10 آذار مارس 2012 / 11:43 / منذ 6 أعوام

تحقيق-اعتبارات سياسية تحول دون استفادة خليجية من الغاز القطري

من دانييل فاينرن

دبي 10 مارس اذار (رويترز) - تضطر دول الخليج المجاورة لأكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم إلى استيراد الغاز بالسفن من موردين بعيدين وهو ما قد يستمر لسنوات بعد أن حالت خصومات سياسية وخلافات بشأن السعر دون المضي في خطط لتوزيع الغاز عبر خط أنابيب.

وأصبحت قطر من أغنى دول العالم عن طريق بيع الغاز من حقل الشمال البحري العملاق إلى أوروبا وآسيا والأمريكتين لتمول بجانب من الأرباح استعداداتها لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2022.

وقبل فترة طويلة من إنفاق مليارت الدولارات على بناء أكبر مجمعات للغاز الطبيعي المسال في العالم لتصدير الوقود بدأت قطر التباحث مع شركائها الخمسة في مجلس التعاون الخليجي - البحرين والكويت وسلطنة عمان والسعودية والإمارات العربية المتحدة - بشأن فكرة إنشاء شبكة لتقاسم الغاز بغية دفع النمو في المنطقة.

لكن بعد عشر سنوات من ذلك فإن ما تم تشييده بالفعل لا يعدو خطا واحدا غير مستغل بالكامل. وتعاقدت قطر على بيع كل إنتاجها من الغاز تقريبا إلى دول غير خليجية وذلك لحين رفع تعليق ذاتي فرضته على مشاريع التصدير الجديدة.

وقال مصدر رفيع بصناعة الغاز القطرية لرويترز ”كان الاعتقاد السائد في الخليج في النصف الأول من العقد المنصرم هو عدم وجود نقص في الغاز وعندما أدرك عدد من الدول أنه يعاني نقصا كانت قطر قد أعلنت تجميد النشاط الجديد وتعاقدت على بيع إنتاجها من الغاز.“

وقال المصدر الذي رفض نشر اسمه بسبب الحساسية السياسية للموضوع “حتى منتصف العقد الأخير كان الناس يتوقعون الحصول على الغاز بأسعار منخفضة جدا.

”يدرك الناس الآن أنهم إذا كانوا سيتداولون الغاز عبر (الخليج) فإنه لن يكون بأسعار منخفضة ... بالنسبة لقطر المسألة ليست مسألة سعر .. لحين رفع التعليق فإنه لا يوجد أي غاز يمكن تصديره.“

ولعقود ظلت دول الخليج تنظر إلى الغاز الطبيعي كمنتج ثانوي لإنتاجها النفطي فكانت تحرق جانبا كبيرا منه أو تبيعه بأسعار رخيصة إلى الصناعات المحلية. لكن الغاز أصبح سلعة مطلوبة بشدة في المنطقة على مدى العشر سنوات الأخيرة حيث رفعت طفرة سكانية الطلب على الكهرباء ومع تطور صناعات مثل البتروكيماويات والألومنيوم.

ومازالت السعودية تحرق كميات كبيرة من احتياطياتها النفطية في محطات الكهرباء لكن جاراتها الأقل ثروة تريد استخدام مزيد من الغاز لتجنب مزيدا من النفط للتصدير. ونتيجة لهذا تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يسهم الشرق الأوسط بخمس نمو الطلب العالمي على الغاز بين 2011 و2016.

وكان يمكن لتقاسم احتياطيات الغاز القطرية الضخمة أن يتيح لمجلس التعاون الخليجي حلا ناجعا لمشاكل المعروض وأن يساعد في تحقيق التكامل بين اقتصادات الدول الأعضاء وهو أحد أهداف المجلس. لكن العوامل السياسية تدخلت.

وبحسب برقيات دبلوماسية من السفارة الأمريكية في المنامة بتاريخ 16 فبراير شباط 2005 سربها موقع ويكيليكس فإن ملك البحرين شكا إلى السفير الأمريكي من أن السعودية تعرقل مشروعا مقترحا لمد خط أنابيب من قطر إلى الكويت عبر البحرين.

