22 حزيران يونيو 2017 / 09:50 / منذ شهرين

الأوزاعي.. منطقة لبنانية تخرج من عتمة الإهمال إلى زهو الألوان

من علي حشيشو

بيروت 22 يونيو حزيران (رويترز) - في منطقة الأوزاعي بالعاصمة اللبنانية بيروت لعبت الألوان دور البطولة في تحويل حي أرهقه الإهمال والبناء العشوائي على مر السنين إلى لوحة فنية تسعد سكان المنطقة وتجذب السائحين لمكان طالما أحجموا عن زيارته.

ويعود الفضل في هذا التحول إلى عياد ناصر (٤٧ عاما) ابن المنطقة الذي أطلق مبادرة تحسين الأوزاعي وإضفاء البهجة عليها ودعا زملاءه من مختلف دول العالم إلى مشاركته هذا المشروع.

بدأت القصة في العام الماضي بعد أن استفز مشهد النفايات المتكدسة في شوارع بيروت ناصر الذي يعمل بالمجال المعماري فقرر إطلاق مبادرة لجمع النفايات واستخدامها في صناعة لوحات ومجسمات فنية.

شرع ناصر في الاتصال بفنانين لبنانيين للمشاركة، لكن معظمهم رفض فراسل عددا من الفنانين ورسامي الجرافيتي حول العالم فتطوع ١٤ من أمريكا وإسبانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وروسيا والبرازيل وهولندا وفنزويلا وإيطاليا والدنمرك وكوستاريكا. وكان من بين هؤلاء فنان الجرافيتي العالمي المتخصص في فن الشارع "ريتنا".

لكن وقبل مباشرة العمل انفرجت أزمة النفايات وجرى رفعها من الطرقات، فحول ناصر المبادرة إلى تجميل أحياء مختلفة من بيروت واختار مناطق الأشرفية والكولا وفسوح وبرج حمود والأوزاعي من خلال إبراز جمالية الأبنية وطلائها وتزيينها بالرسم الجرافيتي.

يقول ناصر لرويترز "حاولت بداية إقناع أصدقائي الميسورين بتمويل المبادرة فأحجموا. قصدت مصارف ومؤسسات كبرى لتمويل المشروع فكان جوابهم أن ليس لهم مصلحة بهكذا مشروع".

وأضاف "اتهمني البعض بالجنون أو بالغرق في الأحلام وهذا ما جعلني أتمسك بفكرتي أكثر فقررت أن أمضي فيها ولو بقيت وحيدا وبدأت المشروع بتمويل ذاتي".

ويشرح ناصر بحماس "اشتريت حقوق ١٢ لوحة عالمية وبدأ الرسامون العالميون برسمها على جدران أبنية سكنية في الأحياء بعد نيل موافقة السكان والجهات الرسمية المختصة.

"لكن ثقافة التجميل وتحسين البيئة السكنية مفقودة في لبنان فلم نلق من السكان إلا الدعم المعنوي، لكنهم لم يكونوا مستعدين لدفع ليرة واحدة إسهاما في تجميل أماكن سكنهم وهذا مؤسف".

* خصوصية المكان

لمنطقة الأوزاعي خصوصية اجتماعية فهي منطقة عشوائيات بناها نازحون من الجنوب بفعل الاعتداءات الإسرائيلية منذ السبعينيات وظلت مهمشة ومكتظة وتعاني من حرمان مزمن وتفتقر إلى شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب وهي مصنفة ضمن حزام البؤس الذي يحاذي بيروت.

ولد ناصر ولد وعاش سنواته الخمس الأولى في منطقة الأوزاعي قبل أن يهجر لبنان إلى أن قرر منذ خمس سنوات العودة لبلاده. هزه مشهد الأوزاعي من الطائرة "شعرت بالقرف.. من فوق تشاهد أكوام النفايات تحتل المنطقة ومياه بحرها لونته مجاري الأغنياء التي تصب عند الفقراء ناهيك عن المباني المتهالكة على شاطئ البحر فقبلت تحدي تحسين هذه المنطقة".

بدأ العمل بالأوزاعي تحت اسم "اوزفيل" لإعادة ثقة الأهالي بأنفسهم ومنطقتهم "واستطعنا أن نغير بحياة السكان وشرعنا أبواب المنطقة أمام السياح، وحولناها من منطقة مهملة إلى جاذبة للنشاط التجاري والاستثماري".

