16 شباط فبراير 2017 / 12:36 / منذ 7 أشهر

حلم العودة يداعب جفون النازحين من قرى "خلايا النحل" في سوريا

من أنجوس مكدوال

حلب (سوريا) 16 فبراير شباط (رويترز) - بدأت القباب الطينية في القرى الواقعة إلى الجنوب الشرقي من حلب تتهاوى بفعل ما لحق بها من أضرار في الحرب ومن الإهمال بعد أن ظلت على مدى سنوات تمثل الخط الأمامي في الاشتباكات بين الجيش السوري ومتشددي تنظيم الدولة الإسلامية وهجرها سكانها منذ فترة طويلة.

غير أن اللاجئين من قرية قليعة إحدى قرى تلك الناحية المقيمين في ملجأ جبرين في حلب - الذي أصبح ملاذا لمن عجزوا عن العودة لبيوتهم أو رفضوا العودة ولمن نزح من مناطق بعيدة - يقسمون على أنهم سيستردون أرضهم في يوم من الأيام.

قال رجل نحيل في الأربعينات من عمره يرتدي الملابس التقليدية من جلباب طويل وعقال قدم نفسه باسم أبو محمد ”كنا نربي الغنم وكان عندنا أرض. بعنا كل شيء عندما رحلنا. وبإذن الله سنعود. فهي قريتنا ولا يمكن أن نتركها.“

ومنذ أمد بعيد اجتذبت قرى ”خلايا النحل“ التي استقت هذا الاسم من الشكل المخروطي المميز فوق بيوتها اهتمام الغرباء لكن الكثير منها أصبح مهجورا خلال موجات الصراع التي شهدتها البلاد.

وقد اجتذبت محنة الريف السوري اهتماما أقل مما حازت عليه المدن التي دمرتها القنابل. غير أن ارتباط ثروة الريف بالماشية وبالأرض يعمل في كثير من الأحيان على تقليص قدرة أهل الريف على البدء من جديد عندما يضطرون للانتقال من مكان إلى آخر.

وكان الجيش السوري استولى على آخر جيب للمعارضة في شرق حلب في ديسمبر كانون الأول بعد حصار استمر شهورا وقصف عنيف على مدى سنوات كما حقق بعض المكاسب في مواجهة الدولة الإسلامية إلى الشرق من المدينة. غير أن القتال مستمر في مناطق قريبة.

وخلال زيارة في الآونة الأخيرة لجبرين حيث يعيش أهالي القرى الآن في منطقة صناعية وسط أجواء شديدة البرودة شاهد مراسل رويترز برك المياه الكبيرة في الشوارع الطينية وقد تجمدت وأطفالا صغارا حفاة يطاردون الدجاج فيما بين عنابر تلك المنطقة.

ومع ذلك فإن قدرة الأهالي على تحقيق آمالهم في العودة إلى قراهم - التي لم يكن في إحداها الأسبوع الماضي ما يشير إلى أنها تصلح لمعيشة البشر - ستتوقف على مدى قدرة تنظيم الدولة الإسلامية على الصمود.

وقد فقد التنظيم الجهادي مواقع في شمال سوريا لثلاث قوى مختلفة معادية له هي الجيش السوري والمعارضة المدعومة من تركيا وتحالف تدعمه الولايات المتحدة يضم فصائل بقيادة كردية.

وتصاعدت على البعد أعمدة الدخان خلف بحيرة الجبول المالحة بالقرب من قرية أبو محمد وقرية أخرى مهجورة اسمها رسم النفل زارتها رويترز لتشير إلى مواقع الاشتباكات بين الدولة الإسلامية والجيش السوري.

* قرى مهجورة

قالت مجموعة من النسوة في جبرين طلبن عدم ذكر أسمائهن وهن يقفن بجوار أبو محمد إنهن هجرن قرية قليعة عام 2012 عندما وصل مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية إلى المنطقة.

وقالت إحداهن كانت ترتدي غطاء رأس زاهي الألوان وبانت من بين شفتيها سنة ذهبية ”قتلوا رجل خارج القرية. قطعوه. وبعدها أصابت غارة جوية قريتنا.“

وفي رسم النفل كانت آثار طلقات الرصاص ظاهرة على الجدران بينما تناثرت على الأرض الطلقات الفارغة. وفي فناء بجوار بيت طيني انهار سقفه برزت من بين الطين والركام سترة برتقالية اللون مع زوجين فضيين من الأحذية بكعب عال.

