15 آذار مارس 2017 / 18:36 / بعد 8 أشهر

العقوبات على سوريا تصيب بشكل غير مباشر علاج سرطان الأطفال

من داليا نعمة

دمشق 15 مارس آذار (رويترز) - يكافح الأطباء في مستشفى الأطفال بالعاصمة السورية دمشق لتأمين الأدوية اللازمة لإنقاذ حياة مرضاهم الصغار المصابين بالسرطان بعد تناقصها بشكل حاد لأسباب لا تتعلق فقط بالاضطرابات العامة التي تعيشها البلاد جراء الحرب الأهلية.

فقد قال مسؤولون سوريون ومن منظمة الصحة العالمية إن العقوبات الغربية تقيد بشكل حاد واردات الدواء على الرغم من إعفاء الإمدادات الطبية إلى حد بعيد من الإجراءات العقابية التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ويقترب القطاع الصحي السوري من الانهيار بعد ست سنوات من الحرب بعد أن كان واحدا من أفضل الأنظمة في الشرق الأوسط. وبات أقل من نصف المستشفيات في البلاد يعمل بشكل كامل كما انخفض بشدة عدد الأطباء.

والنتيجة هي تراجع متوسط العمر المتوقع، حتى بعد الأخذ بعين الاعتبار مئات الآلاف الذين قتلوا مباشرة في الصراع، وارتفاع هائل في أعداد الوفيات بين الحوامل وعند الولادة.

وعلاوة على ذلك أدى تراجع إنفاق الحكومة السورية التي تخوض حربا مكلفة للغاية والهبوط الحاد في قيمة العملة الليرة والتأثيرات غير المباشرة للعقوبات إلى تفاقم مأساة المرضى الذين يحتاجون إلى الأدوية المصنعة في الخارج.

وبالنسبة لعائلات الأطفال المرضى فإن الوضع أليم.

وفي مستشفى الأطفال بدمشق، اكتظت غرفة الانتظار خارج جناح علاج مرضى السرطان بأفراد عائلات جلب الكثيرون معهم ملابس وفرشا وأغطية تحسبا لأن يضطروا للانتظار إلى جانب أولادهم لفترات طويلة بعيدا عن منازلهم خارج العاصمة.

ويقيم نعيم دير موسى (55 عاما) في دمشق منذ عام لضمان حصول ابنته وعد البالغة من العمر عشر سنوات على علاجها بشكل منتظم، تاركا خلفه زوجته وأطفاله الستة الآخرين في مدينة دير الزور، حيث يحاصر تنظيم الدولة الإسلامية القوات الحكومية، بشرق البلاد.

وقال ”مرضت في الأساس بورم على الكلية واستأصلوها وصحصحت بعد ست جرعات. عاودها المرض في الرئتين وهي في العلاج حاليا.“

وأضاف ”جبناها دغري (فورا) إلى هنا. الوضع هناك (في دير الزور) صعب وحولنا الطبيب هناك إلى هنا.“

*تكلفة باهظة

قبيل النزاع، كانت سوريا تنتج 90 في المئة من الأدوية التي تحتاجها لكن أدوية السرطان كانت بين تلك النسبة القليلة التي تعتمد على الاستيراد في تأمينها.

وقالت إليزابيث هوف ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا إن استيراد الأدوية من الخارج تضرر جراء خفض الحكومة للإنفاق على قطاع الصحة بشكل كبير منذ بدء الحرب عام 2011 بالإضافة إلى فقدان الليرة حوالي تسعين في المئة من قيمتها الأمر الذي جعل بعض الأدوية باهظة التكلفة.

غير أن نقص السيولة ليس السبب الوحيد وراء النقص الحاد في تلبية الطلب المتزايد على أدوية السرطان.

وقالت هوف ”أثرت تبعات العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا بشدة على شراء أنواع معينة من الأدوية بينها أدوية علاج السرطان.“

وأشارت إلى أن العقوبات تمنع الكثير من شركات الأدوية العالمية من التعامل مع السلطات السورية كما تعرقل البنوك الأجنبية في مجال التعامل مع المدفوعات الخاصة باستيراد الأدوية.

وفرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجموعة من العقوبات الموجهة ضد الحكومة وعدد من المجموعات المسلحة التي تنشط في سوريا.

ومنعت واشنطن تصدير أو بيع بضائع وخدمات إلى سوريا من الأراضي الأمريكية أو من مواطنين أمريكيين. في حين فرض الاتحاد الأوروبي حظر سفر أفراد وجمد أصولا وممتلكات وفرض حظرا للأسلحة. كما استهدفت العقوبات أيضا العلاقات المالية مع المؤسسات السورية وشراء النفط والغاز من البلاد أو الاستثمار في قطاع الطاقة السوري.

واعتبر الرئيس السوري بشار الأسد أن العقوبات أحد أسباب تحول كثير من السوريين إلى لاجئين بالخارج وخصوصا إلى أوروبا.

ووضعت الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي مجموعة من الاستثناءات التي تشمل الأدوية وغيرها من الإمدادات الإنسانية. لكن باستهداف التعاملات المالية ومنع كثير من التبادلات التجارية مع الحكومة السورية فإن العقوبات تؤثر بشكل غير مباشر على التجارة في الأدوية.

وفضل كثير من شركات الأدوية التزام الحيطة وتجنب أي علاقات تجارية مع الحكومة السورية خوفا من انتهاك العقوبات دون قصد.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن وزارة الخزانة قد أجازت التعامل بخدمات تهدف لدعم الأنشطة الإنسانية في سوريا، مضيفة أن هناك طرقا قانونية لإدخال الأدوية إلى البلاد.

