24 شباط فبراير 2017 / 13:12 / بعد 10 أشهر

"على الجانب الآخر".. محاولة للسير فوق أشواك الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

من أيمن مسلم

القاهرة 24 فبراير شباط (رويترز) - يزخر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بملايين التفاصيل المُفزعة.. العنف والدم والرصاص.. صرخات الألم والدموع والمفاوضات العقيمة.. وعلى الرغم من وجود الكثير من المؤلفات التي تغطي الجوانب السياسية والعسكرية إلا أن الأعمال الروائية الجادة قليلة للغاية ربما لأن واقع الصراع أشد مرارة من قدرة الأدب على التصوير والتخيل.

وفي روايتها ”على الجانب الآخر“ تدلُف الروائية المصرية إنجي مطاوع في هذا الحقل الشائك لكنها لا تسير فيه حافية القدمين بل أعدت قراءة واعية ومتعمقة لعقلية المجتمعين المتحاربين خاصة في إسرائيل التي تتشكل في الأساس -حسب رؤية الأديبة- بتأثيرات دينية توراتية وتوجهات سياسية منذ آباء إسرائيل المؤسسين.

تدور أحداث القصة حول الفتاة الإسرائيلية ”تويفا“ التي تنتمي إلى أسرة ذات مكانة مرموقة وخلفية عسكرية كبيرة متمثلة في أب يشغل منصبا بارزا في الجيش وأم من سيدات المجتمع.

تدرس الفتاة في جامعة حيفا وتتخصص في الآثار وتحاول من خلال دراستها التوصل إلى الحقائق بنفسها دون توجيهات. فهي لا تؤمن بالمحرمات التي يصنعها الساسة والحاخامون.. وتصطدم أول ما تصطدم بأسرتها المحافظة.

تتعرف خلال دراستها على شابين من عرب إسرائيل ”وليد وعامر“ ضمن مجموعة من الأصدقاء تضم أيضا ”إزيه“ وهو طالب يهودي مُتلون يكن في أعماقه حقدا على كل ما هو عربي خاصة عامر الذي تأكد من حب تويفا له لكنه تصنع البراءة حتى تواتيه الفرصة للانقضاض على غريمه.

من الشخصيات أيضا ”تينا“ المولودة لأم عربية مسيحية عربية وأب يهودي تعرض هو الآخر للنبذ الاجتماعي نتيجة ارتباطه بزوجته. تحاول تينا الحفاظ على مسافة من الجميع وإن كان العرق العربي يجعلها تبدو في عيون إزيه مجرد واحدة من أفراد شعب ”ليس لهم وظيفة في الحياة سوى خدمة الشعب المختار“.

تتحول تويفا إلى شخصية مأزومة ومعقدة نفسيا بعد أن يقتل أبوها صديقها الفلسطيني عامر بوشاية من الصديق المشترك إزيه. وتعيش على المهدئات لفترة حتى تقرر في النهاية الانتقام لحبيبها على حساب أهلها ومجتمعها ودولتها.

وعبر أحداث الرواية ونقاشاتها الجدلية المثيرة تتطرق الأديبة إلى أشد القضايا تعقيدا في الصراع وتتناولها بمعالجة أدبية تتسم بالدأب والمثابرة. فهي تستشهد بالكثير من الاقتباسات من الكتب السماوية الثلاثة وتحاول من منظورها الخاص تفسير النصوص الدينية خاصة ما يتعلق بأرض الميعاد.

فهي تقول على لسان بطلتها اليهودية إن الرب منح أبناء النبي إبراهيم الأرض المقدسة لكن العرب أيضا هم من أبناء إبراهيم: ”لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ.“ فلماذا يتم تفسير الأمر على أنه منحة للإسرائيليين دون سواهم؟ ليجيبها إزيه الذي يمثل الوجه المتشدد ”على الجانب الآخر“ قائلا إن العرب أبناء ”الجارية“ قاصدا السيدة هاجر المصرية وإن أبناء الجواري في أعراف اليهود لا ميراث لهم.

