22 تشرين الثاني نوفمبر 2011 / 08:59 / بعد 6 أعوام

خليفة العريفي سرد وشعر عن الخيبات الدائمة

من جورج جحا

بيروت 22 نوفمبر تشرين الثاني (رويترز) - يطرح الكاتب والمخرج والممثل المسرحي البحريني خليفة العريفي في روايته ”جمرة الروح“ موضوع الخيبات التي لا تنتهي والاحلام المحبطة والنضال الذي يصل بصاحبه الى يأس هنا وايمان غريب عنه هناك.

الا ان حصة خليفة العريفي من الشعر في سرده ليست قليلة بل ”فائقة“ خاصة في القسم الاول من الرواية. ويبدو ان هذا الامر شائع جدا بين قسم كبير من كتاب الرواية العرب الى درجة –على الرغم من جمال النص الشعري هنا او هناك- قد تسيء الى العمل الروائي.

السرد بشعرية امر جميل ومهم لكن كتابة شعر خالص بمعنى استقلاليته او شبه استقلاليته عن الزمان والمكان المعينين للرواية امر آخر قد يقال فيه ان صاحبه ربما ضل طريق السرد.

الا ان خليفة العريفي ”يستلحق نفسه“ كما يقال اذ انه بعد القسم الاول من عمله يعود الى سرد معقول ويتحول الجو الشعري عنده الى خادم للسرد في شكل جزء لا يتجزأ منه على خلاف ما واجهناه في بداية الرواية.

شيء آخر يميز كتابة العريفي في القسم الاول من عمله ايضا وفي اماكن اخرى منها وهو ان الفصل الواحد من الرواية يصلح احيانا ان يكون قصة قصيرة مستقلة نوعا ما.

جاءت الرواية في 192 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن (مملكة البحرين وزارة الثقافة. الثقافة والتراث الوطني) وعن (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) في بيروت وعمان.

اذن العريفي يكتب شعرا وهو يسعى الى اخذ القارىء في طريقه السردي. شعر –شأن كثير من الشعر– ينطوي على احتمالات عديدة ولا يقول شيئا محدودا يندرج بسهولة في نطاق نصه الروائي المفترض.

تبدأ الرواية كما يلي “خرج الى الشارع.. رفرف بجناحيه.. رفع وجهه للشمس.. استنشق الهواء بنهم طفل لم يرضع منذ زمن.. كان يحمل وردة حمراء قطفها بلهفة من حديقة قرب السجن.. تأمل الوردة مليا وغاب طويلا في شذى العطر. لم تكن الوردة عطرة لكنه تخيلها كذلك.

”رفرفت فراشة بألوان قزحية.. لامست الفراشة الوردة.. صارت الوردة لغما خبأه بين اضلاعه. توقفت يده تحت قميصه ثم اخرجه ورماه الى الارض لكنه لم ينفجر. دوى الانفجار الحزين في رأسه وراح يغني اغنية قديمة تمجد الموت انتحارا وتلون الشفق بالظلام.“

وتستمر الكتابة الشعرية فيبدو هنا كأنه يكتب قصائد حديثة ”وانت الآن تتعلمين اغنية الغياب والحضور وتنتظرين طويلا في المحطات المكسوة بالضباب والوحشة... اعلم ان السماء اوقفت امطارها والانهار اضاعت امكنة ولادتها ولم تبق الا البحار دواء للجروح.“

بعد قراءة الرواية ومعرفة ان البطل سجن بتهمة تفجير سيارة ضابط انجليزي قد يجد القارىء نفسه قادرا على ان يفهمم هذه الكتابة الشعرية التي تبدو تدور حول الحدث ولا تسهم فيه زيادة او نقصانا. اما قبل ذلك فتبقى الامور معلقة.

