18 أيلول سبتمبر 2011 / 10:38 / بعد 6 أعوام

تحقيق-الموانئ السورية تعاني مع معاناة الاقتصاد جراء الاضطرابات

من سليمان الخالدي

عمان 18 سبتمبر أيلول (رويترز) - من شرفته المطلة على كورنيش مدينة طرطوس السورية على البحر المتوسط يتحسر وكيل ملاحي عالمي على التغير الذي حدث منذ اجتاحت انتفاضة شعبية البلاد قبل ستة أشهر وألحقت ضررا شديدا بالاقتصاد.

وقال وكيل الشحن الذي فتح شركة في طرطوس للاستفادة من طفرة في حركة المرور بها بعدما وضعت الحرب أوزارها في العراق "في الليل كانت أضواء السفن تصنع امتدادا لطرطوس فتصبح وكأنها مدينة في البحر أما الآن فهي مثل قرية صغيرة. كان خط تماس الميناء مع البحر مليئا بالسفن.. أما الآن فالمراسي تكاد تكون خالية تماما."

وأدت احتجاجات الشوارع المطالبة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد والتي يجري قمع الكثير منها لتراجع حركة السفن في موانئ البلاد وأضرت بآمالها في الاستفادة من موقعها المحوري في الشرق الأوسط لاقتناص حصة أكبر من أنشطة النقل.

ولم يتضح حجم الضرر الذي لحق بالاقتصاد السوري جراء الاضطرابات وما ترتب على قمعها من عقوبات دولية فالبيانات الرسمية شحيحة. لكن كثيرا من المحللين يتوقعون تراجع الناتج المحلي الاجمالي هذا العام ربما بنسبة كبيرة وقد كان صندوق النقد الدولي توقع في مطلع العام نمو الاقتصاد السوري ثلاثة بالمئة.

ويقول وكلاء شحن ورجال أعمال إن الصادرات تراجعت إذ خفض الزبائن الأجانب طلبياتهم بينما أجل المستوردون السوريون طلبياتهم بسبب حالة عدم التيقن. وفي غضون ذلك تبحث الشركات التي كانت تعتمد على سوريا كممر للتجارة مع دول أخرى في المنطقة عن طرق أخرى. ولحقت أضرار شديدة بميناء اللاذقية الرئيسي -حيث انتشرت قوات الجيش قبل ثلاثة أشهر- بالاضافة إلى ميناء طرطوس.

وقال وكيل الشحن العالمي الذي طلب عدم نشر اسمه بسبب حساسية الموضوع "حتى سفن الرحلات التي كانت تأتي إلى اللاذقية وطرطوس عبر البحر المتوسط وعلى متنها مئات السياح الايطاليين والاسبان لم تأت هذا العام."

وتقول مصادر بقطاع الشحن إن حركة سفن نقل البضائع العامة وبضائع الصب الجافة والسائلة والحاويات في اللاذقية وطرطوس تشهد تراجعا منذ اندلاع الانتفاضة في مارس آذار. وبحسب تقديراتهم تراجعت أحجام الشحن بمتوسط 35 إلى 40 بالمئة في الأشهر الثمانية الأولى من 2011 عن مستواها قبل عام.

وقال مسؤول بقطاع النقل السوري لرويترز من دمشق شريطة عدم نشر اسمه "المستوردون والمصدرون يتوخون الحذر الشديد وأدى ذلك لتراجع حاد في واردات المواد الخام مع تباطؤ الانتاج في كثير من الصناعات نتيجة الأزمة."

وقال وكلاء شحن وخبراء بالصناعة إن احجام مناولة الحاويات والتي يجري أغلبها في ميناء اللاذقية تراجعت في يونيو حزيران وحده بنسبة 36 بالمئة مقارنة مع مستواها قبل عام لتصل إلى 33 ألفا و527 حاوية مكافئة.

وتظهر الأرقام الرسمية لميناء اللاذقية في الفترة بين ابريل نيسان ويونيو انخفاضا بنسبة 16 بالمئة مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي لكن مصادر بالقطاع قالت إن هذه البيانات ليست دقيقة لأنها تشمل حاويات كثيرة بها مساحات فارغة.

وفي طرطوس التي تجري بها مناولة معظم شحنات بضائع الصب في سوريا أو نحو تسعة ملايين طن سنويا في الأحوال العادية قالت مصادر بقطاع الشحن إن بعض الشركات الأوروبية تتجنب الميناء بعدما أعلن الاتحاد الأوروبي عقوبات على صادرات النفط السورية في مطلع سبتمبر أيلول.

وأضافت المصادر أنها تتوقع انخفاضا في النشاط من الشركات العراقية والعربية الأخرى بسبب نقاط التفتيش والحواجز المرورية المنتشرة بشكل متزايد في أنحاء كثيرة من سوريا.

وقال وكيل شحن رئيسي في طرطوس "كنا نستقبل 25 إلى 30 سفينة يوميا. تراجع ذلك إلى ما بين خمسة وعشرة يوميا" في اشارة لسفن حمولتها بين ثمانية آلاف و35 ألف طن.