وأضاف "لمسنا تعطش السكان لهكذا مبادرة لكننا اصطدمنا بعقبة شح الأموال المتبقية فجمعنا السكان وطالبناهم بالتبرع كل حسب إمكانياته التي نعرف مسبقا أنها متواضعة.. وهذا ما حصل".

يتذكر ناصر الطفل علي الذي كان من بين الحاضرين في اجتماع الأهالي ويقول "وقف علي ابن الثماني سنوات وقال أنا سأدخر يوميا دولارا واحدا من مصروفي. تجاوب السكان وشرعوا بجمع الأموال والتبرعات واستطعنا مواصلة عملية التجميل".

تم طلاء جدران الأبنية وتنفيذ رسمات الجرافيتي كما لونت كل البيوت الواقعة على الواجهة البحرية للأوزاعي بألوان زاهية ومتعددة تظهر من عرض البحر ككتلة أبنية مزركشة عائمة.

إلا أن فرحة الأهالي تظل ناقصة.

تقول الحاجة أم حسن حمادي التي تقطن في الأوزاعي منذ ٤٠ عاما "تغير المنظر الكئيب وصارت بناياتنا تضج بالحياة وتملؤها الألوان.. صار أحفادي يحبون الخروج للعب خارج جدران البيت".

لكنها تضيف "نحن بحاجة لما هو أكثر من دهان الحي.. بحاجة لتأمين مياه للشرب ومد شبكة صرف صحي لإنقاذنا من الأوبئة والروائح الناجمة عن المجاري المكشوفة".

* الأجانب

أما عامل الدهان محمد فقد سمع عن المبادرة من التلفزيون وقال "آمنت بالرجل واتصلت به وها أنا أعمل معه في دهان الأوزاعي وأقنعت ١١ من زملائي بالعمل في المشروع. فخور بما نقوم به".

والآن صار بالإمكان ملاحظة وجود سياح أجانب في أزقة الأوزاعي فالمنطقة التي اتسمت بصيت كره الأجانب وبعمليات خطفهم ها هي اليوم تستقبلهم.

فوج سياحي فرنسي يلتقط الصور أمام الرسوم على الجدران وعند سؤالهم ترد الآنسة مانو بورو قائلة "كانوا ينصحوننا في بلادنا بعدم الذهاب لهذه الأماكن لأسباب أمنية لكننا طلبنا من إحدى وكالات السياحة اللبنانية تنظيم رحلة للأوزاعي فلم نجد أي مانع أمني أو غير أمني".

ويكمل صديقها ليو فورسن "ما شاهدته جميل جدا لم أكن أتصور أن منطقة كهذه مصنفة خطرة علينا يمكن أن تتحول إلى معرض شارع جميل. سوف أحكي لأصدقائي وأنصحهم بزيارة الأوزاعي".

أما صديقتهما لوسيل كوشي فتشير إلى التشابه بين الأوزاعي وأماكن أخرى زارتها في كولومبيا والأرجنتين وتقول "أماكن كانت مهمشة وبفضل مبادرات التجميل الشعبية أصبحت على لائحة السياحة العالمية. أتمنى أن تبقى مناطق شعبية بعد التجميل لا أن تتحول إلى منتجعات فاخرة مخصصة للأغنياء فقط".

وحتى اليوم بلغت المساحات التي جرى تجميلها في المناطق الخمس قرابة ٨٥٠٠ متر مربع من جدران أبنية سكنية ومدارس وأرصفة طليت ورسم عليها بينها ٧٠٠٠ متر مربع على نفقة صاحب المبادرة والباقي تم تمويله بالتبرعات. وصلت الكلفة إلى ٤٥٠ ألف دولار منها ٩٧ ألفا في الأوزاعي وحدها.

يوجه ناصر رسالة إلى القادرين ماليا قائلا "لو أن كل لبناني حذا حذو الطفل علي ودفع دولارا واحدا لكنا جمعنا أربعة ملايين دولار لصرفها على حل مشكلاتنا البيئية وتحسين مناطقنا السكنية".

إعداد سامح الخطيب للنشرة العربية - تحرير نادية الجويلي

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below