وطلبت المنامة من واشنطن أن تضغط على الرياض للسماح للكويت والبحرين بمد خط أنابيب من حقل الشمال. لكن المشروع أجهض مما اضطر الكويت إلى البحث عن موردين عالميين لشحن الغاز الطبيعي المسال إلى الخليج ومن مناطق بعيدة مثل أستراليا.

وفي غضون ذلك تجري البحرين محادثات مع شركة الغاز الروسية العملاقة جازبروم لإمداد الجزيرة الصغيرة التي لا تبعد سوى 100 كيلومتر عن حقل الشمال بالغاز الطبيعي المسال من أنحاء العالم.

وفي واحدة من أبرز عجائب التجارة العالمية وصلت شحنات غاز طبيعي مسال قطرية إلى شمال غرب أوروبا ثم جرت إعادة تحميلها وشحنها إلى الخليج لتقطع أكثر من 26 ألف كيلومتر لأن الأسعار المعروضة في الخليج كانت أعلى في ذلك الوقت.

وقال روبن ميلز من منار لاستشارات الطاقة التي مقرها في دبي ”للاعتبارات السياسية دور كبير.“

ويرى محللون أن السعودية التي قررت بالفعل التنقيب عن الغاز تحت رمال الربع الخالي بدلا من الاعتماد على قطر قد منعت على الأرجح مد خط الأنابيب الخليجي بامتداد ساحلها الشرقي لأنه كان سيمنح الدوحة نفوذا كبيرا داخل مجلس التعاون الخليجي.

وقال جوناثان سترن مدير أبحاث الغاز في معهد أكسفورد للطاقة “لا يريدون زيادة النفوذ الاقتصادي والسياسي لقطر في المنطقة الأمر الذي يمكن أن يكون على حسابهم.

”السبب في أنهم لا يستوردون الغاز القطري .. وهي فكرة منطقية جدا بالنسبة لهم .. يرجع جزئيا إلى أنهم لا يريدون منح القطريين أي نفوذ عليهم.“

وبحسب برقيات السفارة الأمريكية التي نشرها ويكيليكس فإن البحرين والكويت بدأتا في وقت ما مفاوضات مع إيران على أمل أن تنظر السعودية إلى خط الأنابيب القطري المقترح كتهديد أقل خطورة من اتفاق توريد مع طهران التي تعتبر أكبر منافس للرياض داخل منظمة أوبك.

لكن الخطوة فشلت. فقد تباطأ نمو الإنتاج بسبب حاجة إيران نفسها إلى احتياطياتها بما فيها حصتها في حقل الشمال الذي تسميه طهران بارس الجنوبي إضافة إلى العقوبات الدولية على إيران مما يحد من طاقتها التصديرية.

وقال وزير الطاقة البحريني عبد الحسين بن علي ميرزا في تصريحات لرويترز إن المحادثات مع إيران انهارت بسبب ”الأحداث الأخيرة“ في المنطقة. وتتهم البحرين إيران بإثارة انتفاضة ضد الحكومة في فبراير شباط 2011.

أما خط الأنابيب الوحيد الذي مدته إيران لنقل الغاز إلى الإمارات فقد ظل مغلقا لسنوات بعد أن بدأ الغاز يتسرب منه في قاع الخليج أثناء اختبارات أولية.

وحتى بدون خط أنابيب فإن بمقدور دول الخليج استيراد الغاز الطبيعي المسال القطري بالسفن. لكن باستثناء الإمارات فقد أخفقت الدول بوجه عام في الاتفاق على الشروط مما أثار بعض مشاعر الاستياء في المنطقة.

وتقول برقية للسفارة الأمريكية بتاريخ يناير كانون الثاني أرسلت بعد اجتماع مع ملك البحرين “استمرت قطر في رفض طلبات البحرين للبدء في مفاوضات بشأن عقود طويلة الأجل لغاز حقل الشمال مما أثار استياء الملك حمد .. أولا لأن البحرين تحتاج إمدادات طاقة إضافية وثانيا لأن الأمر اعتبر إهانة شخصية.

