27 كانون الثاني يناير 2009 / 08:33 / بعد 9 أعوام

هيرمن هسي..بتعريب لفؤاد رفقة.. الابتعاد عن السحر الهاديء اليوناني

بيروت (رويترز) - يسأل الشاعر فؤاد رفقة متحدثا عن ترجمته من الالمانية الى العربية لقصائد مختارة من نتاج هيرمن هسي ..لماذا هيرمن هسي؟

ويأتي جوابه مزدوجا.. التقديم الذي كتبه ونشر في نهاية الكتاب من جهة والقسم الثاني والاهم من الجواب هو قصائد هيرمن هسي نفسها.

تساءل فؤاد رفقة قائلا ”لماذا هيرمن هسي.. ماعلاقته بالمناخات الشعرية المعاصرة.. وهل من مطرح لقصيدته في هذه المناخات.. ألا تبدو قصيدته في هذه المناخات أشد غربة من زهرة في صحراء..“

رفقة -أحد شعراء حركة ”شعر“ ومجلتها- اضاف يقول ان الاجابة عن هذه التساؤلات ”تستوجب العبور الى جوار هذا الشاعر. في هذا العبور نلمح اشارات تؤميء صوب هذا الاتجاه.. الاتجاه الذي يبرق في قصيدة عنوانها “قصيدة الى هلدرلن”.“ وفي هذه القصيدة يقول الشاعر هسي للشاعر الاخر ”لا أحد يعرفك ايها الصديق/ عن السحر الهاديء اليوناني/ ابتعد الزمن الحديث/ بلا صلاة والهة/ في الغبار يهيم البشر.“

وعلق رفقة على ذلك بقوله ”الزمن الحديث ابتعد عن السحر الهاديء اليوناني.. عن الرؤية الكونية للشعر.. عن الكلمة الشعرية كتأسيس للحقيقة. وفي الحقيقة ان الزمن الحديث في الاتجاه المعاكس...“

ويبدو الشاعر الالماني الذي حصل على الجنسية السويسرية يفيض بفكر فلسفي وصوفي يشكل بصورة من الصور استمرارا لبعض فلاسفة ما قبل سقراط امتدادا الى افلاطون وافلوطين وامتزاج الفكر الشرقي بالغربي اليوناني -قبل ذلك وبعده- وامتدادا ايضا الى كل فكر صوفي حلولي والى كل ايمان بعودة الحياة المستمرة في اشكال اخرى.

وفي ذلك يقول رفقة استاذ الفلسفة الجامعي “ان هموم الشاعر الحقيقي ابدا ودائما تنحصر في الاصغاء الى همسات الكينونة وتفسيرها. انه حارس الكينونة وراعيها.

“الكينونة.. ما هي هذه الكينونة.. انها الله. الله في قصيدة هسي غيره في الاديان التوحيدية التي تفصله عن المحسوسات وتعتبره خالقها ومبدعها. في قصيدة هذا الشاعر حلولية شرقية يكون فيها الله روح المرئيات.. والمرئيات شعاع هذه الروح وجلدها. انه هذا الكون. انه الحياة التي لا تبدأ ولا تنتهي...

”واذا كان الله والعالم شيئا واحدا فماذا عن الموت.. ما هو مصيره.. والى اين أنهار الزوال .....الزوال الظاهري لا يعني مطلقا الانتقال من الوجود الى عدم الوجود.. بل التحول الابدي في محيط هذا الكون الذي هو الله.“

جاء كتاب رفقة في 120 صفحة متوسطة القطع وصدر عن دار نلسن في السويد - لبنان وبغلاف من تصميم نورما بختي. وعن الكتاب جاء ”تحقق هذا العمل بدعم من وزارة التربية والثقافة والرياضة في سويسرا.“

ولد هسي سنة 1877 في كالف في المانيا ثم اقامت عائلته في بازل في سويسرا وبعدها عاد الى المانيا ثم عاش وعمل في معظم سنواته في سويسرا واصبح مواطنا سويسريا سنة 1923. حصل على جائزة نوبل سنة 1946 وتوفي سنة 1962.

