5 آذار مارس 2012 / 14:12 / منذ 5 أعوام

تحليل/ أوروبا خرجت من العناية المركزة لكنها قد تواجه مرضا عضالا

من بول تايلور

بروكسل 5 مارس اذار (رويترز) - خرجت منطقة اليورو من جناح الطواريء لكنها قد تكابد مرضا عضالا منهكا وليس مرحلة نقاهة سريعة.

فالتحديات المحدقة بأوروبا الآن تتمثل في ضرورة مقاومة الرضا عن الذات وايقاد جذوة النمو الاقتصادي مع خفض معدلات الدين وكبح جماح السياسات الوطنية الدافعة باتجاه كسر وحدة منطقة العملة الموحدة.

وتعتبر قمة الاتحاد الأوروبي التي انعقدت الأسبوع الماضي الأولى منذ عامين التي لم تكرس جل مناقشاتها لمسألة إطفاء لهيب أزمة الديون السيادية المستعرة.

وكان الارتياح واضحا. إذ قال رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو "لم يكن هذا اجتماع مركزا على إدارة الأزمة. وهذا أمر جديد." مضيفا "لقد تركز الاجتماع على النمو."

لقد غيرت ثلاثة أحداث المزاج العام وحققت الهدوء بأسواق المال التي بدا في أواخر العام الماضي أنها تراهن على انفصام عرى العملة الأوروبية الموحدة التي تشكلت قبل 13 عاما.

فقد وقع القادة الأوروبيون اتفاقا ماليا بقيادة ألمانية يمنح سلطات اكبر لقواعد انضباط الموازنات العامة والتي طالما جرى تجاهلها بينما تمارس دول مهمة مثل إيطاليا وأسبانيا تخفيضات قاسية في نفقاتها وإصلاحات تقاعدية وعمالية.

وتفادت اليونان أزمة تعثر كارثية على الأقل الآن بعدما أمنت حزمة إنقاذ دولية ثانية وتوصلت إلى صفقة مع مقرضين من القطاع الخاص تسهم في خفض جبل الديون إلى مستويات يمكن إدارتها.

وقبل كل شيء حالت صفقتان كبيرتان من التمويل طويل الأمد منخفض التكلفة من البنك المركزي الأوروبي دون اندلاع أزمة ائتمان ربما كانت قادرة على إشعال موجة انهيارات بنكية أو تدافع مذعور على سحب الودائع من البنوك أو جحيما بسوق السندات مما يجعل إيطاليا وأسبانيا إلى وضع يائس تماما.

وأصبح ماريو دراجي رئيس المركزي الأوروبي بطل اللحظة حين وجد طريقة للتصرف كمقرض ملاذ أخير للبنوك دون إخلال بمعاهدة أوروبية تحظر منح التمويل للحكومات مباشرة.

وقال الرئسي الفرنسي نيكولا ساركوزي المتلهف على منح الناخبين قبل انتخابات الرئاسة الشهر القادم انطباعا بأن الأسوأ قد مر "إنها (الصفقة) ليست مضمونة 100 في المئة. لكن أعتقد أننا نجتاز هذه الأزمة."

بيد أن هذه التهاني الشخصية هي ما دفع دراجي إلى تحذير قادة الاتحاد الأوروبي خلف الأبواب المغلقة من أن الأزمة أبعد ما تكون عن الانقشاع وأن المركزي الأوروبي أدى ما عليه.

ونقل مشاركون بهذه الاجتماعات عن رئيس المركزي الأوروبي القول إن تدخل البنك اشترى لهم بعض الوقت فحسب ليتمكنوا من معالجة أمور المالية العامة وإدخال إصلاحات ذات مصداقية واستعادة النمو. فإن لم تستغل أوروبا فترة السماح في إنجاز الإصلاح ستكون العواقب وخيمة.

وخلال الأسابيع المقبلة يتعين على دول الاتحاد الأوروبي اتخاذ قرار حول كيفية تعزيز حائط الصد المالي الخاص بالاتحاد والبت في احتمال معاقبة أسبانيا على مخالفتها معدلات خفض العجز المستهدفة والمتفق عليها أو منحها مزيدا من الوقت لانعاش النمو.

وستكون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هي الأخرى أمام قرار حاسم في نهاية مارس اذار الجاري يتعلق بمدى السماح لمنطقة اليورو بضم أموال الإنقاذ الحالية المؤقتة إلى المستقبلية الدائمة لتوفير مخصصات أكبر في حالات الطواريء.

وتضغط كبرى اقتصادات العالم ولاسيما الولايات المتحدة والصين على أوروبا لتجنيب مزيد من الأموال الدفاعية كشرط مسبق للحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي لدرء آثار الأزمة.

وقد يغري الرفض الشعبي وتزايد الغضب من حزم الإنقاذ في أوساط تحالف اليمين والوسط المستشارة الألمانية بالقول بعدم الحاجة إلى تأسيس صندوق إنقاذ أكبر وهو قرار يحتاج موافقة برلمانية صعبة.

