May 22, 2018 / 11:39 AM / 3 months ago

مقال-زيارتي لإيران وما سمعته عن الولايات المتحدة

(بيتر فان بورين خدم 24 سنة في وزارة الخارجية الأمريكية ومؤلف كتاب ’كنا نقصد خيرا: كيف ساعدت في خسارة معركة الفوز بقلوب وعقول الشعب العراق‘ ورواية ’حرب هوبر: رواية عن اليابان في الحرب العالمية الثانية‘. والآراء الواردة في هذا المقال هي آراؤه الشخصية)

من بيتر فان بورين

22 مايو أيار (رويترز) - إيران مكان محفوف بالخطر هذه الأيام.. على الأقل في السيارة. فحركة المرور في المدن تسير مثل لعبة رص المكعبات (تترس) إذ يندفع السائقون بسياراتهم في أي فراغ يتسع للسيارة.

وتبدأ المشاوير بحالة من الفوضى وتمضي وسط جو من الهرج. أما كيف تنتهي فتلك مشيئة الله على حد قول الجميع.

سافرت إلى إيران هذا الشهر لحضور مؤتمر عن الفلسطينيين والقدس والشرق الأوسط عموما انعقد برعاية مؤسسة غير حكومية مقرها في إيران. وعلى هامش الاجتماع التقيت بطلبة من جامعة مشهد وجامعة الفردوسي ومعهد تعليمي للنساء والتقيت كذلك بباحثين قادمين من طهران.

وقبل رحلتي مباشرة أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي ونقلت أثناء وجودي في مدينة مشهد الشمالية الشرقية السفارة في إسرائيل رسميا إلى القدس. وحظيت هذه الأحداث بمتابعة شديدة في إيران مثل نتائج مباريات كأس العالم رغم خلوها من الاحتفالات التي تصاحبها.

ولم يكن من الصعب معرفة آراء الطلبة. فقد قال طالب مشيرا إلى السنة التي تم فيها توقيع الاتفاق النووي ”ما الذي تريده أمريكا منا؟ إرغامنا على التفاوض؟ لقد تفاوضنا واتفقنا فعلا في 2015“.

وقال آخر ”تغيير النظام؟ هل يدرك الأمريكيون حتى أننا ننتخب حكومتنا هنا؟“

وردا على استفساري عن الإيرانيين الذي أطاحوا بحكومة بالفعل قبل 40 عاما رد أحد الخريجين قائلا ”نعم أطحنا بالشاه. لكن لم يختره الإيرانيون بل نصبتوه أنتم. أيريد ترامب وبولتون (عادة ما يساء نطق اسمي الرئيس ومستشاره للأمن القومي معا) منا تغيير حكومتنا؟ ولم تحسبون أننا سنفعل ذلك؟ ألأنكم تزيدون من الصعوبة التي نواجهها في شراء السلع الغربية؟“

واشترك اثنان من طلبة الدراسات الأمريكية، من المرجح أنهما بسبيلهما لشغل مناصب حكومية، في ترجمة مصطلح محلي إلى ما معناه ”من ذا الذي يمكنه أن يبحر بفلك في هذه المياه؟“ وذلك عندما سئلا عما إذا كانت عقوبات أكثر فطنة وأكثر تحديدا لما تستهدفه قد تدفع إيران للتفاوض على اتفاق جديد.

”من الذي سنوفده للمحادثات؟ المتشددون؟ لقد قال لهم ترامب لتوه أنهم كانوا على حق في 2015 عندما طالبوا بعدم الوثوق بأمريكا“.

والمعلومات متاحة بقدر معقول للإيرانيين. فأدوات الانترنت مثل شبكات (في.بي.إن) تحتال على العراقيل الحكومية. ولتطبيق انستجرام وموقع فيسبوك شعبية. كما أن موقع رويترز.كوم الإخباري متاح علنا في الفندق الذي أقمت فيه.

وبوسعك أن تشاهد أحدث أفلام الأبطال الخارقين على أقراص بلو راي مهربة. ويعتبر الحظر الساري على تطبيق التواصل الاجتماعي الشائع انستجرام مجرد وسيلة إزعاج لجعل ”الكبار“ يشعرون بارتياح، وربما كان في هذا إشارة إلى المتشددين...

ورغم الحقائق، كثيرا ما تخطيء الاستنتاجات. ففتح دور السينما في السعودية هو استخدام الغرب للثقافة للتعدي على الأخلاق أو ”نشر ثقافة هوليوود“. ويقال إن الجنود الإسرائيليين يبثون مواد إباحية لبيوت المسلمين.

ومن المعتقد أن أحد أقطاب صناعة الإعلام المعروفين في الغرب ينتج سرا أفلاما يستغل فيها الأطفال في مشاهد جنسية باللغة الفارسية. وإسرائيل تحرك السياسة الخارجية الأمريكية كما أن جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المنشقة المكرسة لتغيير النظام تختفي وراء كل شجيرة (جون بولتون مرة أخرى).

وأمريكا تطالب بعام أحادي القطب تُستبعد منه إيران. وليس من قبيل المصادفة أن القرارات الأمريكية المؤيدة لإسرائيل ألقيت في وجوه المسلمين مع بداية شهر رمضان الكريم.

