13 شباط فبراير 2011 / 14:32 / منذ 7 أعوام

المصريون يغيرون النظام على طريقتهم .. بخلاف العراق

<p>متظاهريون في ميدان التحرير بالقاهرة يوم الأحد. تصوير: ديلان مارتينيز - رويترز</p>

تعمل سامية نخول مديرة لتحرير أخبار الشرق الاوسط في رويترز. وقد غطت أحداث الشرق الاوسط لرويترز منذ عام 1986. وبعد أن غطت الحرب الاهلية في لبنان وحرب الخليج الاولى عاشت وعملت في مصر في التسعينات. وفي عام 2003 كانت في بغداد خلال الغزو الامريكي للعراق. وهي تقيم في لندن لكنها شاركت في تغطية احتجاجات المطالبين بالديمقراطية في القاهرة منذ بدأت أواخر الشهر الماضي.

وفي التقرير التالي مصر-العراق/ تقارن سامية نخول بين سقوط صدام حسين والاطاحة بالرئيس حسني مبارك.

القاهرة (رويترز) - كان آخر دكتاتور عربي شاهدت أحداث الإطاحة به هو صدام حسين. وكان سقوطه مختلفا كل الاختلاف عن سقوط حسني مبارك الذي أطاح به شعبه ولم تطح به قوة عسكرية أجنبية.

في عام 2003 أمضيت 18 يوما تحت النار في بغداد بينما كانت موجات متتالية من صواريخ كروز تدمر مساحات من المدينة التي ظلت تتعرض يوما بعد يوم لقصف قاذفات بي-52 الامريكية وتورنادو البريطانية قبل أن تتقدم الدبابات الامريكية الى العاصمة المنهكة القوى لتعلن تحرير العراق من الطاغية.

واهتز العراق والعالم العربي تحت وطأة جسامة هذا الحدث. لكن سقوط صدام كان ثمنه الاف الارواح وفتح الباب أمام سيل من الدماء وفشل في اطلاق شرارة الاحساس بنصر وطني بين العراقيين مماثل لما شعر به المصريون وجعلهم يرقصون في الشوارع بعد 18 يوما من الاحتجاجات الشعبية.

في العراق كان هناك شعور بالابتهاج بالطبع خاصة بين الشيعة والاكراد الذين تعرضوا في عهد صدام للقمع. لكن هذا الشعور صاحبه الخوف والقلق. اختفى صدام عن الساحة لكن فقد معه الكثير من العراقيين أيضا العديد من أحبابهم. وظهر محل صدام عشرات من أشباهه.

تحقق التحرير بقوة الدبابات والطائرات الاجنبية بعد سنوات من العقوبات الغربية القاسية وبعد ثلاثة أسابيع من القصف المتواصل.

وأصبحت صور مشاة البحرية الامريكية وهم يساعدون في هدم تمثال لصدام خارج الفندق الذي ينزل فيه ممثلو الاعلام الأجنبي في بغداد رمزا لهذه الاحداث التي وقعت قبل ثمانية أعوام.

وكانت أسباب الفرح لدى العراقيين قليلة. فقد ورثوا بلدا محطما ومجتمعا على وشك التفكك وهي تركة أدت الى سقوط عشرات الالاف من القتلى.

أما في القاهرة كانت الدبابات الوحيدة في الصورة هي الدبابات المصرية كما أنها لم تفتح نيرانها. بل ان المتظاهرين كتبوا عليها شعارات مناهضة لمبارك بينما كان الجنود يبتسمون. وها هو مبارك قد اختفى.

من الصعب أن يصدق المرء ما حدث. فلا أحد ممن عاشوا في مصر - وأنا عشت فيها خلال التسعينات - يمكنه أن يتخيل بهذه السهولة رحيل مبارك سوى عن طريق المرض أو الموت مثل سلفه أنور السادات الذي اغتيل. وقد نجا مبارك نفسه من محاولات اغتيال. فالحكام الطغاة في العالم العربي يقضون نحبهم وهم في مناصبهم.

ويتضح من خلال انفجار مشاعر الفرح في شوارع القاهرة مساء يوم الجمعة وعلى الطرق المؤدية الى ميدان التحرير عقب تنحي مبارك عن الحكم أن قلة قليلة من الشعب المصري فقط هي التي كانت تتصور فعلا أن بوسع الشعب إرغامه على ترك السلطة. فقد قال عدد لا يحصى أن ما حدث كان بمثابة حلم.

لكن الحلم كان حقيقة واقعة واستيقظ المصريون على فجر جديد. وعندما علا أذان الفجر من مساجد القاهرة تصاعدت الهتافات من حناجر المهللين المستبشرين برحيل مبارك. وما شهدته العاصمة المصرية يحكي قصة بلد تغير تماما بين عشية وضحاها.

