16 شباط فبراير 2009 / 08:10 / بعد 9 أعوام

ليانة بدر .. الموضوعات المبكية في حياة الفلسطيني

بيروت (رويترز) - مجموعة ليانة بدر الشعرية ”زمن الليل“ يشي عنوانها بما تنطوي عليه أو ببعضه.. فهي تصور أحزان الفلسطينيين ومعاناتهم وهذا شأن يصعب تصويره بكليته.

مما يلفت النظر ان قصائد المجموعة تحمل القارىء الى عالم رهيب من المعاناة والأسى وذلك يصح عن معظم هذه القصائد.

لكن لابد من الإشارة الى انه رغم كون ليانة بدر -الكاتبة والشاعرة الفلسطينية- ذات قدرة تعبيرية فنية تبرز في أعمالها كافة.. ففي هذه المجموعة يبدو ان الموضوع -أي الحدث الفعلي الموصوف- هو الذي يسبق الصورة الفنية أي انه يكاد يفرض نفسه مهما كان الزي الفني الذي يرتديه.

هذا لا يعني أي انتقاص من قدرة ليانة بدر الفنية في عملها الأخير بل المقصود هو ان ”عين“ صاحبة المجموعة ومشاعرها نجحت في التقاط مشاهد إنسانية فادحة مُبكية ومُذلة وتدعو الى الثورة على كثير من أمور عالمنا الحديث وقيمه وأفكاره.

انها مشاهد وحالات تفيض بالحسرة والألم وهي تبدو قادرة على ان تتكلم بنفسها ويكاد الكاتب أو الشاعر أحيانا ان يقصر في نقل شحناتها العاطفية سواء منها المُبكي والمُتفجر. نشعر أحيانا أثناء القراءة ان الشاعرة نقلت الينا بعضا مما صرنا نعرفه.. معايشة في داخل هذا العالم المقهور من هو فيه -ومن خلال ما يصلنها عنه عبر شعراء وكتاب فلسطينيين- بالنسبة الى من هم خارج هذا العالم.

أحيانا كانت ليانة بدر -وهذه تحسب لها لا عليها- تكاد تقتصر على نقل هذا الواقع البليغ التعبير في حد ذاته. انها تكتفي باختيار الزاوية التي تبرزه منها أو باختيار ”اللقطة“ كما يقول المصورون.

ورد كتاب ليانة بدر في 175 صفحة متوسطة القطع. قصائده وهي حوالي 80 قصيدة توزعت على ستة ابواب رئيسية. وقد صدرت المجموعة عن دار الساقي وبغلاف من تصميم ماريا شعيب.

استهلت ليانة بدر كتابها -وهو قصائد نثر- بكلمة اهداء الى الشاعر الكبير الراحل محمود درويش بدأتها بالقول ”تحية الى الشاعر الكبير محمود درويش اخا وصديقا ومعلما...“ وأوضحت ان الكلمة كانت قد كتبت قبل وفاته.

القصيدة الاولى ”مطر“ عميقة التساؤل وقد صيغت بمرارة وسط شعور بما يشبه وضعا عاما مما يسمى ”كلوستروفوبيا“اي رهاب الاماكن المغلقة او رهاب الاحتجاز. تقول الشاعرة ”الوب في /شوارع المدينة/ مفتشة عمن يفهم دهشتي./نزلت قطرات/ ماء/ من فم السماء / سقطت نقاط ضوء على رؤوس اصابعي/ أيعقل../ هل يمكن ان تنفرج/ بوابة الفضاءالسجين../ رغم اني في مدينة مقفلة..“ ترى ايعقل ان يكون القارىء محقا في زعمه انه يكاد يسمع وراء هذا التساؤل صوتا يقول ”الله كريم.. “

