27 شباط فبراير 2017 / 18:28 / منذ 7 أشهر

الرسائل الأخيرة .. من تلاميذ الموصل إلى "شهداء" الدولة الإسلامية

من ستيفن كالين

الموصل (العراق) 27 فبراير شباط (رويترز) - ”أهلي وعائلتي الغاليين سامحوني بالله عليكم“ هكذا بدأت الرسالة المكتوبة بخط اليد التي عثر عليها في القاعات المتربة بمجمع للتدريب تابع لتنظيم الدولة الإسلامية في شرق الموصل.

واصل صاحب الرسالة رسالته قائلا ”أقول لكم افرحوا لي بالله عليكم ولا تحزنوا علي ولا تلبسوا ملابس سوداء وأقول لكم إنني طلبت منكم الزواج ولم تزوجوني. فوالله إنني أتزوج حور العين إن شاء الله.“

كانت تلك هي كلمات الوداع من التلميذ علاء عبد العكيدي قبل أن ينطلق من المجمع لتنفيذ عملية انتحارية استهدفت قوات الأمن العراقية العام الماضي.

كتبت الرسالة على ورقة رسمية من أوراق الدولة الإسلامية مطبوع عليها ”إدارة الجنود كتيبة الشهداء“ ووضعت في مظروف كتب عليه عنوان بيت الأبوين في الشطر الغربي من الموصل.

كان العكيدي في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة عند تجنيده وكان واحدا من عشرات من شباب المجندين الذين مروا على منشأة التدريب في العامين الأخيرين ونصف العام استعدادا لخوض ”الجهاد“.

وفي عدة حالات تضمن ذلك تنفيذ هجمات انتحارية التي تمثل أمضى أسلحة تنظيم الدولة الإسلامية في مواجهة حملة عسكرية مدعومة من الولايات المتحدة لاستعادة السيطرة على الموصل آخر معقل رئيسي للتنظيم في مدن العراق .

ولم تصل الرسالة قط إلى أسرته. فقد تركت مع حفنة أخرى من رسائل المفجرين الانتحاريين إلى أقاربهم عندما هجر رجال التنظيم المنشأة أمام هجوم الجيش الذي استرد أكثر من نصف المدينة منذ أكتوبر تشرين الأول الماضي.

كما ترك المتشددون سجلا مكتوبا بخط اليد يتضمن التفاصيل الشخصية لنحو 50 مجندا. ولم يكن تاريخ الميلاد موضحا للكل ولم ترفق بهذا السجل سوى نحو عشر صور لكن كثيرين من المجندين كانوا في سن المراهقة أو في أوائل العشرينات.

وتتضمن الوثائق التي عثرت عليها رويترز في رحلة إلى الشطر الشرقي من الموصل بعد استرداد الجيش للمنطقة بعضا من أول الروايات المباشرة من المفجرين الانتحاريين بالتنظيم التي يتم إعلانها وتتيح فرصة للإطلاع على تفكير المجندين الصغار المستعدين للموت في سبيل الأفكار المتشددة.

وأجرت رويترز لقاءات مع أقارب ثلاثة من المقاتلين من بينهم العكيدي للتأكد من المكان الذي انطلقوا منه وسبب اختيارهم الجهاد. وفي شهادات نادرة من أسر بعض المفجرين الانتحاريين لدى الدولة الإسلامية تحدث الأقارب عن شبان في سن المراهقة انضموا للجهاديين ما أثار رعب الأسر وحيرتها ثم رحلوا عن الحياة في غضون شهور.

ولم تستطع رويترز التحقق من مصدر مستقل من المعلومات الخاصة بالمجندين الواردة في السجل. ولا يتيح التنظيم إمكانية لاتصال وسائل الإعلام المستقلة به حتى يمكن الاتصال به للتعليق على الرسائل أو السجل أو ظاهرة الانتحاريين في سن المراهقة.

* ”أخي المجاهد التزم بالهدوء والنظافة“

اجتذب تنظيم الدولة الإسلامية آلاف المجندين الشبان في الموصل أكبر مدينة في دولة الخلافة التي أعلنها عام 2014 على الأراضي الخاضعة لسيطرته في العراق وسوريا. وقد نفذ التنظيم مئات الهجمات الانتحارية في الشرق الأوسط ودبر أو أوحى لآخرين بعشرات الهجمات في الغرب.

ويتألف مجمع التدريب الذي زارته رويترز من ثلاث فيلات صودرت من سكان في الموصل. وأتاحت فتحات تسمح بمرور إنسان في الجدران الخارجية سهولة التنقل بين الفيلات.

وكانت الطوابق السفلى تمتلئ بملصقات التنظيم ومنشوراته عن موضوعات متباينة من الدين إلى الأسلحة بالإضافة إلى اختبارات عن أساليب الحرب والقرآن.

وكان طلاء أخضر اللون وملاءات أسرة على النوافذ تحجب الرؤية من الخارج وتبث في الغرف وهجا غريبا.

وامتلأت إحدى الغرف بسترات للوقاية من الرصاص وبأهداف للرماية على شكل جسم الإنسان بينما تناثرت أدوية ومحاقن في غرفة أخرى يبدو أنها كانت تستخدم كعيادة.

