October 17, 2019 / 3:55 PM / a month ago

رغم التصويت للتغيير في تونس.. استمرار المصاعب يدفع الشبان لقوارب الهجرة لأوروبا

صفاقس (تونس) (رويترز) - استغرق الأمر عشر دقائق فقط ليتسلل فاخر الحميدي إلى خارج منزله، ويشق طريقه أمام مقاهي حي طينة، حيث يقضي شبان عاطلون عن العمل أغلب ساعات يومهم، قبل أن يصل الى الشاطئ وينقله قارب صغير إلى مركب اكتظ بعشرات المهاجرين أبحروا خلسة من تونس باتجاه سواحل إيطاليا.

أشخاص يسيرون في حي طينة بصفاقس في تونس يوم 15 أكتوبر تشرين الأول 2019. تصوير: زبير السويسي - رويترز.

غادر الحميدي بيته الواقع جنوب العاصمة في ساعة متأخرة من الليل قبل أن تصل أول أخباره للعائلة في اليوم التالي حيث اتصل بوالده مذعورا من رقم هاتف محمول إيطالي ليخبره بكلمات ستظل عالقة في ذهنه طويلا ”إننا في خطر.. المركب يغرق قرب السواحل الإيطالية.. اطلب من أمي أن تسامحني.. سأموت“.

كان الحميدي، البالغ من العمر 18 عاما، واحدا من عدة أشخاص من حي طينة بصفاقس ومن بين عشرات آخرين ما زالوا في عداد المفقودين بعد أن انقلب مركبهم قبالة جزيرة لامبيدوسا الإيطالية قبل نحو أسبوعين، مع انضمام المزيد من التونسيين المحبطين إلى رحلات المهاجرين إلى الحلم الأوروبي.

هذه الخسارة الفادحة لعائلة الحميدي والرغبة الجامحة بين العديد من شبان طينة وغيرها من مناطق البلاد شمالا وجنوبا للقيام بنفس الرحلة المحفوفة بالمخاطر تظهر بوضوح الإحباط الاقتصادي الذي دفع الناخبين الى الرفض الشديد للنخبة السياسية الراسخة في البلاد في الانتخابات الاخيرة.

وفي انتخابات برلمانية جرت في السادس من أكتوبر تشرين الأول الحالي، أي قبل يوم من غرق قارب الحميدي قرب سواحل إيطاليا، لم يفز أي حزب بأغلبية مربحة وتم انتخاب الكثير من المستقلين.

ويوم الأحد الماضي انتخب التونسيون أستاذ القانون قيس سعيد الذي لم ينفق على حملته الانتخابية إلا القليل، وهو وافد جديد على الساحة السياسية، رئيسا للبلاد فيما أصبح يعرف في تونس بأنه زلزال سياسي.

وفي بيت الحميدي المتواضع وهو من البيوت الشعبية التي باعتها الدولة بأسعار منخفضة نسبيا والذي تكافح الأسرة من أجل تسديد أقساطه في موعدها يجلس والداه يمزقهما الحزن.

وجوم وصمت يخيم على البيت الذي امتلأ قبل أيام فقط بنشاط الابن فاخر وكان ينتظر دراجة نارية هدية من أخته بمناسبه عيد ميلاده الثامن عشر.

مختار والد فاخر (55 عاما) يقول متحدثا لرويترز ”الشباب هنا محبطون للغاية. لا توجد وظائف.. ليس لديهم ما يفعلونه سوى الجلوس في المقاهي وشرب القهوة أو تعاطي المخدرات وسط لا مبالاة تامة من الحكام المنغمسين في معاركهم على الكراسي“.

فقد مختار وظيفته كسائق قبل عامين ولم يتمكن من العثور على عمل منذ ذلك الحين.

زكية والدة فاخر تطبخ في البيت ”البريك“ وهي أكلة تقليدية تونسية معروفة وتبيعه لجني القليل من المال الإضافي. وتعمل أختاه سندس (29 عاما) وناهد (24 عاما) في متجر للملابس.

تقول العائلة إن كثيرا من المال الذي امتلكوه ذهب لابنهم فاخر الذي كان حلم الهجرة إلى أوروبا يغريه كثيرا. و كان يردد ذلك بصوت مرتفع في البيت.

لم يكن فاخر وعائلته بحاجة سوى للصعود إلى سطح البيت ليروا قوارب المهربين تنطلق مكتظة بمهاجرين محليين وأفارقة. يقولون إن ”شاطئ الطابية“ في طينة أصبح مثل ”محطة حافلات“ في إشارة لتواتر الرحلات من نفس المكان.

وفي مقهى على مقربة من بيت الحميدي يجلس العشرات معظمهم من الشبان ليدخنوا السجائر ويحتسوا القهوة.

منجي كريم (27 عاما) أحد هؤلاء الشبان المحبطين تحدث الى فريق رويترز قائلا إنه سيأخذ القارب التالي إلى أوروبا إذا توفر له ما يكفي من المال لدفع ثمن الرحلة على الرغم من أنه فقد أصدقاء له في البحر في طريقهم لأوروبا.

وأظهر استطلاع أجرته شبكة البارومتر العربي للبحوث أن ثلث التونسيين، وأكثر من نصف الشباب يفكرون في الهجرة إلي إيطاليا في ارتفاع بنسبة 50 في المئة تقريبا منذ ثورة 2011.

