1 حزيران يونيو 2009 / 09:24 / بعد 9 أعوام

يوسف عبد العزيز .. صور غريبة موحية في "ذئب الأربعين"

بيروت (رويترز) - قصائد مجموعة ”ذئب الأربعين“ للشاعر يوسف عبد العزيز تحفل بأجواء متعددة متداخلة أحيانا ومتجاورة باستقلالية من نوع ما في أحيان أُخرى.

لكنها في كثير منها تحفل بغرابة ممتعة وبصور مميزة موحية تصل الى عالم سريالي أنا وتبدو معلقة في فضاء مستقل أنا آخر يسعى القارىء بصعوبة الى ان يكتشف صلة نسب أو ترابط بينه وبين بيئتها في عالم القصيدة.

مجموعة يوسف عبد العزيز الشاعر الفلسطيني الاردني جاءت في 141 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وبغلاف مميز حمل لوحة للطفل ناصر زهير ابو شايب ذي السنوت السبع من العمر.

اشتملت المجموعة على ما لا يقل عن 39 قصيدة وردت تحت عناوين رئيسية بدت أقرب الى أقسام مختلفة في الكتاب. العناوين المعبرة الموحية هي ”قلب مطري“ و”غبارها العالي“ و”معابد ليلية“ و”مرايا العزلة“ و” كؤوس طافحة بالعدم“ و”شجرة نسيان في حديقتي“ و”مرايا البيت“.

أما الإهداء الموجه الى عدد من الأدباء الأصدقاء كما يبدو فكان ظريفا اذ جاء كما يلي ”الى عائلة الذئاب.. زهير ابو شايب .. طاهر رياض.. عمر شبانة.. محمد لافي ويوسف ابو لوز.“

الغلاف حمل وصفا للكتاب كتبه زهير ابو شايب وجاء فيه ”ظل يوسف عبد العزيز منذ بداياته الاولى مخلصا للقصيدة “المشهدية” التي كرسته واحدا من أهم شعراء الثمانينات لا في الساحة الفلسطينية ( الاردنية فقط بل في الساحة العربية بأسرها.“

اضاف ابو شايب وأحيانا بلغة أو مصطلحات غير واضحة الحدود تبدو هي أحيانا أقرب الى الشعر ”وقد تميز نصه الشعري بنزوعاته السريالية التي جعلته يقترب أحيانا من الكتابة الشطحية الرؤيوية فيما كان النص المشهدي عموما يجنح باتجاه الواقعية التفرجية وينزلق شيئا فشيئا مع موجة حداثوية تدعو الى البحث عن شعرية خارج الزمان في فضاء تجريدي داخلي منفصل عن أي تعالقات سياسية.“

ومن وصفه الذي يلفت النظر لنص الشاعر قوله ”لم يتحول العالم عنده الى خزان بصري بارد نمارس إزاءه غيبوبتنا التفرجية بل ظل مادة للرؤية والتفاعل مع كل تلك التحولات التي تجري بسرعة مذهلة على جسد العالم وتتركنا فزعين من هول ما نرى...“

القصيدة الاولى ”ذئب الاربعين“ جميلة بكل حسراتها وصورها المؤثرة المعدية وفيها ما يذكّر -إيقاعا على الاقل في مطلعها- بأجواء من حقبة سالفة كبعض قديم ادونيس مثلا. يقول الشاعر ”في سفوح الاربعين/ جسدي زوبعة حمراء/ والمرأة طين/ في سفوح الاربعين/ السماوات التي كنت على قبتها/ اشرد كالنسر/ استحالت/ ورقا أصفر في قبو السنين...“

وسرعان ما ينتقل الى صوره الغريبة المتمايلة بجمال بين رمزي وسريالي فيقول ”في سفوح الاربعين/ تفتح المرأة تابوتا لقتلاي/ ويمضي القمر الثعلب في اثري/ الى الحانة/ والليل يعلّي سوره حولي/ ويغتال الحنين...“

تسير القصيدة الى ختامها بحزن جميل يتنكر بقناع من حيادية تدعي الوصفية الخالصة. لكن كل ذلك لا يخفي الحسرات ولعل هذا من عناصر جمال القصيدة. الانسان مكره أحيانا على مهادنة الحياة لكن الحسرات يصعب ان يلجمها نهائيا ”كاتم للصوت“ او ”حاجب“ يبعدنا عن رؤية لون الاسى ومشهد الايام الافلة.

يقول “لم يعد في البال غيم امرأة/ يلعب بالقلب/ ولا برق يدين/ تبذران الريح بالحمى وهال النار/ طاشت وردة الانثى/ على ماء الصباح الرخو/ والحب بكى حين رأى صورته الصفراء/ في المرآة../ أسود تحت الجناحين/ فراش ميت في قفص الصدر/ ورمح في الجبين.

”وحده في النفق المعتم/ ذئب الاربعين/ يملأ الأرض عواء ويشم الميتين.“

وقد يجد القارىء نفسه يتساءل.. ترى ألم يكن من الأجمل بعد بلوغ صورة هذا الذئب الكهل -الجميلة- الا يتبعها الشاعر بكلام يبدو تقريريا باردا لم يزد شيئا على موحيات تلك الصورة الرائعة بل يبدو انه انقص منها بان صوب نسمة هواء باردة لا تنسجم مع جو القصيدة الاخير.

في قصيدة ”كتاب الشك“ تصوير لحالات من العزلة والوحدة. لكنها على تميز في صورها جاءت باردة تقريرية و”منطقية“ الى حد ما. يقول ” الليلة/ صادفت العزلة في البيت/ وقد لبست أجمل قمصاني/ كانت تشرب من قهوتي المرة/ ايضا/ وتدخن تبغي/ وتقلب ما يشبه مخطوطا لي/ كانت تجلس على كرسي/ مثل الملكات...“

اما قصيدة ”وجه الرجل المرأة“ الجميلة الموحية فهي نموذج ناجح يمثل كثيرا من السمات الجيدة في شعر يوسف عبد العزيز. غرابة لكنها جميلة وموحية وتحمل الى القارىء -شأن الشعر الجيد الذي عليه ان يشبه الموسيقى كما يقول الرمزيون- عوالم ومشاعر عديدة وتحرك نفسه في اتجاهات غير محددة.

يقول “بجدائله البيضاء/ وعباءته الفضية/ كان الموت يدور على الحانات/ رأى في احدى المرات فتى أسمر/ قال له.. تذكرني../ ثم دعاه الى كأس في زاوية/ معتمة من الحانة.

”في هذي اللحظة/ حط غراب الذكرى.../ مرت في البال سماوات بيضاء/ مدن نائية/ وشتاء كهل كان يغني/ ويرش الاشجار بسكّره الناعم.“

وتنقلب هنا عند الشاعر صورة ”البابا نويل“ او ”فاذر كريسماس“ وعربته ”الزلاجة“ الشهيرة على الثلج وتتحول هذه الشخصية التي دخلت اذهان الملايين وخيالهم الى ”حوذي الموت“ الذي يسوق ضحيته بصورة تذكرنا باقتياد بطل محاكمة فرانز كافكا الى الموت ليلا عبر مدينته وشوارعها.

يقول الشاعر ”يا حوذي الثلج/ الى اين ستأخذني/ في هذي الليلة../ يا حوذي الثلج تمهل لارى امي/ قبل السفر الموحش في الغابات...“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below