ومن ناحية اخرى نصل الى فصل بعنوان ”زينب“ وهي بطلة القصة وزوجة السجين. الفصل يصلح تماما لان يكون قصة قصيرة تفيض شعرا. ويبدو كذلك انها وصلت الى نهاية معقولة من الخوف ومن الحاجة. لكنها فعلا قسم من رواية كبيرة. نقرأ وصفا شعريا في هذا الفصل اذ يقول الكاتب ”كانت السماء رمادا عندما وقفت على الرصيف تنتظر.. أليس الانتظار اغنية بطيئة الايقاع مجهولة المعنى؟ انتظرت طويلا لكن السماء ظلت معادية ولم تمطر.“

وتحت عنوان ”اللقاء“ رومانسية ناعمة. بيت المتسولة الجميلة وأبيها المريض. خرجت من الكوخ اغنية حزينة ”في اوردتي يتكدس الليل وعلى صدري تزهو اوجاع رمادية.“ انه حزن اكثر رفعة من بيئته الوضيعة كما يبدو.

وتشتد الرومانسية حزنا اذ نقرأ ”تزداد الاغنية ارتفاعا وسرعة. يزداد السعال حدة وحشرجة. تختلط الاغنية بالسعال حتى يصيرا صوتا واحدا مشروخا.“

ويبدو لنا هنا ان الكاتب لا ينقل الواقع او ما يشبهه بل يرسم صورة من الحزن المكثف لينقل ما في ذهنه وهو عالم شعري حزين اكثر منه واقعا. الواقع قد يكون اسوأ او افضل -هذا لا شك فيه- لكنه يكون مختلفا عن هذه الصورة الذهنية والحالة النفسية التي تشبه الشعر الرومانسي اكثر من الرواية القريبة من الواقع.

في الرواية تتشابك الازمنة وتتداخل الاماكن في اجواء تنضح بالرمز احيانا. الزوج في السجن كما اسلفنا وهي مع ابنتها التي لم يرها والدها بعد. بعد رفض طويل رضخ السجين وقبل توقيع ورقة ”توبة“ شوقا الى زوجته وابنته. لكن الزوجة لما عرفت ذلك اعتبرت انه مات. ”مات مشنوقا على رماد ورقة.“

بعد خمس سنوات خرج وتجول تائها. اسعفته امرأة عجوز عرفت امه وقالت له انه لم يبق احد من اهله وان بيتهم سكنه اغراب بعد ان باعه اخوته ورحلوا. الخيبة تحول السجين السابق والشيوعي العنيد الى متصوف زاهد لا يتعرف الى احد. اما هي زينب فتزوجت من خالد بعد ان طلقت زوجها.

الخيبة لا تكتفي بهذا بل تشمل قصة اخرى موازية بطلها شخصية بارزة هي محمود.. الشاعر والصحافي البارز. كان محمود قد اعجب زينب التي جعل منها شاعرة ذات اسم كاشفا عن مواهبها. لكنه ليس رجل زواج فصرفت النظر عنه.

تدور بينه وبين فتاة شابة تصغره قصة عاطفية وجسدية لكنه يرفض الزواج ويكتفي بالإنفاق عليها ببذخ.

دعي الى دمشق وبقي فيها اسبوعين ولما عاد وعلى غرار بطل نجيب محفوظ في ”اللص والكلاب“ وجد ان صديقه ومعاونه وربيبه ”سعيد“ قد اختفى معها لانها تريد ان تتزوج وهو على استعداد. وانتقل الى جريدة اخرى. جن جنون محمود وشعر بالخيبة وبالخيانة وانتهى ”محترقا“ من داخله بجمرة روحه. وظلوا يبحثون وينادون ويصرخون حتى وجدوا جثته على شاطيء مهجور وطيور النورس تحوم حولها وكذلك الذباب.

ويختم الكاتب روايته بكلمة (النهاية) ليتدخل ويقول بعدها ”هل انتهت حقا؟ اشك في ذلك.“

ج ج - أ ح (ثق)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below