30 تموز يوليو 2017 / 11:40 / بعد شهرين

حنين إلى الماضي وإلى سوريا المفقودة في فندق تاريخي في حلب

* فندق البارون معلم تاريخي من معالم حلب

* الحرب أثرت على التنوع والتسامح

* ربما يكون من الصعب تحقيق المصالحة بين الطوائف والطبقات الاجتماعية

* الفندق أصيب بأضرار من الحرب وصعوبات الحياة

من أنجوس مكدوال

حلب (سوريا) 30 يوليو تموز (رويترز) - في شرفة فندق البارون بحلب راحت روبينا تاشجيان أرملة صاحب الفندق تقلب في الصور القديمة لماضيه السعيد أيام كان السلام يعم سوريا.

استضاف فندق البارون الذي أسسته أسرة أرمنية في العام 1911 مغامرين وكتابا وملوكا وبعض رواد صناعة الطيران وشيوخا من الزعامات البدوية ورؤساء إلى أن اضطرته الحرب لإغلاق أبوابه قبل خمس سنوات.

وترى تاشجيان في البارون جزءا من سوريا التي كانت قبل الحرب تحتضن التنوع الديني والعرقي والانفتاح على العالم الخارجي وعلى الثقافة واحترام الآثار العظيمة التي تزخر بها البلاد.

قالت في إشارة إلى أكلة شامية معروفة ”سوريا مزيج من كل هذه الجماعات العرقية والثقافات ... هي إناء كبير وكل شيء يمتزج فيه. لكننا نطهو كبة واحدة.“

وتتطلب محاولة إحياء تلك الصورة لسوريا وسط الحرب التي أدت إلى تفاقم الشروخ الاجتماعية مصالحة بين الخصوم السياسيين والطوائف الدينية والطبقات الاقتصادية.

غير أنه لا يبدو أن هناك أملا في تحقيق ذلك في ضوء مقتل مئات الآلاف ونزوح أكثر من نصف سكان البلاد عن ديارهم واستمرار القتال.

كانت انتفاضة 2011 وبالا على كل ما أتاح الازدهار للفندق الذي يعتمد نشاطه على الاستقرار والأمان وعلى كنوز سوريا الثقافية والتاريخية.

وخلال معظم فترات الاشتباكات تعرضت الأحياء الغربية في حلب الخاضعة لسيطرة الحكومة للقصف وكانت مقصدا لسيل لا ينقطع من اللاجئين كما عانت من نقص المياه والكهرباء والغذاء.

أما شرق حلب الذي ظل تحت سيطرة المعارضة حتى ديسمبر كانون الأول الماضي عندما اجتاح الجيش المنطقة بعد حصار استمر شهورا وغارات جوية فقد أصبح خرابا تقريبا.

وقد أصيب فندق البارون الواقع في غرب حلب بالقرب من الخط الأمامي بقذائف مورتر وانتشرت شظايا إحداها في الطابق العلوي كله كما اخترقت قذيفة أخرى نافذة القاعة الشرقية وسقطت على بلاط الأرضية الأنيق لكنها لم تنفجر.

والآن يقبع ذيل تلك القذيفة في خزانة المقتنيات الغريبة إلى جانب نفائس مثل آنيات فخارية أهداها علماء آثار زائرون للفندق وفاتورة الفندق عن إقامة الضابط البريطاني تي.إي لورانس الذي اشتهر باسم لورانس العرب.

وفي الغرفة العلوية التي كانت تنزل فيها على الدوام كاتبة الروايات البوليسية أجاثا كريستي خلال زياراتها العديدة إلى حلب مازال المكتب الخشبي المغطى بلوح زجاجي الذي كتبت عليه بعض فصول روايتها جريمة في قطار الشرق السريع موجودا.

* علمانية أم طائفية؟

يحمل أنصار الرئيس بشار الأسد المعارضة مسؤولية ما حدث ويوصمونها بالإرهاب ويرون أنها تتألف من مقاتلين إسلاميين يرفضون التنوع وعصابات إجرامية تعمل على نهب الكنوز الثقافية.

وقد صور الأسد دولته على أنها قوة علمانية تحمي أقليات سوريا وتراثها الثقافي من معارضين من السنة تدعمهم دول أجنبية معادية لبلاده ويضمون بين صفوفهم كثيرين من المتشددين.

وأيد بعض الحضور هذا الرأي في حفل موسيقى أقيم بكنيسة في الحي القديم تحت مراوح دائرة لتخفف عن الجمهور قيظ الصيف في الكنيسة المكشوفة التي دمرت القذائف سقفها بينما كانت فرقة موسيقية تعزف مقطوعة القداس لموتسارت من مقام سي صغير.