”ينظر إلى قطر على أنها تدير ظهرها لاحتياجات شريك بمجلس التعاون الخليجي وفي نفس الوقت تبرم عقودا جديدة لتوريد الغاز مع عدد من الدول غير العربية.“

وعلى الساحل الشرقي لشبه الجزيرة القطرية وخارج نطاق المياه الإقليمية السعودية ينقل خط أنابيب دولفين للطاقة - وهو خط الغاز الوحيد العابر للحدود الذي نجحت الجهود الخليجية في تشييده - نحو ملياري قدم مكعبة يوميا من الغاز القطري إلى الإمارات.

ويستهلك نصف الغاز على بعد أمتار من نقطة وصوله الإمارات لتحلية ماء البحر وتشغيل أكبر مصنع ألومنيوم في العالم وتوليد الكهرباء التي يحتاجها سكان أبوظبي لتشغيل مكيفات الهواء خلال أشهر الصيف.

ويضخ باقي الغاز إلى مواقع أخرى قبل أن يصل بعضه إلى سلطنة عمان وهي مصدر للغاز الطبيعي المسال لكنها تواجه صعوبات في تلبية طلب محلي متنام على الوقود.

لكن خط دولفين لا يعمل سوى بثلثي طاقته لأن المشترين في الإمارات لا يوافقون على الأسعار التي تطلبها الدوحة. وقد فات آوان التفاوض على السعر بسبب التجميد القطري لمشاريع التصدير الجديدة.

وأبلغ عادل أحمد البوعينين المدير العام لشركة دولفين للطاقة في قطر لرويترز ”تسمح طاقة خط الأنابيب بضخ المزيد لكن لا ننوي إجراء أي زيادة“ في المعروض مضيفا أنه ”حالما يتوافر لنا مزيد من الغاز فسيكون من دواعي سرورنا أن نقوم بذلك ... هناك طلبات كثيرة في الإمارات ... لكن لا نستطيع أن نقدم أكثر مما لدينا.“

وجمدت قطر أعمال التطوير في حقل الشمال للمحافظة عليه للأجيال القادمة وتخوفا من أن الإفراط في استغلال الحقل قد يتسبب في أضرار للمدى الطويل. ولا يتوقع خبراء الصناعة رفع التجميد قبل 2014 أو 2015 على أقرب تقدير.

لذا وللمستقبل المنظور فإنه سيتعين على دول الخليج العطشى للغاز أن تكتفي بإمدادات الغاز المحدودة من دولفين مع شحنات الغاز الطبيعي المسال من مصادر نائية. وقد تعمد أيضا إلى شراء الكهرباء التي قد تعرضها قطر من طاقتها المتنامية من محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز.

وبفضل طفرة الغاز الصخري الأمريكي والنمو الاقتصادي الضعيف في أوروبا فإن سوق الغاز الطبيعي المسال تتلقى إمدادات أفضل بكثير عما كانت عليه قبل الأزمة المالية لعام 2008. لكن مصدري الغاز القطريين وجدوا مشترين أكثر تلهفا خارج الخليج بعد أن تسببت كارثة أمواج المد البحري العاتية التي ضربت اليابان في مارس آذار 2011 في إغلاق محطات نووية هناك مما رفع الأسعار التي يدفعها المستهلكون الخليجيون.

ومع زيادة اعتمادها على شحنات الغاز الطبيعي المسال تتنافس دول الخليج مع المشترين في آسيا مستعدين حاليا لدفع نحو 15 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. لكن الحكومات الخليجية تثبت عادة أسعار الغاز للمصانع عند مستوى أقل بكثير من خمسة دولارات لكل مليون وحدة حرارية مما يضطرها إلى تحمل خسائر كبيرة.

ويتمثل أحد الحلول في قيام دول الخليج برفع أسعار الغاز المحلية. لكنها مسألة حساسة من الناحية السياسية وعدا قيام البحرين برفع أسعار الغاز لمصنع ألبا للألومنيوم إلى 2.25 دولار لكل مليون وحدة حرارية مطلع العام الحالي فإن الحكومات تبدي ترددا في الإقدام على ذلك.

(شاركت في التغطية ريجان دوارتي في الدوحة)

أ أ - ه ل (قتص)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below