اما القصيدة التي تحمل عنوانا من كلمة صارت شهيرة هي ”المعبر“ فربما كانت صورة واسعة النطاق عن العذاب اليومي الذي يخضع له الانسان الفلسطيني. تقول ليانة في كلام مؤثر وان كان أقرب الى الكلام العادي ” هذه الارض/ قرب الجسر القديم/ اشتاق الى نسيمها/ الذي يربض فوق الجبال/ منذ اجيال../ غيمها يحلق منذ دهور/ ناسيا اشباح “الكينا” المقطوعة/ حين ازهقت بايدي الجنود/ قرب الجسر الحديدي...“

تضيف ببساطة واقعية تسيل سخرية وألما مرا على رغم شيء من التقريرية فيها ”نحن وحدنا/ في سيارة مغلقة/ ننتظر الاذن بالدخول/ الى بوابة دارنا../ ساعات وساعات ننتظر/ السماح/ دهور ودهور/ هذا هو ممر العذاب../ واخيرا سمح لنا بالعبور/ الى ما وراء الاسوار.“

في قصيدة ”مفتوح .. مغلق“ تتكرر صور الإذلال. تقول الشاعرة ”من بحر غزة الى جبال الضفة/ أبواب مقفلة/ وسماء مأسورة/ من الضفة الى غزة/سهول صفراء/ مزروعة بعباد الشمس../ ممنوع علينا النظر / ممنوع علينا التوقف / ليس الا الآثار بدلا من القرى / مقبرة بدلا من سبيل الماء.../ اخذوا الافاق الرحبة/ خلوا لنا طرقات النمل/ سحبوا الهواء العليل/ تركوا لنا الغبار والركام.“

ومن قصيدة ”اصدقاء الشهر الثالث“ المعاناة المعتقة تطل في صور من العذاب موحية مؤلمة. تقول ”يتهيأ لنا/ اننا مختلفون مثل/ هدير الريح/ على صنوج الشجر/ يتهيأ لنا ان الاشياء غيرها/ في البلاد الاخرى/ وأن سم أفعى/ لا يتوقف عن الهطول/ في فوهات آبارنا/ يهيأ لنا اننا لسنا بخير/ وان مياها صدئة روت/ عروق ايامنا.../ كلنا/ وجع يحرك ذراعيه/ وينفض ريشه/ فوق معاطفنا...“

وفي قصيدة ”عنق الزجاجة“ وصف أشكال العذاب على معبر اريز وفيها تقول ”ايه ممرات العذاب/ شهقات العمال في غسق كئيب/ على ممر مسيج بالذل.../ اريز/ غرف صفراء لفحص الامتعة/ وجوه شاحبة للمسافرين/ مزلاج باب يقفل/ فهل سيعلو السور كي يسقف السماء...../ قفازات عصرية/ لاياد متوحشة/ تفتش ثوب العرس/ تمحص الحقيبة/ خوفا من وجود الاحلام...“

ومما يلفت النظر ثلاث قصائد يبدو انها تتحدث عن حصار مزدوج للذات وللاخر. الوسطى هي ”الجسر“ القائم بين عالمين. اما الاولى التي تتحدث ” عنهم“ اي الاسرائيليين وعن ”الغوييم“ اي الاغيار فعنوانها ” المنسحبون“وكأن الانسحاب هنا جرى الى ”جيتو ذاتي“ جديد كبير. وفيها تقول الشاعرة ”يحملون ملفات موتاهم/ وصور جداتهم/ في صناديق من حرير/ يسحبون/ بقايا سجادهم/ تطاريز لهائهم الاخير/ وأنات اولادهم الباكين/ يطحنون مسحوق الامس/ يكدسونه في ممر/ ويعلنون انه الاخير/ ثم يبنون جدارا عاليا/ عسى السموات تبيد “الغير”/ ولا يبقى الا هم.“

القصيدة الثانية عنوانها ”البلديون“ ويبدو انها تعني ”السكان المحليين“ أصحاب الارض ”سابقا“. تقول ليانة ”بين ازقة ايامهم البائسة/ الملطخة بطحين السوس/ وراء آثار الجعل الفرعوني/ يدبون/ ... لم تعد السماء سوى جدار/ ولم يعد الدثار غطاء يخفي/ ما كشفه الإله/ لم يبق لهم/ سوى “صخرة سيزيف”.“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below