10 نيسان أبريل 2017 / 11:27 / بعد 7 أشهر

صوماليون جوعى يوازنون بين حرية ابنتهم وحياة بقية أفراد العائلة

من كاثارين هورلد

دولو (الصومال) 10 أبريل نيسان (رويترز) - لم يكن أمام أبدير حسين، مع جفاف الآبار في قريتها ونفوق ماشيتها بسبب جفاف المراعي في جنوب الصومال، سوى فرصة واحدة أخيرة لإنقاذ أسرتها من الجوع: جمال ابنتها زينب البالغة من العمر 14 عاما..

في العام الماضي عرض رجل يكبرها في السن ألف دولار مهرا لزينب وهو ما يكفي لنقل عائلتها الممتدة إلى بلدة دولو الصومالية على الحدود الإثيوبية حيث توزع وكالات الإغاثة الدولية الطعام والماء على العائلات الفارة من جفاف مدمر.

ورفضت زينب.

قالت زينب ذات العينين السوداوين والصوت الناعم ”أفضل الموت. أفضل لي أن أهرب إلى الأدغال وتأكلني الأسود.“

وردت والدتها ”آنذاك سنبقى ونموت جوعا وستأكل الحيوانات عظامنا.“

وهذا الحديث الذين نقلته الابنة والأم لرويترز مثال للخيارات التي تواجه العائلات الصومالية بعد عامين من ندرة الأمطار. ذبلت المحاصيل وتناثر عظام الماشية في أنحاء البلاد الواقعة في منطقة القرن الأفريقي.

والكارثة جزء من قوس الجوع والعنف الذي يهدد 20 مليون نسمة مع امتداده في أنحاء أفريقيا وصولا إلى الشرق الأوسط.

ويمتد قوس الجوع من نيجيريا في الغرب، حيث أرغمت أعمال العنف التي تشنها حركة بوكو حرام منذ ستة أعوام مليوني شخص على الفرار من منازلهم، وصولا إلى صحاري اليمن في الشرق حيث تحول فصائل متحاربة دون وصول المساعدات ويتضور الأطفال جوعا.

وبين هذين البلدين هناك رمال الصومال الجدباء ومستنقعات جنوب السودان الغنية بالنفط حيث تفر العائلات الجوعى من الحرب الأهلية المندلعة منذ ثلاث سنوات وتقتات على جذور زنابق الماء.

وتعاني أجزاء من جنوب السودان بالفعل من المجاعة لأول مرة في ست سنوات.

وفي الصومال تقول الأمم المتحدة إن أكثر من نصف السكان البالغ عددهم 12 مليون نسمة بحاجة إلى مساعدات. وتفاقم جفاف مشابه في 2011 نتيجة لسنوات من الحرب الأهلية مما أثار أحدث مجاعة في العالم والتي قتلت 260 ألفا.

وفي الوقت الحالي ما زال عدد القتلى بالمئات ولكن الأعداد سترتفع إذا لم تهطل الأمطار خلال الموسم من مارس آذار حتى مايو أيار. والتوقعات ليست جيدة.

ومع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخفض ميزانية المساعدات تقول الأمم المتحدة إن الجفاف والصراعات في الدول الأربع تؤجج أكبر كارثة إنسانية جماعية منذ الحرب العالمية الثانية.

وقال ستيفن أوبراين وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية لمجلس الأمن في مارس آذار ”نحن في مرحلة حرجة في التاريخ... نواجه أكبر أزمة إنسانية منذ تأسيس الأمم المتحدة.“

وقال إن الأمم المتحدة تحتاج إلى 4.4 مليار دولار بحلول يوليو تموز وحتى الآن لم تتلق سوى 590 مليون دولار.

* الخيارات

لكن ما تغفله الإحصاءات هو الخيارات الموجعة للقلوب التي تضطر إليها الأسر يوميا للتمكن من البقاء.

جلست أم، وصلت لتوها إلى دولو، تحتمي بأغصان شجرة خالية من الورق وهي تنتظر وعاء من الطحين (الدقيق) وقالت إنها لكي تطعم أطفالها الصغار تضطر لترك الأكبر سنا منهم دون طعام.

وقالت أم أخرى إنها تركت ابنها المريض ذي الأعوام الخمسة على جانب طريق مع أحد الأقارب لتتمكن من اصطحاب أطفالها الذين ما زالوا قادرين على السير إلى حيث تجد المساعدة. وتركت امرأة ثالثة زوجها المقعد وسارت في الصحراء لمدة أسبوع حاملة رضيعها إلى حيث يمكنها أن تجد الطعام.

وقايضت أبدير حسين حرية ابنتها زينب بحياة شقيقاتها.

وقالت لرويترز في كوخها المتهالك المصنوع من العصي وقطع القماش وشرائح البلاستيك الذي يأويها مع أفراد أسرتها الممتدة البالغ عددهم 14 شخصا ”إنه شعور سيء للغاية... قضيت على أحلام طفلتي. لكن دون هذا المال من المهر سنموت كلنا.“

ولكن زينب، ذات اليدين المرسومتين بنقوش الحناء، التي ترتدي غطاء رأس ضيق وتنورة طويلة باهتة تحتها سروال موشى بأحجار لامعة على طرفه الأسفل تملك إرادة حديدية. فهي تريد أن تصبح معلمة لغة انجليزية وتريد استكمال دراستها ولا تريد أن تتزوج.

