرس الكردي من قرية كاهرز وهو يجلس في حجرة المعيشة ببيت في ذمار استولى عليه ”هذا البيت كان خاليا ولذلك انتقلنا إليه. ونحن لا نعلم من هو مالكه أو أين هو.“

وأضاف أن كل شيء تقريبا في البيت يخص مالكه العربي السابق وقال ”التلفزيون فقط ملكي.“

ويقول بعض الأكراد إنهم سيعودون إلى بيوتهم عندما يصبح الوضع آمنا لكن آخرين لا يرون ما يدعو للرحيل.

وقال الخياط عدنان ابراهيم (39 عاما) وشريط القياس يلتف حول عنقه ”التاريخ يعيد نفسه. الأكراد اضطروا للنزوح والآن عادوا. الأمور عادت لوضعها الطبيعي.“

وكان العرب يهيمنون على الحي التجاري في ذمار. أما الآن فقد أعيد تسمية المتاجر لتعكس هوية أصحابها الجدد من الأكراد.

وفي أحد الشوارع يقص حلاق لحى الرجال في صالون حلاقة اسمه ”شهداء كردستان“ وفي واجهة متجر آخر تدلت ذبيحتان تحت لافتة كتب عليها ”قصاب (جزارة) البشمركة.“

وقال كردي في منتصف العمر وهو يرتب بضائعه على رف في سوبرماركت صغير إن المتجر لا يخصه لكنه شعر أنه من حقه لأن تنظيم الدولة الإسلامية دمر تجارته. وفي وقت سابق من ذلك اليوم جاء صاحب المتجر الحقيقي للمطالبة بالايجار لكن الكردي رفض الدفع معتقدا أن المال سيذهب إلى مقاتلي التنظيم لأن شقيق العربي يعيش في منطقة تابعة للتنظيم.

وأكد العربي الذي استولى أكراد على بيته أيضا أن شقيقه يعيش تحت حكم الجهاديين لكنه قال إن شقيقه محبوس هناك ولا يؤيد التنظيم. وقد حصل على إذن من قوات الأسايش فيما بعد لتحصيل الإيجار لكنه أضاف أن الكردي مازال يرفض الدفع.

وقال العربي هاتفيا من قرية أخرى قريبة يعيش فيها الآن ”قلت أنت جاري وتعرفني.“

* ”دهوك تؤيدني والبشمركة تحميني“

ومازالت ذمار من الناحية الرسمية تحت ولاية بغداد التي تدفع مرتبات معظم العاملين التابعين للدولة وتقرر التعيينات الرسمية كما أنها المسؤولة عن تمويل ميزانيات أجهزة الحكم المحلي.

لكن ما من شك يذكر في الطرف الذي يسيطر على المدينة. فلا يمكن رؤية العلم العراقي في أي مكان كما أنه يتم اتخاذ خطوات متزايدة لدمج إدارة ذمار في إقليم دهوك الكردي المجاور.

وقال أحمد جعفر الكردي الذي يتولى رئاسة المنطقة إن بغداد لم تفعل شيئا من أجل المنطقة غير أن دهوك خصصت لها مولدا للكهرباء بقدرة 50 كيلووات وسيارات إسعاف وأدوية.

وقال ”من الناحية الإدارية رسميا أن أنتمي لمحافظة نينوى لكن من الناحية العملية دهوك تؤيدني والبشمركة تحميني. هذا هو الواقع.“

ويؤيد بعض العرب الذين يعيشون في ظل الحكم الكردي الأكراد. ويقول شيخ عربي تولى في وقت سابق من العام جمع توقيعات على التماس لضم منطقة ذمار للإقليم إن رجال البشمركة ”حرروا أراضينا بدمائهم. ولاؤنا لكردستان.“

ومازالت شركة نفط الشمال العراقية التابعة للدولة تتولى تشغيل حقل عين زالة النفطي في المنطقة والذي تبلغ طاقته عشرة آلاف برميل في اليوم. لكن عدد العاملين فيه انخفض إلى النصف تقريبا لأن كثيرا من العاملين العرب إما انضموا للمتشددين أو أصبحوا محبوسين في الأراضي الخاضعة لسيطرتهم.

ونتيجة لذلك أصبح نحو 60 في المئة من العاملين الآن من الأكراد بزيادة نسبتها 20 في المئة عن الوضع قبل قدوم تنظيم الدولة الإسلامية وذلك حسبما ذكره مهندس مسؤول عن تشغيل الحقل.

ولخص أبو سهيل الجو العام السائد بقوله ”نحن عشائر. إذا قتل رجل شقيقي فعلي أن أقتله عندما يفرج عنه حتى إذا ظل في السجن 20 عاما.“

وأضاف ”فعند ذلك فقط ينتهي الأمر بكل صدق. ولا يمكن للدولة أن تسيطر على ذلك. فهذا مستحيل.“

إعداد منير البويطي للنشرة العربية- تحرير سيف الدين حمدان

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below