4 تشرين الأول أكتوبر 2011 / 07:09 / بعد 6 أعوام

الحسن بكري.. والانتصار على الموت بطريقته الخاصة

من جورج جحا

بيروت 4 أكتوبر تشرين الأول (رويترز) - يحكي الكاتب السوداني الحسن بكري في روايته ”طقس حار“ قصة رجل عجوز مشرف على الموت لكنه قرر ان يدفع عنه الموت بالامور التي كانت تشكل بعض مظاهر الحياة والحيوية في شبابه: الجنس والنضال الوطني.

ولأن الزمن لم يعد زمن شباب فالعجوز يستعيض عن المغامرات تلك بتذكرها فيبعد بذلك الموت عنه او هذا ما اعتقده. لقد بدا انه يقلب قول الشاعر الراحل خليل حاوي ”وجحيم ذكر الجحيم القديم“ الى عكسه ليصبح الامر عنده ”ونعيم ذكر النعيم القديم“.

معظم الكلام والحوارات تدور عن البطل العجوز وعشيقاته واصدقائه وقسم قليل منها خصص للاحفاد يبدون رأيهم في كلام الجد وتصرفاته بين وهم وخيال وواقع يقوم به.

ثم ان هذا البطل كما يصور لنا نفسه يذكرنا من ناحية بمغامرات امرىء القيس في دارة جلجل وتعرية النساء والتمتع بمنظرهن اذ انه كان يفعل مثيل هذا الامر. وهو من ناحية يدخلنا عالم الاساطير اليونانية القديم.

انه نظير ”اورفه“ الذي كان يحرك حيوانات الغابة وطيورها بمزماره ويجعلها تمشي وراءه. الا ان صاحبنا العجوز لا يكتفي بتحريك النحل وغيره بل يستخدم هذه الكائنات لخدمة مصالحه ومطاردة من يعشق وجعلهن يخضعن لارادته ومتعته.

والرواية في كثير من محتوياتها جنسية صريحة وبقدر كبير من التفاصيل احيانا. جاءت الرواية في 182 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن (الدار العربية للعلوم ناشرون) في بيروت.

اما الاهداء فقد جاء في قسمين. في القسم الاول قال ”الى الاساتذة الراحلين: الروائي العظيم الطيب صالح وصديقي الشاعر النور عثمان ابكر وصديقي الموسيقار مصطفى سيد احمد.“ اما القسم الثاني فقد جاء على الشكل التالي: ”الى ابنتي الحبيبتين: شهدة وملاذ“.

الفكرة فكرة جميلة دون شك لكنها عنده تراوح بين الخيال وتذكر الواقع وبين الوهم كما لمح بعض احفاده.

يبدأ الرواية واضعا القارىء في اجوائها فيقول “يأخذ كفاحي الذي يجري ضد ألوية الموت اتجاهين. اتجاه متعلق بحركة اطرافي وآخر بدوزنة روحي. بعد كل احتضار يقدم لي احفادي جردا دقيقا لتلويحات يدي وانزلاقات رجلي.

”اما تهويمات روحي فكنت ألفيها منقوشة بذاكرتي التي غدت بمرور الوقت والمواظبة على المران تقرر على نحو تلقائي تنظيف وتنظيم انحائها وسراديبها بحيث تبقي على اجمل احداث حياتي وتلفظ الوقائع البشعة التي كرسها الاستعمار والحروب والدكتاتوريات.“

وقال ”عندما اكون على اعتاب الخروج من متاهة احتضاراتي اسمح لخيالاتي المتصلة باجمل لحظات حياتي بالتوارد. يتيسر لي عندها توجيه درجات الشفاء التي حققتها لزيادة فعالية ذاكرتي وبالمقابل استغل تنامي مهارات الالهام التي اكتسبتها في زيادة عنفوان جسدي.“

ورأى انه ”بوسع الحب تهيئة فرص عديدة لتحقيق النجاة.. فهو على الاقل يبقي على الذكريات التي انطبعت على اجسادنا حية ومتحفزة حتى الى ما بعد رحيل آخر رمق فينا.“

ويصف لنا وضعه بالقول ”تتسلل الي في احتضاراتي الاولى “جيجي” ثم تتلوها “نورية” و“هيف”. تأتي ايضا حبيبتي الجنوبية “ابوك” التي ستتباعد رحلاتها الينا بعد اشتعال الحرب الاهلية الاولى و“جدية” سيدة اجمة النخيل المحاربة التي رافقتني في معارك ثورة العشرينات الطاحنة ضد المستعمر الانجليزي.“

يقول معللا بعض فقدان الذاكرة ان اعراض الزهايمر المبكرة اصابت اجزاء من دماغه ”فاجتاحتني بلبلةاصابت وقائع ذكريات فتوتي: توارت ملامح نساء شبابي الباكر فبالكاد امسيت اتذكر تفاصيل جسد المرأة الاولى.“ وتحدث عن بريطانية اقام معها علاقة وبعثت له صور لها ”فقد امكنني استدعاءها متى شئت... لكنني نسيت ملامح قتلاي الانجليز وادى ذلك الى الاقلال من نوبات ارقي وتواتر كوابيسي.“

ونصل الى كلام لاحد الاحفاد عن جده اذ يقول “لا علم لنا ان كان هذا الجلد الذي يبديه جدنا في مواجهة الموت متصلا بالوراثة كما يدعي مسنون كثر من العائلة ام ان الامر مرتبط فقط بجدنا وبسنوات العشق التي امتدت من صباه الباكر وحتى آخر سنوات الشيخوخة بحسب زعمه هو.

“بعد احتضاراته الطويلة يظل يتحدث عن نساء محاربات يغشين هذيانات موته وعن طيور من فصائل مختلفة.. تؤانس وحشة رحيله الوشيك. الاكيد ان جدنا قد قضى طرفا من طفولته وشبابه متنقلا في انحاء البلاد.. يتحدث ايضا عن كفاح شرس ضد الاستعمار وعن ادوار مهمة لعبها في مقاومة الدكتاتوريات ويحتفظ بمنشورات تدعو الى شن الحرب وتنظيم الصفوف.

”اما نساؤه اللاتي يزعم انهن شاركنه كفاحه الطويل فقد تحدثن بشكل غامض عن مهام وطنية كلفهن بادائها. استمرت جداتنا يعتنين بجدنا رغم علل الشيخوخة التي كانت تعصف بهن. نسمع كثيرا عن سبعين زوجة اقترن بهن وعن مئات الابناء والاحفاد منتشرين بكافة الاصقاع. لكن تظل معرفتنا مقتصرة على اثنين او ثلاث ادعوا انهم اولاده وسعوا الى توثيق معرفتهم به.“

رواية الحسن بكري ”طقس حار“ على رغم مآخذ طفيفة قد تؤخذ عليها تشكل قراءة عميقة ممتعة وتطرح اسئلة مؤرقة وتسعى الى تسكين ألم الشيخوخة النفسي والجسدي.

ج ج - أ ح (ثق)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below