في الأسابيع الأخيرة زادت مراكب الهجرة باتجاه إيطاليا من تونس ليستغل المهربون انشغال الأمن بالتركيز على الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وفي كثير من الأحيان تخرج عدة مراكب من نفس المكان في وقت واحد وتصل في وضح النهار إلى صقلية ولمبيدوسا حيث يفلت كثيرون من المراقبة الأمنية ويصلون إلى داخل إيطاليا بعد ذلك بعيدا عن أعين الشرطة.

وتتراجع وتيرة هذ الرحلات أحيانا ولكنها لم تتوقف قط رغم سن إيطاليا تشريعات صارمة خلال العام المنصرم لإثناء سفن الإنقاذ عن العمل في البحر المتوسط في محاولة لخفض عدد طالبي اللجوء الذين يصلون إلى البلاد.

كريم مثل كثير من أقرانه في المنطقة عاطل عن العمل وأحيانا يعمل لأيام قليلة وهو محبط من الوضع الاقتصادي وفقدان فرص العمل وأيضا من تردي مستوى المعيشة والخدمات العامة.

يشير بيده إلى الطريق قائلا ”انظروا حتى الطريق غير معبد كله حفر..‭ ‬انظروا الأوساخ ملقاة يمينا وشمالا.. لا شي يعجب هنا“.

بسبب البطالة وسوء الأوضاع يلقي هذا الشاب باللوم على الحكومة. لم يصوت في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية ويقول إنه غير مهتم بالحياة السياسية.

يقول ”السؤال ليس لماذا لم أصوت.. الأصح لماذا يجب أن أصوت أصلا؟ لم يتغير شيء بل الوضع يزداد سوءا كل يوم“.

وتصل معدلات البطالة في تونس إلى 15.3 بالمئة. وبطالة الشبان وخصوصا حاملي الشهادات الجامعية معضلة حقيقية تؤرق الحكومات المتعاقبة.

وفي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 15 سبتمبر أيلول وفي الانتخابات البرلمانية كانت نسبة إقبال الناخبين الشبان ضعيفة.

ولكن مع ترشح قيس سعيد المناهض للمؤسسة السياسية الراسخة للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية دعمه الشبان بشدة وأقبلوا على الاقتراع وكانوا قوة حقيقية ساهمت في فوز كاسح على منافسه نبيل القروي ومهدت الطريق ليصبح رئيسا للبلاد.

لكن دعمهم لمرشح يروج لخروج واضح عن السياسة التقليدية لما بعد الثورة يلقي الضوء بالخصوص على إحباطهم من الاتجاه الذي سلكته تونس في ظل الحكومات السابقة وعدم معالجة مشكلات البطالة والفقر والخدمات العامة.

وفي طاولة بجانب كريم في المقهى يرفع فتحي الحاج البالغ من العمر 32 عاما إصبعه الذي لونه الحبر مثبتا أنه صوت يوم الأحد. وقال ”لا يمكنني تخيل شاب صوت لغير قيس سعيد في جولة الإعادة.. هو ليس اقتناعا كاملا لسعيد بقدر ما هو عقاب لطبقة سياسية باعتنا الأوهام“.

ويقول مختار الحميدي إنه حين اندلعت ثورة تونس 2011 كان لدى الناس أمل كبير في أن تتغير الأوضاع للأفضل. لكن من الناحية الاقتصادية ساءت الأمور.

ويضيف أن ابنه فاخر لم يكن يرى إلا القليل من الأمل في السياسة وهو يرى أن السياسيين لا يكترثون إلا بالمناصب ولا يهتمون بتوفير مستقبل جيد له ولأنداده.

وعلى الرغم من الزيادة الواضحة في الدعم الشبابي لسعيد كرئيس فقد كان سعيد حريصا على عدم تقديم أي وعود بشأن مستقبل تونس لا اقتصاديا ولا اجتماعيا، بل تعهد تحديدا بأن يطبق القانون بقوة وبعدالة.

وسيكون الملف الاقتصادي من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة المقبلة التي لن يكون تشكيلها سهلا بسبب النتائج التي أفرزت برلمانا أشبه بالفسيفساء يضم تيارات متنافرة ومستقلين.

الأولويات المقبلة لأي حكومة ستكون محاربة تفشي البطالة ومقاومة التضخم وتحسين الخدمات العامة والموازنة بين طلبات النقابات وضغوط المقرضين الدوليين.

وأي تحسن سيكون متأخرا للغاية بالنسبة لعائلة الحميدي التي تعاني لوعة فقدان ابنها والتي لا تزال تنتظر منذ أسبوعين أي إشعار من السلطات التونسية أو الإيطالية عن مصير الشاب.

ويقول مختار الحميدي وهو يبكي بحرقة هو وزوجته زكية ”فاخر كان يقول لي دائما :أريد الذهاب إلى فرنسا. هذا حلمي. ليس هناك مستقبل هنا. أنت لا يمكنك العثور على وظيفة منذ عامين. فكيف يمكنني ذلك؟“

تغطية صحفية للنشرة العربية طارق عمارة من تونس - تحرير دينا عادل

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below