وقد اورد رفقة القصائد المختارة باللغة الالمانية ومقابل كل قصيدة ترجمتها العربية.

كتب ثيودور زيولكوفسكي مقدمة الكتاب بالالمانية وترجمها رفقة الى العربية. ومما ورد فيها ان هسي حقق شهرة عالمية كمؤلف سلسلة روايات وقصص ”تبدو انها تبحث في القضايا الوجودية للانسان في اسلوب رومانسي“ وبالاضافة الى ذلك كتب مئات القصائد. وقد لحنت قصائده كما قال الكاتب. وفي سنة 1966 ظهر استنادا الى قصائده 832 لحنا لعدد بلغ 274 قصيدة لحنها 350 مؤلفا ”وهذا عدد يفوق كل شاعر من شعراء القرن العشرين.“

وتحدث عن مراحل شعره فقال انها ثلاث وانه تدريجيا تنحى عن ”التشاؤمية في مجرى العشرينات للتأكيد على قبول الحياة... غير انه على كل حال لم يعثر على هدف ثابت ولا على جواب شامل عن مشاكل الحياة والوجود كما امل في السابق متوصلا الى القناعة ان الانسان دائما على الطريق “لا ثبات مكتوب لنا”.“

استطاع رفقة ان يضفي على القصائد طابعا يبعد عنها كثيرا من الماخذ التي تطغى على بعض الشعر المعرب. انها ترجمة شاعر لنتاج شاعر.

القصيدة الاولى ”مساء القرية“ لطيفة بحزن رومانسي عريق وشفاف. يقول ”مع الاغنام يدخل الراعي/ الازقة الهادئة/ البيوت تريد ان تنام/ وها هي تظلم وتسهر/ بين هذه الجدران/ انا الغريب الوحيد في هذه الساعة/ في حزن شرب قلبي كأس الحنين حتى الثمالة.../ الى حيث تقودني الطريق/ وجاق في كل مكان يشتعل/ ابدا ما شعرت يوما/ بمعنى الوطن.“

في قصيدة ”حكمة“ يقول هسي ”هكذا عليك ان تكون اخا واختا/ للاشياء كلها/ لدرجة انها تملاك/ فلا تفصل بين ما هو لك ولي/ ..لا ورقة ولا نجمة يجب ان تسقط/ الا ومعها انت يجب ان تزول/ وهكذا كل ساعة/ تبعث انت مع الجميع.“

وفي ”شكوى“ نقرأ مع الشاعر ”لا ثبات من نصيبنا. ما نحن سوى نهر/ مزمعين نجري في سائر الاشكال/ في النهار.. في الليل.. في المغارة وفي القبة/ مدفوعين بعطش الى الثبات نجري/ وكذا دون راحة نتخذ شكلا على شكل/ لا واحد منها يصير لنا وطنا.. سعادة وحاجة/ لا حقل يدعونا ولا محراث ولا خبز لنا ينمو.“

في ”مرثية في ايلول“ يقول ”محتفلا يعزف المطر اغنية/ في الشجر القاتم/ عبر الجبال الحرجية.. تهب سمرة مرتعشة/ ايها الرفاق.. الخريف قريب/ ها هو ينظر بطرف عينيه كامنا/ عند الغابة...“

في قصيدة “موت” حزن هاديء وارتفاع فوق امور الحياة كروح مفارقة ترقب من عل بلا مبالاة فرضت فرضا تحفل بأسى وبكاء صامت. يقول “عندما ارى صغارا يلعبون/ ولعبهم ما عدت افهمه.. وضحكهم غريبا يرن وسخيفا/ اه ان هذا من عدو شرير/ حسبته بعيدا الى الابد/ انذار لا يغيب.

“حين ارى اناسا طيبين/ ومكتفيا بالمسير استمر/ دون حنين الى النعيم/ اه ان هذا تنازل خفي/ في القلب عن اعمق شاعرية/ وعدت الشباب بالابدية.

”وحين اسمع حديثا رديئا/ دون ان اثور بشدة/ ومسترخيا اتظاهر اني ما سمعت شيئا/ اه عندئذ ينهض القلب/ هادئا دون وجع/ والنور المقدس يخبو.“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below