ويقول مسؤولون ألمان إن خفض عائد السندات الحكومية بشكل أكبر من اللازم لن يؤدي سوى إلى تخفيف الضغوط على الحكومات لتطبيق إصلاحات.

وعليه فإذا قالت ميركل "لا" وما لم يحصل صندوق النقد على مزيد من الأموال في أبريل نيسان فقد يعود التوتر إلى الأسواق سريعا.

وتعيش أسواق السندات نشوة على أثر جرعة المورفين المسكنة التي قدمها دراجي لكنها جرعة مخدرة غير شافية. فقد يعود الألم مجددا عبر سلسلة جديدة من خفض التصنيفات الائتمانية لجهات سيادية بمنطقة اليورو مثلا.

ومن مخاطر الرضا عن الذات أيضا أن دولا مثل فرنسا التي باتت قادرة على الاقتراض بتكاليف أقل قد تتهاون في إجراءات التشقف المطبقة لديها ولاسيما في عام الانتخابات. كما ان الأحزاب السياسية في إيطاليا تخفف بالفعل إصلاحات جذرية خاصة بتحرير قطاعات اقتصادية اقترحتها حكومة التكنوقراط بقيادة رئيس الوزراء ماريو مونتي.

وتكمن مخاطر سياسية أخرى في بلاد مثل أيرلندا التي طالما صوتت بالرفض على المعاهدات الأوروبية والتي تطرح حاليا الاتفاق المالي للاستفتاء الشعبي ومثل اليونان المقبلة على انتخابات عامة وسط استياء شعبي من اجراءات التقشف الصارمة التي يفرضها مقرضون دوليون.

ومن غير المؤكد على الإطلاق وجود إرادة سياسية بتحمل سنوات أخرى من المصاعب الاقتصادية.

وثمة تضارب بين الحاجة إلى خفض الديون وتعزيز النمو الاقتصادي الذي يصبح الدين بدونه مرشحا للارتفاع أكثر منه للانخفاض.

وتعتبر أسبانيا حالة اختبار بعدما طلبت مدريد المزيد من الوقت لخفض عجز موازنتها الذي شط بعيدا فوق التوقعات ليأتي عند 8.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.

وتعقد المفوضية الأوروبية والمتشددون إزاء العجز في شمال أوروبا العزم على دعم مصداقية النظام الجديد بينما تشعر مدريد باليأس من تفادي الوقوع في دوامة كساد على النمط اليوناني عبر تخفيضات بالموازنة أكثر حدة.

وبما أن معدل البطالة في أسبانيا تجاوز نسبة 23 في المئة وأصبح بين كل شابين شاب عاطل تصبح أسبانيا أمام اضطرابات اجتماعية محتملة وهو خطر محدق بالبرتغال أيضا الغارقة في ظروف اقتصادية قاتمة.

ومن شأن اتساع الفجوة بين اقتصادات الشمال الأكثر حيوية ونظائرها الجنوبية التي تعاني الانكماش أن يؤجج اضطرابات سياسية بين جيل ضائع يعاني أزمة بطالة خانقة في عدة دول.

وتعد فرنسا أحد عوامل عدم اليقين أيضا إذ قد تنتخب في مايو ايار المقبل رئيسا اشتراكيا يعيد التفاوض على الاتفاق المالي لجعله أكثر حفزا للنمو الاقتصادي. ولئن كان ذلك من قبيل الرمزية السياسية في غالب الأحوال فإن احتمال الصدام مع ألمانيا سيكون حقيقيا إن تغلب فرانسوا هولاند على منافسه ساركوزي.

وإذا فشلت اليونان في تنفيذ برنامجها الإنقاذي من جديد فقد تثور ضغوط عارمة في ألمانيا وفنلندا وهولندا -وهي دول اليورو الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بتصنيف AAA الائتماني الممتاز- باتجاه قطع المساعدات عن اليونان وتركها في دائرة التعثر مما يدفعها لترك منطقة اليورو.

ورغم هذه المخاطر فمن الصعب إلقاء اللوم على قادة أوروبا إن شعروا بشيء من الرضا بعد عامين من إدارة الأزمة فجرا انتقادات واسعة بأن الإجراءات جاءت أقل مما ينبغي وبعد فوات الأوان.

وقال مسؤول رفيع بالاتحاد الأوروبي حضر 18 مؤتمر قمة للاتحاد منذ اندلاع الأزمة في مطلع 2010 "ليس خطيئة أن تصبح أكثر تفاؤلا... نحن نقترب بشكل ما من نقطة تحول في أزمة منطقة اليورو."

ولئن كان اليورو مبحرا صوب مياه أقل اضطرابا فإن كثيرا من الصخور تربض تحت السطح.

يقول جانيس إيمانويليديس الحاصل على زمالة مركز السياسة الأوروبية للدراسات "ثمة احتمال قوي بأن تكون الأزمة متجهة من مرحلة شديدة السخونة إلى مرحلة باردة. فهل هذا يعني زوالها؟ أبدا. المخاطر لا تزال شتى."

أ ل - ن ج (قتص)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below