كما رفض الاتحاد الأوروبي الانتقادات للعقوبات التي فرضها. وقالت متحدثة باسمه لرويترز ”مثل هذه الإجراءات لا تستهدف المدنيين.“

وأضافت ”عقوبات الاتحاد الأوروبي لا تنطبق على قطاعات أساسية من الاقتصاد السوري مثل الغذاء والدواء.“

غير أن المتحدثة أقرت بأن الشركات تنسحب بشكل متزايد من أي تعاملات تجارية مع سوريا لكنها قالت إن هذا يعود لأسباب أخرى تشمل ”الأمن والسمعة والحافز التجاري وإجراءات مكافحة غسل الأموال“ فضلا عن وجود جماعات جهادية.

*أوجه النقص الكثيرة

قالت هوف إن منظمة الصحة العالمية تجلب إمدادات طبية وأدوية أساسية إلى سوريا وتشتري أدوية من مصادر معتمدة في أوروبا وشمال أفريقيا وآسيا. وأشارت إلى أن منتجات أمريكية محمية بالحقوق التجارية لا يمكن استيرادها بسبب الوضع الذي تفرضه العقوبات.

وقدمت المنظمة إلى الحكومة السورية، بتمويل من الكويت، أدوية منقذة للحياة لمرضى بينهم أكثر من 16 ألف مريض بالسرطان بينهم آلاف الأطفال المصابين بسرطان الدم.

غير أن هذا لا يكفي لسد الاحتياجات. وأشارت هوف إلى نقص حاد ليس فقط في أدوية السرطان بل أيضا في الإنسولين والأدوية المخدرة وعدد من المضادات الحيوية التي تستخدم في العناية المركزية فضلا عن الأمصال والسوائل الوريدية وغيرها من مشتقات الدم واللقاحات.

وأدى الانهيار العام بقطاع الرعاية الصحية في سوريا إلى انخفاض المتوسط المتوقع للأعمار إلى ستين عاما للرجال و70 عاما للنساء في عام 2014 بعد أن كان 72 و75 على التوالي عام 2009. وتعمل 44 في المئة فقط من المستشفيات بشكل كامل في حين أن أكثر من ربعها خارج الخدمة تماما، وفق ما ذكرت منظمة الصحة العالمية.

وبحلول عام 2014 انخفض عدد الأطباء في سوريا إلى 1.3 لكل ألف نسمة أي أقل من نصف العدد المتوفر في لبنان والأردن المجاورين.

وعلى خلفية هذا التدهور في القطاع الصحي يواجه مستشفى الأطفال بدوره ضغطا متزايدا بعد أن أقفلت وحدات لعلاج السرطان في مدينتي اللاذقية وحلب جراء الحرب.

وقال ماهر حداد مدير مستشفى الأطفال إن حوالي 200 طفل يزورون المستشفى في دمشق أسبوعيا أكثر من 70 في المئة منهم من خارج العاصمة.

وقال حداد لرويترز ”الضغط الكبير على مشفى الأطفال يضطر الطفل إلى أن ينتظر دوره بين 15 وعشرين يوما أحيانا. وهذا يؤثر على إنذار المرض لأنه يجب للمريض أن يأخذ المعالجة كل شهر أو كل شهرين حسب بروتوكول المرض المحدد له. وكلما تأخر بالمعالجة كلما أضر بهذا بصحة الطفل كما أن نسبة استجابته للمعالجة السرطانية يمكن أن تكون اقل من غيره من الأطفال.“

وأرجع حداد سبب العجز في تأمين الأدوية إلى العقوبات الاقتصادية مشيرا إلى أن شركة فارمكس الحكومية التي تتولى شراء الأدوية للقطاع الصحي العام لم تعد قادرة على توفير إلا ”بين من خمسة و10 في المئة فقط من الأدوية السرطانية“.

وقال ”أغلب الأدوية السرطانية أدوية أجنبية. شركة فارمكس التابعة لوزارة الاقتصاد هي من تستورد الأدوية من الخارج ولكنها لم تعد قادرة على ذلك حاليا بسبب الحصار الاقتصادي على الأرجح.“

ويضم المستشفى 36 سريرا مجانيا بينها 17 مخصصا للأطفال المصابين بالسرطان.

وفي قاعة الانتظار جلست نوال التي تأتي من منطقة القلمون شمالي دمشق إلى المدينة كل أسبوعين برفقة ابنتها سما (14 عاما) لتتلقى علاجها الكيماوي من سرطان الدم.

وقالت نوال ”لا يوجد عندنا لا مشفى ولا جمعيات ولا يوجد العلاج أصلا إلا في مشفى الأسد.“

وتحاول جمعية خيرية واحدة تدعى ”بسمة“ المساعدة في تمويل أدوية السرطان للأولاد المصابين به.

وقالت ريما سالم المديرة التنفيذية للجمعية ”وجدت بسمة في الأساس لتغطي نسبة بحدود 30 في المئة كانت وحدة علاج السرطان لا تقدر على تأمينها مجانا. لكن اليوم النسبة باتت كبيرة جدا وفي الإجمال باتت بين 70 و80 في المئة.“

وتسعى بسمة إلى تأمين الأدوية بكل الطرق الممكنة. وأضافت ريما ”لا نقصر بحق أولادنا بأي شيء. المهم يكون الدواء الصح وفي الوقت الصح.“

لكن ما يثير قلق ريما هو ”الوضع المزري“ بسبب الضغط الكبير جدا على مستشفى الأطفال.

وختمت كلامها بالقول ”أثناء انتظار الطفل لجرعته يمكن أن يموت قبل أن يأخذها.“

تحرير مصطفى صالح

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below