ولا معنى للدور القوي الذي لعبته السياسة الداخلية الأمريكية في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كما أن الوعي ضئيل بنفوذ كتلة الناخبين الانجيليين. وبدلا من ذلك تصبح أفعال واشنطن دليلا ... على كل شيء. وإيران بلد يتعرض للاعتداء. والجهود الإيرانية للتواصل مع الولايات المتحدة تقابل بالتعتيم والوقت بين محاولة التواصل والتعتيم عليها ليس إلا مقياسا لدرجة الازدواجية.

وعبر الطلبة عن قلق متواصل من رغبة الولايات المتحدة في تدميرهم. وأن أمريكا تريد منذ ما قبل ولادتهم بعقود أن تقضي عليهم.

هؤلاء الطلبة يعرفون الولايات المتحدة جيدا وفي الوقت نفسه مرعوبون منها. جلس كثيرون معي في غرفة هادئة في الجامعة التي تستمد اسمها من شاعر قديم ذائع الصيت وأبدوا قلقهم من أن أمريكيين آخرين سيأتون يوما ويقتلونهم.

وفي الخارج في مدينة مشهد لم تخرج مظاهرات ولم يتم حرق أعلام. وعندما زرت المسجد المركزي هنا بعد صلاة الجمعة كان الناس أكثر اهتماما بالتقاط صورة مع أجنبي من أي شيء آخر.

غير أن هذه مدينة دينية وموطن الضريح المقدس للأمام الثامن ومن واقع ما دار من أحاديث في حفلات الاستقبال وخطاب أُلقي في المؤتمر وخطبة حماسية في المسجد المركزي اتسمت نبرة رجال الدين بالخشونة.

ونظر إلي شخص من رأسي إلى أخمص قدمي وكأنني وجبة غير شهية قبل أن يشرح بكل أدب أن الهدف من حرق العلم الأمريكي هو ”القضاء على الدولة“. وعلى جدار خلفه علقت صورة لتمثال الحرية وهو يحمل شمعدانا يهوديا وصورة أخرى تبين الزعيم الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في السجن.

وفي خطبة تلهب المشاعر قال أحد رجال الدين المهمين إن تكتلا من إيران والصين وروسيا قادر على تحطيم الاتحاد الأوروبي. والبنوك الصهيونية تسيطر على الإعلام. وتوجد دكتاتورية في الأمم المتحدة وفي هوليوود وصندوق النقد الدولي.

وتحدث مسؤولون من وزارة الخارجية الإيرانية عن شعور عميق بالإحباط لعدم وجود أمريكيين للتحدث معهم غير واثقين من السبب الذي يجعل الولايات المتحدة تتشكك بعد 40 عاما من الثورة في شرعية الدولة الدينية والديمقراطية المركبة في إيران واستقرارها.

وقال دبلوماسي أكبر سنا إن الغضب من واشنطن مثل الشعور الوهمي بالحكة الذي يشعر به من فقدوا أطرافا من بقايا ماضي محصورة في الحاضر، شعور بالحكة ما من سبيل للتخلص منه.

ويسأل وهو يشير بذراعه ”هل تريد أن يفشل كل ذلك؟ يبدو أن الأمريكيين في كل مكان توقفوا عن المحاولة“.

إيران طريق حرير غريب. فالهواء بالنسبة لي مزيج من روائح نبات زهر العسل والزعفران وعوادم الديزل.

وبخلاف المشروبات الخفيفة الأمريكية المنتشرة في كل مكان والمحصنة بطريقة ما من العقوبات (وتُطلب هنا وفقا لألوانها فالأحمر للكوكاكولا والأبيض لمشروب سبرايت والبرتقالي لمشروب الفانتا)، لا توجد منتجات أمريكية تذكر تزاحم الأسماء الصينية إلى جانب إل.جي وبيجو وسامسونج وسوني.

فالمعروضات حديثة ونظيفة بشكل غير عادي لكنها في الوقت نفسه مستعملة وعندما تدقق النظر يتبين أنها مرقعة وفي كثير من الأحوال خضعت للإصلاح. والماضي حاضر في اللافتات والرسوم الجدارية سواء الماضي القديم منذ 5000 سنة أو صور الثورة الأحدث.

ومن السذاجة الاعتقاد بأن مكانا بتعقيد إيران يمكن أن يكشف عن نفسه في زيارة قصيرة غير أن من قابلتهم اعتبروا ذلك مهمتهم. وقد جعلوني مهموما أحاول تهدئة مخاوف الطامحين الذين يبدون الآن معزولين عن الطموح في الوقت الذي يسد فيه ممثلون رديئون في واشنطن وعلى المستوى المحلي ثغرات التفاهم. وقال أحد الباحثين ”مستقبلنا منسي بالفعل“.

وخارج جامعة الفردوسي تكدس عدد من الطلبة في سيارة أجرة وانطلقوا وسط حركة المرور المسعورة. أنت تودع الناس هنا على أمل أن يصل كل إلى الوجهة التي يحتاج للوصول إليها وذلك لأن قيادة السيارات بطيئة دائما وخطرة في كثير من الأحيان. ويقول الكل إنها مشيئة الله.

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير نادية الجويلي

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below