9 تموز يوليو 2012 / 10:55 / بعد 5 أعوام

تحقيق-نمط الحياة الراقي في الضفة الغربية يخفي أزمة اقتصادية متفاقمة

من نواه براونينج

رام الله (الضفة الغربية) 9 يوليو تموز (رويترز) - وراء أبراج المراقبة الإسرائيلية التي يكسوها السواد من أثر القنابل الحارقة وبعد المدخل المؤدي إلى مخيم للاجئين والذي يزدان بصور مقاتلين قابضين على أسلحتهم.. تنبعث الأضواء من وسط مدينة رام الله.

وهناك تتلاشى آثار الاحتلال والصراع المستعصي على الحل وتزهو المقاهي برواد يرتدون ثيابا أنيقة ويتعطر الجو برائحة النرجيلة في ليل تهزه أصوات الموسيقى المنبعثة من الملاهي الليلية الراقية. وتقف سيارات بي.إم.دبليو الجديدة على جوانب الشوارع تحت الفيلات وتطل العمارات السكنية المرتفعة من بين تلال الضفة الغربية.

لكن هذا المشهد أقرب إلى السراب منه إلى الواقع.

يقول إبراهيم الفار مالك فرع سلسلة مقاهي سيجافريدو زانيتي الإيطالية الراقية في رام الله الذي فتح أبوابه حديثا "الحمد لله على القروض."

ورام الله هي العاصمة التجارية للفلسطينيين ومقر حكومتهم في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل.

ويتركز نمو الضفة الغربية في رام الله وفي قطاعي العقارات والخدمات حتى مع تباطؤ قطاعات عديدة مثل الزراعة والتشييد.

وتتجلى آثار الإنفاق الحكومي والعيش على القروض على نطاق واسع في شتى مستويات المجتمع الفلسطيني. وكما أظهرت أزمة منطقة اليورو فإن هذا قد يكون معول هدم للاقتصاد.

وزادت القروض الشخصية من البنوك في الأراضي الفلسطينية خمسة أضعاف في العامين الماضيين إلى 417 مليون دولار. وبحسب بيانات سلطة النقد الفلسطينية تمثل قروض السيارات وحدها 119 مليون دولار أخرى.

ويقول الفار "إن كنت غارقا في المشاكل لماذا لا تحاول عيش حياة طيبة وتستمتع بالسهر وبقهوة طيبة المذاق؟ إن كنا تعرضنا للأذى على يد الاحتلال فإن فاتورة القروض ستكون أقل إيذاء."

وتباطأت بشدة وتيرة المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية التي تعيش على معونات المانحين والتي تمارس حكما ذاتيا محدودا في الضفة الغربية بموجب اتفاقيات سلام مؤقتة مع إسرائيل.

وتعذر مجددا دفع رواتب موظفي القطاع العام المتخم بالعاملين بأكملها هذا الشهر. وتتآكل القاعدة الانتاجية للاقتصاد الفلسطيني وتتزايد البطالة والفقر معا.

وتعمقت أزمة اقتصادية في البلاد متمثلة في تراجع النمو من ذروته البالغة تسعة بالمئة في 2010 ليبلغ 5.4 في المئة في الربع الأول من 2012 مقارنة بنفس الفترة من عام 2011.

وتستأثر السلطة الفلسطينية بحوالي ثلث الائتمان الممنوح من البنوك في الأراضي الفلسطينية والذي تبلغ قيمته الإجمالية 3.5 مليار دولار. لكن في ظل تراجع مساعدات الدول المانحة وانخفاض الإيرادات ليس من الواضح إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع.

وقال مسؤولون في الأسبوع الماضي إن صندوق النقد الدولي رفض طلبا فلسطينيا بالحصول على قرض بقيمة مليار دولار. وتنحسر المساعدات الخارجية بسبب الأوضاع الاقتصادية العالمية وكردة فعل على محاولة الفلسطينيين الفاشلة لانتزاع الاعتراف بدولة فلسطينية من الأمم المتحدة في الخريف الماضي.

وتراجع العنف الإسرائيلي الفلسطيني بشكل درامي منذ نهاية انتفاضة 2000-2005. لكن السلام والدولة الفلسطينية المأمولة مازالا كالسراب. وتجمدت المفاوضات مع إسرائيل منذ 2010 في ظل شكوك كبيرة لدى الفلسطينيين بسبب بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.

وتتضح جاذبية العقارات حين تنظر من نافذة مكتب في الطابق العاشر يملكه كريم عبد الهادي المدير بشركة فلسطين للتنمية والاستثمار (باديكو) أكبر شركات القطاع الخاص في الأراضي الفلسطينية وهي شركة قابضة تعمل في قطاعات شتى من بينها المطاعم الراقية والفنادق الفاخرة والعقارات والتشييد.