سرت استقالة مبارك من منصبه في مصر مسرى الكهرباء وأحس بالتيار الكل في مختلف البلاد العربية وحكامها في قصورهم.

ورقص المصريون بالملايين احتفالا بسقوط الرجل الذي حكم البلاد كفرعون. وخرجوا بأطفالهم للاحتفال بالزلزال الذي غير وجه مصر. وعلت أصوات النساء بالزغاريد وكأنهن في عرس ورقص الشباب.

وفي ميدان التحرير قلب الثورة في وسط القاهرة حيث كان الزحام شديدا فلم يكن هناك موضع لقدم تعانق الناس وسالت دموع الفرح وعدم التصديق في يوم لم يكن البعض يحسب أنه سيراه.

لم يحدث من قبل أن شاهدت المصريين بهذا الفرح. ففي يوم واحد استعادوا كرامتهم وشعورهم بالفخر الذي كان قد دفن تحت وطأة حكم مبارك الاستبدادي.

اجتمع المصريون على نبذه بكل طوائفهم كبيرهم وصغيرهم نساؤهم ورجالهم أغنياؤهم وفقراؤهم المتدينون منهم والعلمانيون واليساريون والاسلاميون.

وكصحفية اعتادت منذ سنوات على هدوء الدول البوليسية التي تمثل جانبا كبيرا من دول في الشرق الاوسط شعرت بالفرح المتصاعد والمشاعر الطاغية تتجسد في أفراد الشعب من حولي.

لم أر مثل هذه المشاعر الفياضة سوى مرة واحدة من قبل وكان ذلك عام 1994 عنما رافقت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومبارك في قافلة دخل فيها عرفات قطاع غزة في رحلة العودة التاريخية بعد سنوات في المنفى.

ولم يكن يبدو قط أن المصريين ثوريون. فخلال السنوات التي عشت وعملت فيها بينهم عرفت عنهم طيبة القلب وخفة الظل والكرم وأيضا الاستكانة والرضا بما قسمه الله لهم رغم الفقر ومصاعب الحياة.

وربما كان لقسوة قوات الامن في التعامل مع المعارضة من قبل دخلا في ذلك الامر الذي يبرز شجاعة الشباب الذين بدأوا الاحتجاجات في 25 يناير كانون الثاني الماضي.

في عام 1992 انتقلت الى القاهرة بعد 16 عاما من الحرب الاهلية في بلدي لبنان وبعد أن شاركت في تغطية حرب الخليج الاولى. وفي مصر قلب العالم العربي النابض بالحياة كنت أتطلع للكتابة عن الحياة لا عن الموت عن السلام لا عن الحرب وعن بلد يمر بفترة انتقالية واصلاحات لتنقله الى العالم الحديث. كانت عظمة كنوز مصر الاثرية ومفكريها تأسرني.

وبعد أسبوع واحد قضيته في العاصمة المصرية نفذت الجماعة الاسلامية أول هجوم لها على السياح الاجانب مستهدفة مصدرا رئيسيا من مصادر النقد الاجنبي وشريانا حيويا للاقتصاد المصري. وأصبحت عودة الاسلاميين للظهور محور عملي. وقمت بجولة في حي امبابة الشعبي على أطراف القاهرة لاستكشف بنفسي ما اذا كان الاسلاميون المتشددون قد أقاموا دولة داخل الدولة على أسس الشريعة الاسلامية.

وأجريت مقابلة مع أميرهم. وبعدها مباشرة تلقيت أول ”دعوة“ لزيارة وزارة الداخلية المصرية. وبعد أن رفضت الادلاء بأي معلومات عمن قابلته بدأت أرى رجالا في سيارات واقفة أمام منزلي يقرأون الصحف بكل وضوح وخشية ألا أكون قد لاحظتهم أكد لي رجال الداخلية أنني تحت المراقبة.

وتلا ذلك أسابيع من الهجوم علي في الصحف الحكومية. فصوروني على أني اللبنانية التي جاءت الى القاهرة لتنشر الحرب الاهلية. ونفى مبارك نفسه في استياء أن هناك خطرا اسلاميا على مصر. لكنه بعد شهر واحد أرسل 20 ألفا من قواته الى امبابة. وخلال أسبوع قامت القوات بتفتيش البيوت بيتا بيتا واعتقلت العشرات ومن بينهم الشيخ الذي قابلته. وبعد أيام ظهر في التلفزيون المصري وقد تورم وجهه وملاته الكدمات حتى كان من الصعب التعرف عليه.

وفي أواسط التسعينات سافرت لمقابلة الاسلاميين في معاقلهم بمحافظة أسيوط وشاهدت هجوم رجال مبارك على المساجد وتعلمت أن ألعب لعبة القط والفأر مع رجال الامن فكنت أجري المقابلات في المدن البعيدة قبل أن أدخل الفنادق. كان تسجيل الاسم في الفندق أولا يعني أن الشرطة ستتابعني كظلي.

