18 تشرين الأول أكتوبر 2011 / 10:53 / بعد 6 أعوام

رشيد الضعيف وكتابة التاريخ ادبيا

من جورج جحا

بيروت 18 أكتوبر تشرين الأول (رويترز) - يخرج الكاتب اللبناني رشيد الضعيف في روايته ”تبليط البحر“ عن نمط كتاباته السابقة ليقدم لنا رواية تاريخية تستند الى وقائع وأحداث حقيقية ويمتزج فيها الواقعي بالخيالي.

وقد استطاع رشيد الضعيف في هذه الرواية ان يحقق امرا مهما وهو السرد الجذاب الذي يشد بالقارىء اليه فلا يترك الرواية الا اضطرارا. ثم ان الكاتب قد وفق في كتابة التاريخ ادبيا بطريقة تجعل القارىء يحس في غالب الرواية بانه يعيش احداث الرواية فعلا.

في الرواية عرض حي من خلال الأشخاص لفترة من تاريخ لبنان عامة وتاريخ بيروت السياسي والاجتماعي والثقافي وتطور الحياة فيها.

بطله تقوم بينه وبين جرجي زيدان صداقة وزمالة تستمر طويلا الى ان يفترقا بعد ان نزل زيدان في مصر من السفينة التي كانت تقل بطل القصة الى الولايات المتحدة ليدرس الطب بعد ان درسه سنتين في الجامعة الامريكية في بيروت التي كانت تعرف في تلك الايام باسم الكلية الانجيلية السورية.

ويعرض الكاتب مشكلة تأمين الجثث للتشريح في قسم الطب في الكلية وانتشار سرقة الجثث واضطرار كثيرين الى التضحية -سرا طبعا- بتقديم جثث اعزاء رحلوا وذلك من اجل خدمة العلم وخدمة الوطن.. والخدمة الاخيرة شدد عليها الكاتب في مراحل عديدة من الرواية.

ويتحدث عن الازمة التي عرفتها الجامعة الامريكية بسبب موضوع نظرية داروين وتأييد اساتذة وطلاب لها مما ادى الى توقف دراسة الطب لفصل واحد وإلى مغادرة عدد من الطلاب بينهم جرجي زيدان الى مصر بهدف اكمال الدراسة لكن جرجي زيدان لم يستطع اكمال دراسته فانصرف الى الكتابة والصحافة.

وفي رواية رشيد الضعيف المسيحي الماروني حديث طويل عن دور المبشرين البروتستانت الايجابي في تلك الايام خاصة في معالجة المرضى ومساعدة من كانوا بحاجة الى مساعدة.

لكن المتعة التي تقدمها الرواية من كثير من النواحي جاءت الى حد ما على حساب رسم الشخصيات الرئيسية رسما كاملا عوضا عن التركيز على جوانب منها خاصة في شخصية البطل.

وبعد نضال البطل وكفاحه الطويل وبعد اتجاهه عائدا بانجازاته العلمية والمادية من امريكا الى لبنان في سفينة اصاب انجازاته ما اصاب سمكة الرجل المسن في رواية ارنست همنجواي ”الشيخ والبحر“. وكما ابتلع البحر وكائناته سمكة العجوز ابتلع ايضا احلام البطل وإنجازاته فلم يصل الى شاطيء بلده الا جثة هامدة.

ولم تصل الجثة الى مدفنها اذ ان طلابا من الجامعة الأمريكية -ولسخرية القدر- فعلوا كما كان البطل فارس يفعل في شبابه فسرقوا جثته وحولوها الى المشرحة دون ان ينجح احد في معرفتهم واعتراضهم.

استند الكاتب الى مصادر ومراجع عديدة من اجل معلومات روايته وإن لم يشر الى اي منها. الرواية التي جاءت في 207 صفحات متوسطة القطع صدرت عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت.

تبدأ الروية بالحديث عن فتنة عام 1860 في جبل لبنان واضطرار سكان كثيرين الى النزوح هربا من الاقتتال والمذابح الطائفية ونزل كثير منهم الى بيروت حيث سعوا الى الحصول على عمل. ومن جملة هؤلاء منصور هاشم والد فارس. وكانت هناك صداقة بين والد فارس وحبيب زيدان والد جرجي زيدان صاحب المطعم القريب من الجامعة الامريكية حيث عمل الصبي جرجي فيه لاحقا وتعرف الى عدد من اساتذة الجامعة والمبشرين الشهيرين.

ويروي الكاتب التاريخ العام والخاص بسلاسة ممتعة فينقل قول والد جرجي لابنه عن يوم ولادته. يقول “ان يوم ولادتك لا يضيع احدا لانه كان بالضبط يوم مات زوج ملكة انكلترا ”البرنس البرت“.

”وكان هذا اليوم عند والده لا ينسى لانه في تلك الليلة بالذات كان ساهرا مع اصحابه فسمعوا فجأة اصوات مدافع من جهة البحر من دوارع انكليزية كانت راسية كعادتها هناك فخافوا وهموا بالهرب من المدينة الى الجبال المحيطة بها ظنا منهم ان هذه الدوارع تقصف المدينة ثم علموا ان السبب هو وفاة زوج ملكة الانكليز.“

تقول الرواية ”ولد فارس في بيت قريب من البيت الذي ولد فيه جرجي زيدان وفي النهار ذاته اي في 14 ديسمبر كانون الأول سنة 1861 وكان الاثنان صديقين رفيقين وقد امضيا فترات طويلة في مطعم والد جرجي. وقررا ان يدرسا الطب في الكلية الانجيلية السورية لكنهما بسبب احداث الجامعة اكملا سنتين فقط وقررا الاكمال في الخارج. فارس في امريكا حيث هاجر ابوه وجرجي في مصر.“

في امريكا تعذب فارس كثيرا وعاني من التمييز العنصري الامريكي الذي لم يشهد مثله في فرنسا حيث امضى مدة خلال سفره. عمل كغالب ”السوريين“ في بداياتهم في البيع بواسطة ”الكشة“ او تلك الصندوقة التي تعلق في الرقبة وعلى الكتفين ويدور بها البائع في ”البر“ يعرض بضاعته الصغيرة الى ان يجمع مبلغا من المال يساعده على فتح دكان.

وبعد تجربة خطبة فاشلة مع فتاة مهاجرة كان قد احبها في لبنان الغيت الخطبة. احب فارس فتاة امريكية واحبته لكنه لقي عذابا وادخل السجن بتدبير من اهلها الى ان افترقا. درس الطب وتخرج طبيبا ومارس ثم انضم الى الجيش الامريكي في الحرب الاسبانية وعمل تحت امرة ثيودور روزفلت الذي كان قد شاهده في بيروت عندما زار اصدقاء له في الجامعة الامريكية ونزل في منزل الدكتور دانيال بلس.

وفي كوبا تعرف الى فتاة صينية تدعى ”ساوا“ وتبادلا الحب ثم تزوجها وقرر لاحقا العودة معها الى لبنان بعد تصفية ممتلكاته الكثيرة. وكانت شهرته قد سبقته الى موطنه.

بعد سياحة رائعة وتوقف طويل في بلدان اوروبية ادركته المنية. عروسه المفجوعة قررت حمله الى لبنان ليدفن في ارضه كما قررت ان تربي طفلها القادم الذي اسمته فارس في بلد ابيه.

قراءة ممتعة دون شك. ويبدو ان رشيد الضعيف الكاتب الناجح نادرا ما جاء بسرد خلاب دافيء مماثل لسرده في هذه الرواية في اعماله السابقة المميزة.

ج ج - أ ح (ثق)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below