15 شباط فبراير 2017 / 10:13 / منذ 7 أشهر

جنود الجيش والمواطنون سواء في الأزمة الطاحنة بجنوب السودان

من كاثرين أوريلد

جوبا 15 فبراير شباط (رويترز) - تواجه حكومة جنوب السودان التي تعاني من حرب أهلية دائرة منذ ثلاثة أعوام وارتفاع معدل التضخم عن 800 في المئة مصاعب كبيرة في إيجاد المال اللازم لصرف مرتبات جنود الجيش. وعندما تصل الأجور المتأخرة بعد كل ذلك تكون قيمتها قد انخفضت بحيث لا تكاد تكفي لشراء طعام أسبوع.

وانضمت زوجات أفراد الجيش إلى طوابير النساء النحيلات الواقفات انتظارا لمعونات غذائية أو يحتضن أطفالا ضامرين في مستشفيات العاصمة جوبا بينما ينقض الجنود على المدنيين لسلب أغراضهم أو على وكالات الإغاثة.

وبدأت الحكومة تفقد قدرتها على السيطرة عليهم.

وقالت امرأة ضامرة الخدين تدعى روز لورو زوجة أحد الجنود وهي تطعم طفلا صغيرا برزت عظامه ”أحيانا يوجد طعام (في البيت) وأحيانا لا يوجد.“

وفي العام الماضي أسلم ثلاثة من أطفالها الروح بسبب المرض بعد أن نال منهم الجوع.

وبعد ست سنوات من الاستقلال لا يوجد في جنوب السودان من الطرق الممهدة سوى ما يبلغ أطوالها 200 كيلومتر فقط. وفي جوبا يتجمع أطفال جوعى بالقرب من الحفر في انتظار إبطاء عربات الجيب عند مرورها حتى يمكنهم الطرق على نوافذها وتسول الطعام.

ويعاني جنوب السودان من الصراع منذ عشرات السنين ففي البداية حارب متمردون حكومة السودان عندما كان البلدان دولة واحدة ثم حاربوا بعضهم بعضا. ونال جنوب السودان الاستقلال عام 2011 ليصبح أحدث دولة وسط احتفالات عارمة لكنه سرعان ما هوى في براثن الحرب الأهلية بعد ذلك بعامين.

وطرفا الحرب هما القوات الموالية للرئيس سلفا كير المنحدر من قبيلة الدنكا ومؤيدو نائبه السابق ريك مشار المنتمي لقبيلة النوير.

وأصاب الخراب الاقتصاد. فقد دمرت الحرب منشآت نفطية وخفضت الإنتاج إلى أقل من نصف مستواه قبل الحرب البالغ 245 ألف برميل يوميا مما أدى إلى انخفاض دخل الحكومة.

وبلغ التضخم 830 في المئة في أواخر عام 2016 وهوت قيمة العملة. وأصبح ثلث السكان يحتاجون لمساعدات غذائية.

ومع انتشار حالة اليأس ازدادت الاعتداءات على مخازن المساعدات. ويقول مسؤولون في الأمم المتحدة إن العام الماضي شهد 71 حادث نهب ارتفاعا من 57 حادثا في عام 2015. وقالوا إن قيمة السلع المسروقة كانت أعلى بكثير منها في 2015.

وقال المسؤولون إن مخازن تحتوي على حصص غذائية ومواد غير غذائية ومواد تعليمية وإمدادات طبية في ولايات شرق الاستوائية وأعالى النيل وواراب وغرب الاستوائية تعرضت للسلب والنهب في ديسمبر كانون الأول 2016. وكان كثير منها في مناطق تخضع لسيطرة الحكومة.

ويبين ما ترويه أسر أفراد الجيش والاعتداءات على مخزون المساعدات الانحدار السريع نحو الفوضى في بلد تقول الأمم المتحدة إنه على وشك أن يشهد عملية إبادة جماعية.

وقال مسؤول كبير سابق بالجيش طالبا عدم نشر اسمه ”لابد من تحفيز الجنود. المرتبات الحالية ليست كافية. ولهذا نعاني من كل هذه المشاكل.“

وفي جوبا كان سبعة من 18 امرأة أجرت رويترز مقابلات معهن إما في مستشفيات أو مراكز تغذية من زوجات جنود الجيش. وفي العادة تكون هؤلاء النسوة أفضل حالا من كثيرين في جنوب السودان البالغ عدد سكانه 11 مليون نسمة. فلأزواجهن وظائف ثابتة حتى إذا تأخر صرف المرتبات كما يحدث في كثير من الأحيان. لكنهن لم يسلمن رغم كل ذلك من الأزمة.

* انخفاض قيمة الأجور

ليس تأخر صرف المرتبات بالأمر الجديد على جنوب السودان غير أن الأجور كان لها قوة شرائية أكبر بكثير. فقد انخفضت قيمة مرتب الجندي كثيرا في بلد يعتمد على استيراد الغذاء.

وقبل هبوط قيمة العملة كان المرتب الشهري للجندي النظامي يبلغ 611 جنيها بعملة جنوب السودان ويعادل 200 دولار. ورغم ارتفاع المرتب إلى 1060 جنيها أصبحت قيمته الآن أقل من عشرة دولارات.

ومع ذلك لا يصرف هذا المرتب في كثير من الأحيان.