وتعلمت أيضا كيف أتخلص من الدعوات المنتظمة في ضيافة وزارة الداخلية .. وخلاصة الامر أن عليك أن تجعل اجاباتك متسقة وألا تفقد أعصابك وألا تعد الساعات. ولم يكن بوسع أحد ممن يدخل مقر أمن الدولة في لاظوغلي أن ينسى ما يتردد من روايات موثقة عن التعذيب الوحشي للسجناء في أقبية المبنى.

وبحلول عام 1997 كان حسني مبارك يعلن النصر على الاسلاميين رغم أن الثمن كان غاليا. وكان حضور محاكمات العديد من بين الالاف الذين اعتقلوا أمرا محيرا. فالمحاكم العسكرية لم تكن تبدي أي اهتمام بالأدلة وغضت البصر عن التعذيب فكانت في الواقع مسارا اليا يفضي الى الاعدام.

كنت أجري المقابلات مع المتهمين وهم في أقفاصهم في المحكمة. كانت مقابلات خاطفة ولم يكن القضاة يضيعون وقتا فتوالت دقات مطارقهم لتعلن أحكام الاعدام.

وتلى ذلك مشاهد تنفظر لها القلوب فتصاب أمهات بالاغماء وينتحب الاباء ويرفع المدانون المصاحف. وفي بعض الاحيان كان الهلع يبدو في عيون القضاة. أذكر قاضيا تلا الحكم ثم أسرع خارجا قبل أن يصيبه كرسي قذفته احدى الامهات وهي تصرخ واصفة مبارك بالطاغية وتتوعده بمطاردة الاسلاميين له.

كان جانب كبير من المحاكمات مفتعلا. بل ان أحكاما صدرت في بعض الاحيان على رجال شنقوا بالفعل. كان تبجح السلطات قد بلغ حدا لم يكن أحد يهتم معه بتغطية الأخطاء.

ورغم أن بعض من صدرت عليهم أحكام كانوا قد حملوا السلاح فقد صدرت أحكام على كثيرين لمجرد عضويتهم في الجماعات الاسلامية.

وتزايدت أعداد أصحاب الشكوى من حكم مبارك. وأصبح ملايين الشبان بلا عمل وانتشر الاحباط بين الشعب بسبب الفساد المتفشي.

وخلال السنوات العشر الاخيرة بدا أن مصر انزلقت أكثر وأكثر الى الفقر والانتهازية ولم تكن وسائل الاعلام الرسمية تعرض الحقائق فواصلت الحديث عن انجازات عهد مبارك. وكما كان الحال في العراق في ظل صدام تدخل الجهاز الامني في شتى نواحي الحياة.

وقالت منظمات لحقوق الانسان ان ألوف المعتقلين يملاون السجون ولم يعرف أحد العدد على وجه الدقة.

وواصل مبارك تنفيذ سياسات التحرر الاقتصادي التي اجتذبت أصحاب المال المقربين الى حضن السلطة لكن عشرات الملايين من المصريين ظلوا تحت خط الفقر. ومع تقلص الطبقة الوسطى اتجه الاغنياء الى السكنى في أحياء مغلقة في الصحراء حول القاهرة. وزاد الفقراء فقرا في الاحياء الفقيرة.

وشاهدت عاصمة العالم العربي التي تمتد حضارتها لالاف السنين وأحوالها تسير من سيء الى أسوأ ومبانيها تتداعى ودورها الدبلوماسي يتقلص وقدراتها الابداعية والحريات تختنق فيها.

لقد أعادت الثورة التي بدأت في 25 يناير للمصريين كرامتهم. فهم لم يتخلصوا من حاكم غير محبوب فحسب بل انهم واجهوا وهم عزل من السلاح قوة دولة بوليسية وحشية لم تتورع عن اعتقال أي أحد لاي سبب ولاي فترة من الوقت.

وبهذه الثورة حطم المصريون صورة شعب ظل خانعا الاف السنين في مواجهة الفرعون رغم كل ما يلحق به من اذلال.

وقال المعارض المصري أيمن نور ان تنحي مبارك يمثل أعظم يوم في حياته وان مصر ولدت من جديد.

وفي حين أن بغداد في ظل الاحتلال شهدت عمليات سلب ونهب وعنف بين الطوائف التي فرقها صدام حتى يتمكن من الحكم فان القاهرة تعيش احتفالات رائعة.

ويبدو أن كل مصري يشعر وكأنه أزاح الفرعون بنفسه.

وردد المصريون هتافات الاحتفال بالاطاحة بمبارك وقد انتشوا بنسيم الحرية في صورة مغايرة تماما لما كانت عليه بغداد قبل ثماني سنوات وهم يقفون عند نقطة انطلاق أفضل لمستقبل غير مؤكد.

من سامية نخول

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below