وكانت الغرف في الطوابق العليا تمتلئ بأسرة النوم في مساحة تسع نحو 100 فرد. وعلقت لافتات مطبوعة تحدد قواعد المكان. وكتب على إحداها ”أخي المجاهد التزم بالهدوء والنظافة.“

* البيعة

كان أغلب المجندين في ذلك السجل عراقيين غير أن قلة منهم كانت من الولايات المتحدة وايران والمغرب والهند. ويوضح البند الخاص بالعكيدي أنه بايع التنظيم في أول ديسمبر كانون الأول عام 2014 أي بعد بضعة شهور من سقوط الموصل.

وقال أحد الأقارب لرويترز هاتفيا إن والد العكيدي حزن حزنا شديدا لقرار ابنه لكنه خشي العقاب إذا ما حاول إخراجه من صفوف التنظيم. ولم تستطع رويترز الاتصال بالأب.

ونادرا ما كان العكيدي يزور أسرته بعد انضمامه للتنظيم. وفي آخر مرة زار فيها بيت الأسرة قال لوالده إنه سينفذ عملية استشهادية في بيجي التي توجد فيها مصفاة نفطية جنوبي الموصل حيث كان المتشددون يحاربون لصد هجمات متكررة من الجيش العراقي.

وقال قريب العكيدي الذي طلب عدم ذكر اسمه خشية انتقام التنظيم منه أو من القوات العراقية التي تستعد لاقتحام المنطقة ”قال لوالده ‘سأطلب الشهادة‘.“

وبعد بضعة أشهر أبلغ المتشددون أسرة العكيدي أنه نجح في مسعاه.

ويتضمن السجل مجندا آخر اسمه أثير علي اقترنت باسمه صورة صبي بحواجب كثة وعينين بنيتين واسعتين وعلى وجهه ابتسامة متحفظة.

قال والده أبو أمير لرويترز إن ابنه كان تلميذا من المتفوقين نبغ في العلوم وكان يتابع على الدوام قناة ناشيونال جيوجرافيك التلفزيونية. وكان يهوى السباحة وصيد السمك في النهر القريب ويساعد عمه في مزرعة الخضراوات المملوكة له بعد ساعات الدراسة.

* صغير لم ينبت الشعر في وجهه

قال أبو أمير في مقابلة ببيته في شرق الموصل وهو يفرز صور الأسرة إن علي كان خجولا ونحيفا ولم يكن لديه عقلية المقاتل أو بنيته الجسدية.

لذلك ارتاع الأب ذات يوم عندما لم يرجع علي من المدرسة في أوائل 2015 بل هرب مع سبعة من زملائه في الدراسة للانضمام إلى الدولة الإسلامية.

وعندما ذهب أبو أمير إلى مكتب للمتشددين في الناحية الأخرى من المدينة لمعرفة مصير ابنه هددوه بالسجن.

ولم ير ابنه على قيد الحياة بعد ذلك.

بعد بضعة أشهر توقف ثلاثة من مقاتلي التنظيم بشاحنة بيك أب أمام بيت أبو أمير وسلموه ورقة عليها اسم ابنه. كان الابن قد مات.

تسلم أبو أمير جثمان ابنه من المشرحة. كان شعره قد طال لكنه كان لا يزال صغيرا بحيث لم ينبت الشعر في وجهه بعد. وكانت شظايا قد اخترقت ذراعيه وصدره.

وقال الأب إن المقاتلين أبلغوه أن ابنه أصيب في غارة جوية على موقع مدفع مورتر في بعشيقة إلى الشمال الشرقي من الموصل. ووصفوا الابن بأنه ”بطل“.

قال أقارب علي المتجمعين في غرفة الجلوس ببيت الأسرة إنه تعرض لعملية غسل دماغ. كان كثير من أصدقائه في المدرسة قد فروا من الموصل بعد سيطرة المتشددين عليها وصادق علي مجموعة جديدة غير أن أسرته لم تلحظ قط أي تغير على سلوكه.

وقال أبو أمير ”حتى الآن مازلت مذهولا. لا أدري كيف أقنعوه بالانضمام لهم. أسعدني أننا استطعنا دفنه.“

* ”تنفيذ عملية استشهادية“

وكان شيت عمر في سن 15 أو 16 عاما أيضا عندما انضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في أغسطس آب 2014 بعد أسابيع من سيطرة التنظيم على الموصل. وكتب بجوار بند التسجيل الخاص به ”تنفيذ عملية استشهادية.“

وأكد شلال يونس حمو شقيقة عمر أنه مات خلال تنفيذ هجوم انتحاري رغم عدم تأكده من التفاصيل .

وقال إن عمر وهو من حي الانتصار في شرق الموصل كان وزنه زائدا ولا يشعر بأمان وانضم إلى المتشددين بعد وفاة والده.

وقال إن تفكيره كان بسيطا واستغلوا ذلك ووعدوه بحور العين وعلموه كيف يكون مسلما صالحا.

وأضاف أنه لو كان أحد أغراه بالمخدرات والخمر ربما كان فعل ذلك بدلا مما قام به. (إعداد منير البويطي للنشرة العربية وأحمد صبحي خليفة- تحرير حسن عمار)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below