قال جندي يدعى جابرييل (38 عاما) طالبا عدم الكشف عن اسمه بالكامل إنه لم يستلم مرتب شهري نوفمبر تشرين الثاني أو يناير كانون الثاني. وأضاف ”عندي ثلاثة أطفال لكن لا يمكنني الإنفاق على إطعامهم بخلاف مصاريف الدراسة.“

وقالت بخيتة إليا (20 عاما) إن زوجها الجندي لم يرسل إليها مالا منذ خمسة أشهر. وكانت تحتضن طفلا هزيلا عمره 16 شهرا يرتدي ملابس متسخة كبيرة المقاس وكان وزنه 4.2 كيلوجراما أي ما يزيد قليلا على طفل حديث الولادة.

وأضافت ”نعيش على الخضر والثريد.“

وشخص الأطباء حالة طفلها بأنها حالة شديدة الحدة من سوء التغذية وإنه لن يعيش سوى أسبوعين آخرين فقط إن لم يتلق علاجا مكثفا.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إن عدد الأطفال الذين يعانون من تلك الحالة بلغ في ديسمبر كانون الأول الماضي 326 ألفا ارتفاعا مما يقدر بنحو 170 ألفا في بداية 2016.

ومن بين من يعتمدون على مرتبات الحكومة ليس جنود الجيش هم وحدهم الذين يعانون. فالمدرسون والممرضات والموظفون كلهم يعانون.

ويبلغ سعر الكيلوجرام من الأرز 1.20 دولار وهو ما يجعله بعيدا عن متناول الأغلبية. كما أن التجار الذين اعتادوا على بيع أكياس من الحبوب والبقول أصبحوا يبيعونها بمقدار فنجان الشاي.

وفي مستشفى حكومي في العاصمة تقول ممرضات لم يحصلن على أجورهن إنهن يفحصن أطفالهن بحثا عن أي علامات على إصابتهم بسوء التغذية.

وقال وزير المالية ستيفن ديو داو إن الجنود والموظفين المدنيين حصلوا على زيادات صغيرة في الأجور في ميزانية نوفمبر تشرين الثاني لكنه لم يستطع الإدلاء بأي تعليق آخر عن الجيش.

وترفض الحكومة اتهامات بأن الجنود يرتكبون مخالفات على نطاق واسع وتصر على أن المعنيين في حالات عدم الانضباط التي يتم الكشف عنها يقدمون للمحاكمة.

ولم يرد البريجادير جنرال لول رواي كوانج المتحدث باسم وزارة الدفاع والجيش على طلبات للتعليق.

* تجاهل الأوامر

قال فستوس مونجاي الرئيس السابق لبوتسوانا الذي يرأس لجنة دولية تراقب وقف إطلاق النار الذي لم يلتزم به أحد إن سلطة القادة على الجنود الذين لم يصرفوا مرتباتهم تضعف فيما يبدو.

وقال لرويترز ”أخشى أننا وصلنا إلى تلك المرحلة ... التي قد يتجاهل (الجنود) فيها تعليمات الحكومة“ وأضاف أن وتيرة نهب المساعدات تتزايد.

ورفض توجيه أصابع الاتهام لأي طرف متمسكا بالحذر الذي توخاه مسؤولو الإغاثة الذين يريدون تحاشي الاتهامات بالتحيز لطرف وهم يحتاجون لأي مساعدة يمكنهم الحصول عليها من الحكومة.

وقال ”العبارة التي نستعملها هي ‘أصحاب الزي العسكري‘ ولا نعرف من أي طرف هم. وإذا اتهمنا الحكومة فستنفي بالطبع. فهناك كثيرون يرتدون الزي العسكري ويحملون السلاح.“

وبعد تجدد القتال في جوبا في يوليو تموز الماضي نهب جنود مخزنا تابعا لبرنامج الأغذية العالمي واستولوا على 4500 طن من الحبوب وعلى مولدات وشاحنات ومعدات أخرى.

ويهمس بعض عمال الإغاثة بأن الجنود يحولون في بعض الأحيان صهاريج المياه إلى معسكراتهم من المواقع التي تديرها الأمم المتحدة في جوبا للنازحين من ديارهم.

وقال جوك مادوت جوك وكيل وزارة الثقافة السابق الذي يدير معهد سود للأبحاث ”لا يمكن للحكومة أن تسيطر على الجنود أو تنشرهم بالسهولة التي كانت تسيطر عليهم بها من قبل.“

وأضاف أن الحكومة تعمل الآن على تحويل موارد محدودة إلى ”مجموعة صغيرة من أشد أنصارها الذين يمكنها الاعتماد عليهم في حماية الحكومة.“

وقال خبير أمني إن الوحدات التي تحظى بالأفضلية مثل كتيبة النمور وهي من الحرس الجمهوري الذي يضم في صفوفه جنودا من قبيلة الدنكا التي ينتمي إليها الرئيس يحصل أفرادها على مرتباتهم في مواعيدها.

وفي الأسبوع الماضي استقال ضابط في الجيش برتبة جنرال مستندا إلى انتشار المحاباة على أسس عرقية لصالح وحدات خاصة أغلبها من جنود الدنكا وإلى ارتكاب إساءات من جانب الجيش واتهم أفراده بالنهب والاغتصاب وقتل المدنيين.

وقال اللفتنانت جنرال توماس سيريلو سواكا في خطاب استقالته ”لم يعد بإمكاني الاستمرار كطرف في الدمار المستمر لبلدنا المحبوب على أيدي الجيش نفسه.“

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير سها جادو

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below