8 شباط فبراير 2013 / 09:28 / بعد 5 أعوام

واقعية جنان جاسم حلاوي.. تشرد الشبان وتمسك الكبار بأرض الوطن

من جورج جحا

بيروت 8 فبراير شباط (رويترز) - الكاتب العراقي جنان جاسم حلاوي يروي بواقعية تنقل الالام والاحزان وأجواء الغربة عن العراق في فترة زمنية معينة وعن تشرد الشبان العراقيين في ارجاء الارض وتمسك كبار السن بأرضهم رافضين الانتقال الى بلدان اخرى.

وكل من الفريقين -الشبان والمسنون- ينفذ خياره او ما ارغم على ان يكون خياره بحزن يكاد يبلغ درجة اليأس. فالمشردون عن بلدهم مطروحون على ارصفة شوارع مدن العالم ويخشون العودة الى الوطن حيث يلقون عقوبات على مواقفهم المعارضة للحاكمين.. والمقيمون وهم غالبا متقدمون في السن يقبعون وسط الحرب والاقتتال والدمار هاربين من مكان في الوطن الى آخر لكنهم يرفضون الهجرة حيث تتاح لهم ويبقون في ارض الوطن ينتظرون اخبار احبائهم كما ينتظرون الموت بين لحظة واخرى.

رواية جنان جاسم حلاوي ”شوارع العالم“ وردت في 318 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت.

يكتب حلاوي بواقعية بعيدة عن الواقعية الجافة التي ألف القارىء في الفترة الاخيرة مواجهة نماذج منها تغرق في آلية جامدة وتفاصيل تتوالد وتتناسل ويخلق بعض منها مللا في النفس.

ان واقعيته حية تنقل الحياة وتشبهها.. أحزانها وآلامها وأوهامها ولذاتها وخيباتها.

في الرواية خطان يسيران بتواز وإن عن بعد. الخط الاول هو قصة سالم الذي نلتقيه في السويد التي هرب اليها من الاتحاد السوفيتي وبعد فترات مضاها في دمشق وبيروت وأماكن اخرى. سالم شاب كان شيوعيا وهرب من العراق ايام حكم الرئيس الراحل صدام حسين.

ومن دمشق ارسله الحزب الشيوعي في بعثة دراسية الى الاتحاد السوفيتي حيث ملت نفسه الانضباط الحزبي والصرامة وعقلية ”نفذ ثم اعترض“ فابتعد عن رفقائه الى ان هرب من الاتحاد السوفيتي الى السويد. انه قرار لا يغتفر. وهو الان ينتظر قرارا بشأنه.. فإما ان يعطى حق اللجوء السياسي وإما ان يعاد الى التشرد من جديد ويعاد الى الاتحاد السوفيتي.

الخط الاخر في العراق. في هذا الخط نلقى والدي سالم وأخاه الاصغر منه زكي ذا الستة عشر عاما. يعيش هؤلاء في البصرة التي تحولت الى ما يشبه مدينة اشباح فهي تقع على خط القتال في الحرب العراقية الايرانية.

تعيش العائلة معظم اوقاتها في قبو منزلها الذي بذلت جهدها لتحصينه وذلك هربا من القذائف التي تضرب المدينة بفعل القصف المستمر. ويهتز المبنى باستمرار ويتطاير منه التراب والغبار. وفي بعض حالات الهدوء تصعد العائلة الى البيت في الطبقة الاعلى من القبو ولا تلبث ان تعود الى القبو مع الجرذان والخفافيش بعد ان يعود القصف.

المدارس اقفلت ابوابها بسبب القصف وكثيرون من سكان المدينة غادروها الى اماكن اكثر امنا. سعى الاهل الى ابعاد زكي الى مكان اخر. ذهب الى خاله في مدينة اخرى ومن هناك هربته منظمة فلسطينية كواحد من اعضائها الى دمشق حيث سيسعى الى السفر الى الاتحاد السوفيتي متوهما ان اخاه لا يزال يعيش فيه.

