13 كانون الأول ديسمبر 2009 / 07:48 / بعد 8 أعوام

غسان شربل.. عن العراق وصدام

بيروت (رويترز) - يتسم اسلوب الكاتب والصحافي اللبناني غسان شربل بسمات تجعله مميزا وممتعا حتى عند الكتابة عن الامور البشعة والرهيبة.

<p>فتاة تحمل صورة صدام حسين عند قبره بقرية العوجة بالقرب من تكريت يوم 28 ابريل نيسان 2008 - رويترز</p>

وليس المقصود هنا تماما الحديث عن خلق الجمال من القبح كما يقال في الادب اذ ليس هناك جمال في كثير مما يتناوله غسان شربل في كتابه الجديد. اسلوبه يشع بحيويته ولباقة وتوقد. الملكة اللغوية والنفحة الادبية عنده تسيرهما قدرة على جعلهما يرفدان التحقيق والبحث والكتابة الصحافية عامة فيرفعانها الى اعلى فلا يتحول الامر الى عبء عليها او الى شأن تاريخي جاف او شبه اكاديمي مع انها تبقى تتسم بروحية ذاك وهذا. ويصح وصف كثير منها بانه حقائق تاريخية او يمكن القول في أسوأ الحالات انها شهادات تاريخية ووجهات نظر شديدة الاهمية.

وفي شكل عام يسهل وصف كتابات غسان شربل بأن فيها قربا مما سمي ” السهل الممتنع“. وهي تتميز بعمق التحليل وبوعي تاريخي يمتد في نصوصها المختلفة مشكلا في مراحل كثيرة منها رابطا يكون جليا حينا او يكشف الكاتب ما استتر منه احيانا.

اما عنوان الكتاب فهو دال ومعبر بما يؤلم ويرعب. انه ”العراق من حرب الى حرب..صدام مر من هنا“. الشق الاول من العنوان واضح يختصر ما يعرفه من تابع اخبار العراق منذ اواخر العقد الاول من النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم حتى اليوم. اما الشق الاخر اي ”صدام مر من هنا“ فهو ينطوي على رمزية وواقعية كما انه مألوف في عالم العنف عامة.

لكن ثمة ما يوحي للقارىء هنا بأنه ربما كان اكثر ارتباطا ببعض شعارات الحرب الاهلية اللبنانية والتي كانت تنتشر على جدران مناطق مهدمة ومحترقة تفوح منها رائحة الموت. من هذه الشعارات التي كانت تحمل اسماء ”حركية“ مفجعة والناطقة بوضوح قتال.. ”ابو الموت مر من هنا“ و”ابو الليل مر من هنا“ وأخيرا لا اخرا ”ابو الجماجم مر من هنا“. ترى هل نحن بحاجة الى مزيد من الشرح لوضع هذا البلد العربي المعذب.

ويشعر القارىء بشعور غالب هو ان غسان شربل رئيس تحرير صحيفة ” الحياة“ اليومية لم يأت من عندياته بما يسيء الى الرئيس العراقي الراحل او يمدحه لكنه جمع قائمة من الاتهامات وحلل واستخلص بناء عليها وبأسانيدها. انه صحافي وكاتب بارز على قدر كبير من الحيادية.

ما ورد في الكتاب مأخوذ من مقابلات اجراها غسان شربل مع شخصيات عراقية بارزة هي حازم جواد وصلاح عمر العلي ونزار الخزرجي وأحمد الجلبي. ورد الكتاب في 395 صفحة متوسطة القطع وصدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت.

كتب شربل في المقدمة يقول ”شعرت بشيء من القلق حين وقفت قرب جدار برلين المتداعي. كان الجدار حدود دولة وحدود امبراطورية... ومن الحطام السوفياتي ستولد روسيا وقياصرتها الجدد. وستفوز الولايات المتحدة بلقب القوة العظمى الوحيدة. وسيولد لها في بداية القرن الجديد اعداء جدد بلا عناوين معروفة. سيدمون رموز نجاحها وهيبتها وسترد بما يدمي اكثر من دولة ومنطقة.“

اضاف ”بعد اربعة عشر عاما شعرت بخوف عميق حين شاهدت من بعيد دبابة امريكية تقتلع تمثال صدام حسين ونظامه وتجول في شوارع بغداد. كان المشهد اكبر من القدرة على الاحتمال. فهذه بغداد كائنا من كان حاكمها.. لاسمها رنة في تاريخ العرب والمسلمين. وهذا العراق كائنا ما كان نظامه.. شرايينه موصولة بشرايين المنطقة.. مقلق حين يكون قويا ومخيف حين يستضعف او يستباح.“