غير أن المعارضة ترفض أي وصف لدولة الأسد بالتنوع والعلمانية والانفتاح والتسامح وهو موقف تشاركها فيه بعض الدول الغربية والجماعات الحقوقية.

ويقول معارضون إن حكومة سوريا واحدة من أشد الحكومات قمعا في الشرق الأوسط وأن ذلك سبب أساسي من أسباب الحرب.

كانت المكانة المتميزة لطائفة الأسد العلوية في ظل حكمه وحكم أبيه الرئيس الراحل حافظ الأسد من أسباب الشكوى بين كثيرين من الأغلبية السنية رغم أن آخرين من السنة من بينهم بعض النخب في المدن السورية أيدوا الحكومة.

ورغم أن الحكومة روجت لفكرة علمانية سوريا طوال الحرب فقد كان من الصعب أن يغفل المراقبون عن الطابع الطائفي للصراع.

ومع التفاف المعارضة حول شعارات إسلامية سنية استعان الأسد بحلفاء من بينهم فصائل إسلامية شيعية تدعمها إيران. ولعبت هذه الفصائل دورا كبيرا في حملة استعادة الشطر الشرقي من حلب.

وفي المدينة تبدو الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للصراع جلية. فالمناطق التي كان التمرد فيها على أشده كانت من الأماكن التي فاتها قطار النمو الاقتصادي ومن الأحياء الفقيرة التي كان الناس يتدفقون عليها من الريف.

وقال أحد سكان غرب حلب كان قد تجول بسيارة في الأحياء الشرقية المدمرة بعد انتهاء القتال إن سكانها جلبوا الخراب لأنفسهم بالسماح بوجود المعارضين فيما بينهم.

وقال ”هؤلاء الناس هم السبب. نعم شيء محزن ولكن“.

* أسر لاجئة

في فندق البارون تبدو آثار الزمن وعلامات الإنهاك على حجرة الطعام التي تكسو الألواح الخشبية جدرانها وعلى البار الممتلئ بالزجاجات العتيقة وعلى الأثاث الوردي في غرفة التدخين ذات السقف العالي وكذلك حجرات النوم.

وقد توقف الفندق عام 2012 عن استقبال الزبائن باستثناء قلة من قدامى الأصدقاء عندما وصلت الحرب الأهلية إلى حلب وبدأت قذائف المورتر والقناصة تجتاح الشوارع المحيطة به.

وتطارد تاشجيان المعلمة السابقة التي تبلغ من العمر 66 عاما القطط الضالة التي تتسلل من فتحات الزجاج المكسور في النوافذ الفرنسية الطابع إلى غرفة الطعام وتحاول الحفاظ على الفندق شبه المهجور من تفاقم التلفيات في مدينة لا تتوفر فيها سوى إمدادات محدودة من الكهرباء والمياه.

وقد توفي زوجها أرمن مظلوميان حفيد مؤسس الفندق عام 2016 بعد عامين من زواجهما في أعقاب صداقة استمرت 30 عاما. وقالت أن الفندق مملوك الآن لشقيقتيه اللتين غادرتا سوريا قبل ذلك بسنوات.

وفي الشرفة التي ألقى منها الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر خطبة في حشد كبير من السوريين كانت حول صناديق الصور القديمة بقايا أخرى تم نقلها من الطابق السفلي بعد أن خفت حدة القتال.

ومن خزائن ضخمة من مادة الراتان ظهرت بعض الأكلمة وآلات عتيقة للحياكة وطقم من المناشف يرجع إلى الخمسينات وملاءات مستوردة من أوروبا وموشاة باسم الفندق بدأت آثار البلى تبدو عليها.

وخلال الاشتباكات استقبل الفندق بعض الأسر اللاجئة من شرق حلب. وقالت تاشجيان إن هذه الأسر استخدمت خلال إقامتها كميات كبيرة من المياه في تنظيف أرضيات الغرف كل صباح حتى أصاب التلف بلاطها الأنيق برسومه الهندسية.

ووسط الحر الشديد ساعة العصر يتدفق عبر زجاج النوافذ المحطمة نسيم يعمل على ترطيب الجو في الطابق الأرضي وعلى السلم الفخم.

وقالت تاشجيان ”سوريا كانت أكثر الدول رخاء وعلمانية في العالم العربي. كان من المحرج أن يسألك الناس إن كنت مسيحيا أو مسلما“.

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير لبنى صبري

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below