كما تطرح الرواية إشكالية المفاوضات في ظل عقلية لا تقبل نقاشا في ثوابت وضعتها مقدما تقضي على أي بارقة أمل في حل قريب أو بعيد وذلك من خلال حوار ثري بين العم حسان أبي وليد وإزيه.

يقول إزيه ”الأرض أرضنا بنصوص التوراة والتلمود“. فيرد عليه حسان مُتسائلا عمَّ يكون التفاوض إذن والجانب الآخر يرفض ”مجرد التفكير في إعادة شبر؟ كيف تناقشون من يعتبرون كل ما تلمسه أقدامهم حقا مكتسبا وشرعيا؟“ فيتهمه إزيه بالإرهاب قائلا ”إذن أنت موافق على القتل والطعن.“ ليرد العم حسان في مرارة ”يوما سيجتمع العرب.. يوما سننزع من قلوبنا أشواك فتنتكم.. يوما سنفجر سلام الردع والرعب الذي تقيمونه لنفرض سلام المحبة والخير.“

تستخدم الكاتبة إنجي مطاوع طريقة السرد بضمير المتكلم على لسان الفتاة اليهودية الإسرائيلية ربما لأن التركيز ينصب في الأساس ”على الجانب الآخر“ الذي يحمل عنوان الراوية. كما تحاول إبراز جدليات الصراع وقناعات كل طرف وكيف يرى الآخر وكيف يرى الأزمة من منظوره في محاولة صعبة للعثور على إجابة للسؤال ”هل هناك أمل فعلي في التغلب على الأزمة المتعمقة في جذور النفوس حد الموت؟“

وتقول الكاتبة إن وجود قصة حب بين فتاة يهودية وشاب فلسطيني أمر منطقي ليس فقط في سياق عملها الأدبي لكنه حدث تكرر بالفعل على أرض الواقع رغم اعتراضات الجانبين العربي والإسرائيلي.

فالمتطرفون الإسرائيليون يرفضون.. يهددون المرأة التي تُقدم على الارتباط بعربي بالقتل وغالبا يعتبرونها ”خائنة وتعمل ضد إسرائيل“. وبالمثل يعتبر الفلسطينيون الأمر خيانة للقضية وتطبيعا مع العدو. وتضرب أمثلة على ذلك مثل قصة ”مورال ومحمد“ و”ياسمين وأفيسار“ و”عتر وأسامة“.

ومن خلال عرض شيق وأسلوب سلس في السرد تحاول الروائية إثارة أسئلة عميقة حول المعنى الصحيح للوعود الدينية ”التوراتية“ وإذا كان النص التوراتي يشير إلى أبناء النبي إبراهيم فلماذا يُصِر الإسرائيليون على تفسير هذا الوعد على أنه منحة من الرب لهم وحدهم؟ وهل هذه الوعود مستمرة إلى العصر الحالي أم كانت لزمانها فقط؟ وإلى أي مدى يمكن أن يستخدم الحاخامون والساسة النصوص الدينية لإخضاع الناس لمصالحهم هم لا لأوامر الرب كما يعلنون.

تقول الكاتبة إنها أمضت ستة أشهر في تجميع المراجع ونحو سنة كاملة في الكتابة مع المراجعة المستمرة مع باحثين وكُتاب في علوم الحضارة والأديان المقارنة والأنثروبولوجيا.

صدرت الرواية عن دار الوليد ودار الكتاب العربي في 264 صفحة متوسطة القطع.

وهذا هو العمل الروائي الثالث لإنجي مطاوع بعد روايتي ”شهرنان“ و”الكونتيسة والرئيس“ وصدر لها أيضا كتاب في أدب الرسائل بعنوان ”يا أنت.. أنا“ ومجموعة قصصية بعنوان ”روح وجسد“. (تحرير أمل أبو السعود)

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below