وعلى مقربة قبع على الأرض عامود حجري متهالك يبدو أنه ينتمي لزمن سابق ويشير إلى ثراء التاريخ حتى في المساحات القاحلة من منطقة كانت مستقرا لبعض من أعظم الإمبراطوريات والحضارات في العالم.

وفي تلك القرية والقرى الأخرى على الطريق كان السكان الوحيدون هم الجنود السوريون وقد راحوا يدفئون أياديهم فوق ما أشعلوه من نار وهم يشاهدون الدبابات وغيرها من العربات المدرعة تهدر أثناء مرورها بمعسكرهم المؤقت حيث نشروا غسيلهم في مداخل البيوت البسيطة.

ويقول أبو محمد إن أهل قرية رسم النفل انتقلوا بعيدا في أراض يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية اقتربت الاشتباكات منها وإن انتقالهم لم يكن عن تعاطف عقائدي مع المتشددين بل بحثا عن مناطق لرعي قطعانهم.

غير أنه وآخرين من قريته باعوا مواشيهم وبحثوا عن مأوى في مناطق تحت سيطرة الحكومة في حلب.

* الأطفال هم الأكثر معاناة

المعاناة أشد على الأطفال من غيرهم إذ أنهم بدأوا الآن فقط العودة للدراسة في مركز تديره مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجمعية خيرية سورية تعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية.

وتخدم تلك المدرسة اللاجئين من مناطق في شرق حلب لم تعد صالحة للإقامة بسبب ما لحق بها من أضرار في الاشتباكات ويقيمون الآن في جبرين. وقال مدرسون في المدرسة إن بعض الأطفال لم يتلقوا أي تعليم رسمي منذ سنوات.

ويعيش الناس في عنابر طول كل منها نحو 150 مترا ومقسمة إلى 30 وحدة. وفيما بين تلك العنابر كانت الأسر تجلس في الشمس وقد التحف أفرادها ببطانيات بينما ركب رجلان عربة يجرها حصان محملة بأكياس بلاستيكية تمتلئ بالحطب لبيعها.

وفي فصل دراسي تديره الجمعية السورية للتنمية الاجتماعية تكدس حوالي 30 طفلا على عدد قليل من المقاعد وعلقت خلفهم على حائط خرساني بعض الصور.

وقالت ريم ورد إحدى العاملات في الجمعية إنهم كانوا في غاية العدوانية عندما وصلوا إلى جبرين بعد سنوات الحرب التي عاش فيها كثير منهم في منطقة شرق حلب عندما كانت خاضعة لسيطرة المعارضة وتعرضت لقصف عنيف خلال الاشتباكات.

وأضافت ”لم يكونوا يتوقفون عن تبادل الضرب“ لكنهم أصبحوا مسالمين الآن.

ويقول أبو محمد إنه في حين أن الأطفال الأصغر من قريته يذهبون للمدرسة فإن الأكبر سنا منهم يعملون في مصانع في سن الثالثة عشرة والرابعة عشرة. وبعد بضع سنوات يلتحق الصبية بالخدمة العسكرية.

وفيما وراء قرية رسم النفل على الشاطئ الغربي لبحيرة الجبول حيث كان طائر أبيض جميل يخوض في المياه المالحة عادت حياة الريف بعد أن هدأت الاشتباكات وكان الرعاة يرعون أغنامهم بالقرب من القرى الطينية.

غير أن العودة إلى القرى التي شهدت دمارا ليس بالأمر اليسير. فرغم أن الناس قالوا إنهم مازالوا يملكون من المهارات ما يلزم لإصلاح بيوتهم الشبيهة بخلايا النحل وإعادة بنائها فقد باعوا أغنامهم كلها وأنفقوا ثمنها على مصروفاتهم اليومية منذ فترة طويلة.

وقال أبو محمد ”حتى إذا اضطررنا للعيش في خيمة فعندنا أرض هناك. سنعود ونعمل في الأرض. إذا ساعدتنا الحكومة بالمال يمكننا أن نشتري أغناما أخرى. وبخلاف ذلك ليس أمامنا فرصة.“ (إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير محمد اليماني)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below