وتقف المباني الأسمنتية المرتفعة وسط بقاع خضراء تقع خارج الحدود الإدارية للسلطة الفلسطينية وخارج حدود البناء التابعة لها بحسب اتفاقات أوسلو 1994 التي حددت مناطق سيطرة مختلفة في الضفة الغربية.

ويشق الجدار الذي بنته إسرائيل الأفق وهو جزء من حاجز تقول إسرائيل إنه يضمن أمنها من منفذي العمليات الانتحارية. لكن محكمة العدل الدولية تقول إنه غير شرعي ويدينه الفلسطينيون باعتباره سطوا على أراضيهم. وبينما تعوق القيود الإسرائيلية حركة التجارة إلا أنها تعتبر مفيدة لسوق العقارات.

يقول عبد الهادي "الأراضي في فلسطين من الاستثمارات القليلة الآمنة لأن اتفاقات أوسلو جعلتها أكثر ندرة ولأن قيمتها لم تنخفض تاريخيا قط."

ويضيف "ولا ينطبق نفس الشيء على العقارات. فرغم أن قيمة العقارات لم تنخفض إلا أن بعض المشروعات السكنية مازالت شاغرة ولم يشترها أحد إلى الآن."

وتستثمر شركة عبد الهادي في ناد خاص لمسؤولي الشركات يطل على شاطيء البحر المتوسط وتقوم بتشغيل مطعم فاخر أردني المنشأ. لكن فرص المشروعات القادرة على توفير فرص عمل لعدد كبير من المواطنين وتحفيز النمو الاقتصادي تلاشت.

وبحسب بيانات أولية من البنك الدولي فإن قطاعات كالزراعة والتصنيع والتشييد انكمشت فعليا في الربع الأول من هذا العام.

وقال محمد اشتية الوزير المسؤول عن المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار "المشكلة في بيئة الاستثمار غير المواتية بسبب جدار الاحتلال الإسرائيلي وصعوبة الوصول. هذا يجعل المستثمرين يترددون في ضخ الأموال في فلسطين."

ويخضع ثلثا الضفة الغربية تقريبا للسيطرة الأمنية والإدارية لإسرائيل وحدها. وفي المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية تنتشر مستوطنات وقواعد عسكرية إسرائيلية.

لكن اشتية يعترف بأن حكومته تستحق نصيبا من اللوم.

فيقول "السلطة الفلسطينية لا تملك أدوات إنتاج. لكن كان يجب عليها أن تشجع مزيدا من الاهتمام من القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر عن طريق تطوير القاعدة الإنتاجية هنا."

وعلاوة على الأرض المحتلة والمياه الشحيحة فإن موجات الهواء أيضا لا توفر سبيلا آمنا للنمو الاقتصادي.

فالسلطات الإسرائيلية تحرم السلطة الفلسطينية ومشغلي شبكات الهاتف المحمول الفلسطينيين من استخدام ترددات الجيل الثالث عالي التقنية وتمنحها للمستوطنات اليهودية.

ويقول سام بحور رجل الأعمال في مجال الاتصالات الذي تحول إلى العمل مستشارا للشركات إن أي إمكانية لقيام صناعة عالية التقنية تعطلت بسبب هذا القرار.

وتابع "إسرائيل تحكم السيطرة على الأصول القادرة على إقامة اقتصاد حقيقي وتترك لنا الفتات... هذا اقتصاد يقوم على المانحين وسيبقى كذلك حتى يزول الاحتلال."

وتتركز مقار المنظمات الدولية ومؤسسات القطاع العام في رام الله حيث يعيش 75 ألف فلسطيني مما يحرم بقية الضفة الغربية من فرص العمل والثروة اللتين تدوران في فلك رام الله.

وتفاقم الفقر والبطالة في الضفة الغربية في عام 2012 وكلاهما يخيم على نحو خمس عدد السكان البالغ 2.6 مليون نسمة.

وقال ناصر عبد الكريم المحلل الاقتصادي لرويترز "الحكومة تركز على النمو بغض النظر عن كيفية تحقيقه لكي تحصل على بعض الإشادات في الخارج."

ويضيف "للأسف الكثير منه (النمو) يعتمد على الإنفاق الحكومي... ولا يتم توزيع الثروة بين الناس وعلى شتى المناطق."

ومع تعمق الانقسام بين قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس والضفة الغربية التي تسيطر عليها حركة فتح بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس يؤدي تباين مستويات الثروة والانشغال بتلبية الاحتياجات الأساسية إلى إذكاء الفرقة بين أبناء الشعب الفلسطيني.

ويقول بحور "الديون والمشكلات المالية تلقي بظلالها على المجتمع وتجعل الناس ’متأمركين’ بشكل ما."

ويضيف "هناك تركيز متزايد على الفرد والملكية الفردية مع تلاشي الحس المجتمعي والشعور الجماعي." (إعداد أحمد لطفي للنشرة العربية - تحرير عبد المنعم هيكل - هاتف 0020225783292)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below