وقالت ”أريد شيئا مختلفا عن ذلك“ وكان ابن شقيقتها الرضيع يحبو عاريا على الرمال بجوارها وشقيقه الأصغر يبكي بصوت واهن.

لكن على الكفة الأخرى من الميزان في مقابل أحلام زينب، تقع حياة 20 من أبناء وبنات شقيقاتها الثلاث وجميعهن تزوجن صغيرات وطلقن. وهناك أيضا شقيقها الأكبر الذي أنهكه الهم وشقيقتها الصغيرة ووالداها.

كانت الأسرة ذات يوم تملك أبقارا وأغناما وثلاثة حمير كانت تؤجرها مع عربات كوسيلة مواصلات. لكن الحيوانات نفقت وأصبحت زينب أملهم الوحيد.

رفضت زينب، على مدى أشهر، وظلت متقوقعة على نفسها تحاول الهرب كلما نسوا أن يغلقوا عليها باب الغرفة. لكنها أذعنت في نهاية الأمر أمام عوز أسرتها الشديد.

وقالت أمها التي ترك القلق علاماته على جبهتها وهي جالسة بجوار ابنتها المتجهمة الوجه ”لم نكن نرغب في إجبارها... الضيق يجعلني لا استطيع النوم. عيناي متعبتان حتى أنني لم أعد استطيع لضم إبرة.“

* الزواج

دفع المهر وأقيم العرس والتأم شمل العروسين. بقيت زينب ثلاثة أيام ثم فرت هاربة.

عندما استأجرت أسرتها سيارات لنقلهم مسافة 40 كيلومترا إلى دولو سافرت زينب معهم. والتحقت بالمدرسة المحلية حيث تغطي ألواح حديدية مموجة جدران الفصول المبنية من أعواد الخيزران في المدرسة التي تضم عشرة مدرسين ونحو 500 طالبة.

وتبعها زوجها.

تحكي زينب بهدوء ”يقول إذا ما رفضتني الفتاة يجب أن أسترد أموالي. أو سآخذها بالقوة... بعث إلي برسائل تقول أعطيني المال أو سأعيش معك كزوجك.“

لا تستطيع أسرتها أن ترد ولو جزء يسير من المهر. فكل ما يملكونه هو حاشيتان اسفنجيتان متسختان وثلاث أواني للطهي ومشمع برتقالي يغطي منزلهم المؤقت. ليس لديهم شيء آخر لبيعه.

ثم قرر مدرس زينب في اللغة الإنجليزية عبد الولي محمد هرسي أن يتدخل في الأمر. كان هرسي قد رأى مئات الطلاب يتسربون من المدرسة بسبب الجفاف.

تركت فتاة المدرسة للعمل كخادمة للمساعدة في إطعام أسرتها. و كان جيلها هو أول جيل من الفتيات يدخل المدارس. مرض صبي وتوفي فقد تفشت الكوليرا في أنحاء الصومال حينما أصابت البكتيريا إمدادات المياه المتناقصة.

يقول هرسي إن خمس فتيات غادرن المدرسة أيضا هذا العام لتزويجهن بالإكراه أو من أجل زيجات مبكرة. وأضاف أن أكراه الفتيات على الزواج ليست بالأمر الجديد على الصومال لكنه أقل شيوعا في الأوقات الأفضل، خاصة في دولو.

ومضى قائلا ”قبل الجفاف كانت الحالات أقل...بعض الآباء يعطون بناتهم لرجال آخرين للحصول على هذا المال.“

* النهاية

لا أحد يعرف عدد الأسر التي تضطر تواجه باختيارات مثل التي واجهتها أسرة زينب.

وقال جان لوكينجا رئيس إدارة حماية الطفل في مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة في الصومال ”رغم أننا لا نمتلك بيانات نهائية إلا أننا نفهم من بعض التقارير أن الأعداد قليلة لكنها تتزايد ولا سيما في المناطق الجنوبية والوسطى.“

وذكرت جماعات إغاثة أخرى أن معظم الأسر في المناطق المنكوبة بالجفاف فقيرة بصورة لا تسمح لها برد المهور بعد نفوق ما تملكه من حيوانات. ولا أحد يعرف برنامجا لمساعدة فتيات مثل زينب.

اصطحب هرسي زينب إلى جماعة مساعدة محلية أخذتها بدورها إلى جماعة كوبيراتسيوني انترناتسونالي الإيطالية للإغاثة. وقرر المنسق الإقليمي الذي كان في زيارة للمنطقة مع مانحين من الاتحاد الأوروبي أن يتدخل.

تحكي ديكا وارسامي وهي تصب الشاي لزميلاتها اللائي تجمعن لسماع القصة بينما يتردد صوت الأذان من فوق أسطح المنازل ”يجب أن نفعل شيئا من أجل هذه الفتاة... وألا ستواجه اغتصابا كل ليلة.“

كان موظفوها يحتفظون بأموال للأعمال الخيرية فوفروا المال اللازم لسداد المهر. وقالت وارسامي لزينب إن المجموعة ستتوسط لعقد لقاء بين رجال الأسرتين. سيسترد زوجها ماله إذا ما طلقها أمام شهود.

رفعت زينب عينيها السوداوين عن الأرض وتساءلت ”هل سأكون حرة؟“.

إعداد وتحرير علا شوقي ولبنى صبري وسها جادو للنشرة العربية

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below