في غياب زكي يشتد القصف ويحل الدمار ببيت العائلة فينتقل الأب المتقاعد ذو المعاش المحدود مع زوجته الى مكان اخر بعيد عن القصف. الا ان اشتباكات دارت في المنطقة بين الجيش العراقي وسكان معارضبن من الشيعة. هرب المسلحون والجيران في شاحنة وأصروا على أن يذهب الاب والام معهم فذهبا ظنا انهم يتوجهون الى منطقة عراقية اخرى.

الا ان الشاحنة دخلت الحدود السعودية بعد ان تخلص المسلحون من اسلحتهم. وضع القادمون في مخيم دولي يشرف عليه نرويجيون وتقرر ارسالهم لاجئين الى دول اوروبية. رفض الوالدان وقررا العودة الى العراق. وبعد رحلة عذاب وصلا الى العراق حيث حقق معهما وقررا الذهاب الى بيت اهل الزوجة والقبول بما تكتبه لهما الاقدار.

سالم ينتظر القرار بشأنه. وفي هذه الاثناء يقيم علاقات مع نساء لكنه يشكو من الوحدة ومن الخوف من ان يطرد مرة اخرى. حاول ان يتزوج من امرأة كان قد اقام معها علاقة كي يبقى في البلاد لكنها رفضت فكرة الزواج بعد تجربة سابقة.

كانت هواجسه ومتاعبه تتمثل احيانا في حالات يعاني منها ليلا. يقول الكاتب مثلا “فزّ سالم من نومه. ازاح اللحاف جانبا هلعا من نوبة اختناق اعترت صدره. قعد في فراشه وشعره مبلل بعرقه. جسده ساخن ورغبة ملحة تراوده في التجرد من ملابسه. الغرفة مظلمة. الستائر مسدلة. لا اتجاه ولا منفذ انما هوة والعتمة تلفه.. تحاصره وتضيق الخناق عليه.

”شق الستارة. الليل يهيمن على العالم. المنطقة مقفرة. غيوم الخريف تحتشد في السماء بكتلها الكثيفة فتحجب النجوم والشهب ونور المجرات فلا يبين الا ضوء قمري يتسلل من بين طياتها الحالكة في هالة شاحبة ومصفرة. مصابيح الشارع تلقي بأنوارها على الاسفلت المبلل فتلمع بقع ماء هنا وهناك فلقد امطرت توا... انه اليقظ الوحيد اذا والناس ما زالوا نياما. من يدري؟ قد يكون بعضهم متأرقا في فراشه ايضا من هم واضطراب.“

يتحدث سالم مع رمزي -وهو عراقي اخر- عن الوطن والمنفى وما يوجهانه احيانا من عنصرية. يقول ”حتى المنفى خير من الموت في الوطن. الذعر يحمل الناس على التشبث بالبقاء هنا.“ يقول له الاخر ”لا تنس المساعدات الاجتماعية“ التي يقدمها السويديون لهم فيرد الاخر ”المساعدات لا تجعل المهاجر سعيدا.“

يرد سالم ”لا بيد انها تحميه فهو يتحمل الذل لادراكه انه في نهاية المطاف لن يموت جوعا هو وعائلته او يسقط قتيلا بقذيفة طائشة او يقتل او يختطف ويسجن من قبل غزاة وميليشيات.“

الا ان القرار صدر بترحيل سالم الى الاتحاد السوفيتي. ولما وصل وجد مع مرافقيه من رجال الشرطة ان السوفيت يرفضون السماح له بالدخول. وبعد اتصال مع السفارة السويدية تقرر العودة به الى السويد. لكنهم في السويد ابلغوه انهم سيرحلونه الى دمشق. وفي دمشق التقى شقيقه الباحث عن طريقة للسفر الى الخارج. التقى الاخوان خارج العراق وبقي الوالدان في العراق على رغم الموت والدمار.

إعداد جورج جحا للنشرة العربية - تحرير أمل أبو السعود - هاتف 0020225783292

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below