وتقول مصادر إن خطوط الشحن الكبيرة ذات الوقوف المتكرر مثل ميرسك الدنمركية وسي.إم.ايه سي.جي.إم ومقرها فرنسا وإم.إس.سي ومقرها جنيف وهامبورج سود الألمانية مازالت تتوقف في الموانئ السورية بالوتيرة المعتادة إلى حد كبير وإن كان بأحجام شحن أقل.

ويقول وكلاء ملاحيون إن الشركات تحجم عن الانسحاب من سوق للنقل تخدم المنطقة كلها ومازال لها فرص كبيرة على المدى البعيد بفضل موقعها.

وقال طلال الحلواني من شركة الحرية للملاحة والنقل في عمان وهي وكيل لشركة ايطالية رائدة "لا تنسحب خطوط شحن كبيرة في الوقت الحالي. لدى الانسحاب من أي خدمة سيكون من الصعب استعادتها."

وأضاف "بالرغم من أن (الشركات) تعاني لأن احجام البضائع لم تعد كما كانت فإنها مازالت تعمل بالصورة المعتادة رغم كل القيود. إنها عملية انتظار وترقب."

لكن ثمة شركات اقليمية أخرى من غير ذات الخدمات المنتظمة قدرتها أقل على تحمل الخسائر وقد قلصت زياراتها للموانئ السورية أو ألغت التوقف فيها على الاطلاق.

وقال مسؤول آخر في قطاع النقل السوري "شركات الشحن التي كانت تتوقف بسفن حاويات أربع مرات في الشهر تدخل الميناء الآن ثلاث مرات. بعض الشركات الاقليمية منها واحدة أو اثنتان من تركيا توقفت تماما عن التوقف بالموانئ."

وتسعى بعض شركات الشحن لتعويض التراجع في تجارتها مع سوريا بتقديم أسعار أكثر تنافسية لنقل الحاويات إلى موانئ بيروت ومرسين والاسكندرية القريبة والتي تقدم نفس الخدمة لمنطقة أوروبا والبحر المتوسط.

ودفعت الاضطرابات شركات كثيرة لتعليق خطط بعضها وضع قبل خمسة أشهر فقط لاضافة مزيد من رحلات الحاويات أو لجلب سفن أكبر إلى الموانئ السورية ترقبا لطلب متعلق باعادة اعمار العراق.

وخلال السنوات الخمس الماضية تمكنت الموانئ السورية من تعزيز أنشطة النقل مع العراق والاردن وشبة الجزيرة العربية إثر تقليص الروتين والقيود الحكومية في سوريا وهو إرث خمسة عقود من اتباع النموذج السوفيتي في الادارة الاقتصادية.

وجرى أيضا تنشيط ميناءي اللاذقية وطرطوس بمنح عقود ادارة محطات الحاويات بهما إلى شركات أجنبية بالاشتراك مع مستثمرين محليين على علاقة بعائلة الأسد.

وطورت الشركات الأجنبية - وهي سي.ام.ايه سي.جي.ام في اللاذقية والشركة الدولية لخدمات محطات الحاويات الفلبينية في طرطوس - المنشآت وساعدت على رفع أحجام مناولة الحاويات في الميناءين إلى 620 ألف حاوية مكافئة العام الماضي من 365 ألفا في 2004.

وقال وكلاء ملاحة ومسؤولون بقطاع النقل السوري إن نحو 40 بالمئة من اجمالي الشحنات التي يستقبلها ميناء اللاذقية تتجه إلى العراق بينما يرتفع الرقم بالنسبة لميناء طرطوس إلى 70 بالمئة.

وتمتاز الموانئ السورية بالمرونة وانخفاض التكلفة مما يمنحها ميزة تنافسية للانشطة المتعلقة بالعراق مقارنة مع الموانئ التركية واللبنانية وميناء العقبة الأردني. كما أن تكلفة النقل البري الأقل تمنح البلاد ميزة اضافية إلى جانب تفادي رسوم قناة السويس التي يدفعها المستوردون الذين يستخدمون الموانئ الأردنية والسعودية على البحر الأحمر.

أما الآن فيتطلع المستوردون العراقيون والأردنيون والسعوديون الذين كانوا يستخدمون الموانئ السورية في السنوات الاخيرة لنقل بضائع الصب مثل الخشب والرخام والصلب والحبوب من منطقة البحر الأسود وشمال ووسط أوروبا إلى بدائل.

وقال وحيد أبو عجمية المدير العام لشركة سي.ام.ايه سي.جي.ام الأردن "تأتينا استفسارات متزايدة من تجار محليين وعراقيين يريدون جلب بضائعهم إلى الأردن بحرا من تركيا أو أسواق أخرى. هذا النشاط عادة ما كان يذهب للموانئ السورية. حتى البضائع التي التي عادة ما كانت تنقل برا عبر سوريا يجري شحنها الآن."

(شارك في التغطية خالد يعقوب عويس)

م ح - أ أ (قتص) (سيس)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below