يختصر الكاتب كثيرا من العنف الرهيب الذي نقله لنا من خلال بحثه مع شخصيات عراقية رفيعة كان لها اثر مهم في تاريخ العراق الحديث ويربطه بسمة توصف بأنها تاريخية لحكام هذا البلد. يضيف بأسلوب الاختصار البليغ الذي يحمل الكثير في جمله القصيرة او في شبه جمله ”يقول التاريخ انه ليس من عادة سيد بغداد ان يتقاعد. خياراته محدودة. القصر او القبر. عليه ان يستعد دائما لغزو مدمر. شهيات الامبراطوريات المحيطة به مفتوحة. وعليه ان يتنبه لمكائد الداخل ومكائد الخارج. طعنة غادرة.. او لسعة سم.. او خروج منقذ ناقم من عتمات الثكن. وفي هذا السياق يبدو صدام حسين ابنا شرعيا لهذا النهر من القساة. طبيعيا في صعوده حتى التسلط المطلق وطبيعيا في نهايته معلقا وسط صيحات الثأر.“

المعلومات تتدفق غزيرة من خلال اسئلته وأجوبة الشخصيات الاربع عنها.. عن كل ما عرفه القارىء فجاءه الان توضيح له او تصحيح او نفي او رواية اخرى.. وعن كثير مما لم يسمعه او يقرأه قبلا. الانقلابات. المؤامرات. الاغتيالات. القرارات السياسية. الخلافات بين الاخوة الاعداء. شخصية صدام حسين وعقليته واعجابه بستالين مثلا وتعامله مع رفقائه وقادته ودول العالم. نهاية صدام.. وكثير غير ذلك.

نقرأ مثلا عن بعض الاحداث المصيرية الضخمة. يختصر الكاتب في المقدمة ما روته له احدى هذه الشخصيات اي نزار الخزرجي ويقول “رن جرس الهاتف في منزل الفريق اول الركن نزار الخزرجي رئيس اركان الجيش العراقي. انه الثاني من اب اغسطس 1990 . سارع الى مقر القيادة العامة فاستقبله سكرتيرها الفريق علاء الجنابي بجملة قصيرة قاتلة هي ”اكملنا احتلال الكويت“

”شم الخزرجي رائحة الكارثة وشعر بالاهانة. بعد قليل وصل وزير الدفاع عبد الجبار شنشل فعاجله الجنابي بالجملة نفسها. هذا يحدث في العراق وحده. يجتاح الجيش بلدا مجاورا من دون معرفة رئيس الاركان ووزير الدفاع. لم يكن الاعتراض واردا.. ففي جمهورية صدام حسين لا تجرؤ سبابة على الارتفاع.“

ويتابع ”بعد ايام سيأتي من يأخذ الرجلين للقاء “السيد الرئيس” وكالعادة يبقى مكان اللقاء سرا. ادخلا الى كارافان في منطقة الرضوانية ثم جاء صدام. تذرع بأنه اراد الاحتفاظ بعامل المفاجأة ولم يتردد في القول انه “حرر الكويت” بالوحدات التابعة له مباشرة...“

اولى هذه الشخصيات الاربع حازم جواد الذي نقل الكاتب في بداية القسم الخاص به قولا لسياسي عراقي جاء فيه باختصار عن حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق مدة طويلة ”قصة البعث في العراق لا يمكن اختصارها بعودته الى السلطة في 17 يوليو تموز 1968 على يد احمد حسن البكر وصدام حسين. سيبقى عملك ناقصا ما لم يشمل وصول البعث الى السلطة للمرة الاولى في 8 فبراير شباط 1963 وهو ما يعرف بثورة 14 رمضان التي انهاها الرئيس عبد السلام عارف بعد تسعة اشهر.“

ونقل عنه قوله ايضا ان ”خزانة اسرار تلك التجربة موجودة لدى قائدها ومهندسها حازم جواد...“

تلاه في الترتيب صلاح عمر العلي وهو ابن تكريت مدينة صدام والذي كان عضوا في مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية للبعث ووزيرا للنقل قبل ان يبعد الى سفارات متعددة. اما اخر الشخصيات في ترتيب الكتاب فهي احمد الجلبي رئيس ”المؤتمر الوطني العراقي“.

يقول الكاتب عنه ”لا تنكر الكتب والمقالات والاحاديث ذكاء الرجل ودوره الحاسم في اغتيال نظام صدام حسين. لكن معظمها يمطره باتهامات خطيرة.. انه الرجل الذي دفع امريكا الى الحرب.. انه الرجل الذي ضلل الاستخبارت الامريكية واخترع شهودا فبركوا روايات اسلحة الدمار الشامل والمختبرات الجوالة...“

اما ما يقوله الجلبي فهو كثير يستغرق قسما بارزا من كتاب يشكل قراءة ممتعة والى حد بعيد سجلا لوثائق تاريخية وان تضاربت في بعضها الاراء.

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below