22 كانون الثاني يناير 2009 / 07:54 / بعد 9 أعوام

محمد المغربي: العناصر المكونة ذات مذاق لكن الطبخة "شائطة"

بيروت (رويترز) - من الحالات التي تلفت النظر وتبدو مستغربة تلك التي قد يواجهها القارىء عند مطالعة رواية ”ساق العرش“ للكاتب الكويتي محمد هشام المغربي.

ومما قد يجده القارىء ”مستغربا“ في الرواية ان عناصرها المكونة او فلنقل ”تفاصيلها“ هي في اجمالها مستساغة ومؤثرة وتحفل بنبض شعري عصبي وبسرد ”تفصيلي“ مؤثر. ومع ذلك فان ” الطبخة“ ككلّ ”شائطة“ كما يقال بل انها ذات مذاق مرّ احيانا.

واذا كان من الموضوعية ان ينقل القارىء شعوره خلال قراءة الرواية كما هو فلا بد من الاعتراف بان المتعة التي يحصل عليها القارىء من خلال التفاصيل سردا ووقعا شعريا موسيقيا تتحول الى مذاق مر بل الى شبه ”ضيق“ احيانا عند الانتقال من تفصيل الى اخر. وربما سيطر على القارىء شعور بان نفسه ”تحرن“ فيضطر الى دفعها دفعا الى متابعة القراءة والانتقال من مكان الى اخر.

الامر ليس نقصا في قدرة محمد هشام المغربي التعبيرية فهو متدفق بشعرية كما ذكرنا. الا ان بعض المشكلة ربما كان في هذا التدفق نفسه الذي لا حدود له ولا اقنية واضحة يسير فيها. ”ترجمة“ هذا الكلام تعني ان الكاتب يريد ان يقول ”كل شيء“.

ويبدو ان من يصرون على قول كل شيء او كل امر لا يقولون شيئا في النتيجة اذ ان ”قول“ شيء واحد محدد او اشياء ”قليلة“ في عالم الرواية بل العالم الادبي والفني اجمالا امر ليس بالسهل بل هو انجاز. وهنا اي عبر تحقيق انجاز من هذا النوع ربما استطاع الاديب ان يقول اشياء كثيرة.

جاءت الرواية في 192 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن ”المؤسسة العربية للدراسات والنشر.“

في الرواية عالم متعدد يتسم بفوضى لا نتبين لها حدودا واضحة لا عند الانتقال من موضوع الى اخر ولا من خلال التداعيات التي يصطدم بعضها ببعض. انها تشكل قراءة متعبة والكاتب قادر على تحاشيها وعسى ان يفعل في اعمال اتية.

تسال نفسك عما يتحدث محمد هشام المغربي.. الحب والزواج والخيانة الزوجية والسياسة والدين والوطنية والغربة والانسان المعلق بين وطنين او اكثر والتشرد فضلا عن ”خط “ خفي واضح امتد من صدر الاسلام عبر الحكم الاموي ثم العباسي.. وصولا الى ايامنا الحاضرة وعن فعل هذا الخط فيها..وكذلك وبشكل خاص حرب الخليج الاولى والثانية ثم القضية الفلسطينية..وماذا بعد .. لاشك في ان تولستوي في”الحرب والسلم“ التي قال فيه الكثير الكثير لم يحمل نفسه وقارئه هذا القدر الهائل من الموضوعات. وهل ننسى المسائل الشخصية والمشاعر و”عوالم“ النفس الخفية التي يسعى المغربي الى تناولها...

اشخاص عديدون واماكن عديدة وانتقال بين ازمنة دون حد ادنى من الوضوح الضروري احيانا. ويسعى الكاتب الى ان يتولى بعض شخصياته دور المؤرخ والمنقب والمحقق السري ”الفكري“ في الكشف عن وثائق تاريخية وادبية وفكرية وسياسية في الوقت نفسه مخبأة او ضائعة.

انه عالم فوضوي مزدحم ولن ينفع فيه القول اننا اذا نظرنا اليه من عل وعن بعد قد نجد ان شتاته يشكل ”صورة“ واحدة. ان هذا الرأي يشبه القول اننا اذا نظرنا من طائرة هليكوبتر الى فوضى السير والازدحام الهستيري في بيروت مثلا او غيرها بانت لنا صورة موحدة متكاملة. وهل من حاجة بعد ذلك الى رواية ..

يهدي الكاتب روايته الى الشاعرة الكويتية سعدية مفرّح فيقول ”الى سعدية مفرّح اكثر من شاعرة.“ قديما قيل ان الثوب عندما يكون ابيض تظهر عليه اللطخات والبقع اكثر مما تظهر على لون اخر. المقصود بهذا ان محمد هشام المغربي هو فعلا جيد في سرده الحركي والشعري فلماذا يظلم نفسه والقارىء معه عبر ذلك الفيضان ”الخانق“..

نقرأ بداية الرواية فنشعر وقد استعملنا تشبيها يتعلق بالطعام وعناصره بانها ”مقبّلات“ افتتاحية رائعة لكن العمل لا يتكامل بل تتراكم فيه امور وتتجاور دون ان يكون بينها علاقة ”جيران“ فعلية. نقرأ.. ”- “كلا لن اتي الى الغداء.” قلتها بلا “حبيبتي” ولا اسباب ملفقة. خرجت مسرعا نحو السيارة بعدما تلقيت رسالة “عزيز” على هاتفي النقال. “العاشرة ولم انم البارحة منذ ان تكلمت وجدتي وانا في ضياع الرؤى وتماهي المسلّمات. جلست و”عبلة“ طول الليل ولم يلفح فستانها الاحمر الفاقع في شد انتباهي. ”هل كان احمر..“ فتناولت الغطاء وغابت في الفراش. لم احس بالساعات وهي تراوغني وتمر عليّ خفيفة تضحك. ”العاشرة. يا له من نهار كثير بهاؤه على مدينة تكره النهارات مدينة تطأ المطر وتملأ فاهها بالكمأ. مدينة لا تعرفني. لا تفهم المي ولا تختصر دموعي بين يديها لم تحتضني يوما ولم تهدهدني طفلا ...“ ومع ذلك كله او خلال ذلك كله يستخلص الكاتب نظريات ونتائج في الحب وعلاقاته تبدو غريبة وتكاد تجعلنا فعلا نتصور اننا في ميدان سباق خيل وسط جماهير غفيرة.

يقول مثلا ”الحب مضمار سبق ندخله باعصابنا ومشاعرنا. نسرع ونتسارع وكثيرا ما نصطدم ونتأذى ونحترق وندمر. انه مضمار للملايين والفائز دوما واحد. والبقية يلعنون الحظ والبخت. انها اكبر خدعة في تاريخ البشرية تأخذنا ونحن بها على علم.“

في الختام تجد نفسك تتمنى على الكاتب وهو ذو قدرة ”مضيّعة“ بالاحمال الثقيلة ان يخفف احماله فلا تثقل عليه وعلينا في شبه اختناق .لاشك في ان لديه الكثير ليقوله وهو قادر على القول بجمال.

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below