6 حزيران يونيو 2010 / 12:18 / بعد 8 أعوام

"قهوة سادة" لزاهي وهبي ..في مقاهي بيروت..الحرية طبع لا تطبع

بيروت (رويترز) - هي شهادة ”شاهد من اهله“ بهذه العبارة يمكن وصف جديد الشاعر والاعلامي اللبناني زاهي وهبي ”قهوة سادة..في احوال المقهى البيروتي“ الذي يختصر بين غلافيه الاول والاخير حكاية ربع قرن من ”الاقامة“ في مقاهي بيروت وخصوصا مقاهي شارعها الاشهر.. الحمرا.

رحلة ممتعة يأخذ وهبي القارىء من خلالها الى عوالم المقاهي البيروتية ومزاجها وخصوصياتها انطلاقا من المعايشة اليومية لهذه الامكنة وما مر عليها من وقائع واحداث قد تبدأ بقصة حب عادية بين مراهقين ولا تنتهي بعملية للمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي كما حدث في مقهى الويمبي ذات صباح من خريف عام 1982 ابان الاجتياح الاسرائيلي للعاصمة بيروت.

”قهوة سادة..في احوال المقهى البيروتي“ الصادر عن ”منشورات الدار العربية للعلوم- ناشرون“ بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية و”بيروت عاصمة عالمية للكتاب“ يقع في 155 صفحة من القطع الوسط ولوحة الغلاف للرسام السوري خالد ابو الهول.

الممتع في كتاب وهبي المصاغ بلغة اقرب الى السهل الممتنع والموشاة بتطريز شاعري ناعم انه لا ينحو باتجاه التوثيق الجاف او التأريخ الناشف بل يأخذ طابعا وجدانيا حميما يؤنسن علاقة المؤلف بامكنته ”اذ ليس المقهى مجرد مكان. ليس مجرد مساحة وارائك وطاولات وفسحة لتزجية الوقت او تصريف الاعمار“ بل تغدو مقاهي بيروت في نظر وهبي ”كائنات حية تعيش اقدارها ومصائرها.“

هذه العلاقة الانسانية الحميمة بين الشاعر ومقهاه دفعت كاتبة المقدمة الاعلامية رابعة الزيات وهي زوجة المؤلف الى اشهار ”غيرتها“ من المقهى معلنة انه غريمتها ”وكأني بزاهي يسعى الى تأنيث المكان انطلاقا من انتصاره لانوثة الحياة باحثا عن مكامن هذه الانوثة في المدينة عموما وفي المقهى خصوصا.“

زاهي وهبي الذي اصدر حتى الان ثماني مجموعات شعرية وستة كتب نثرية ينقل في جديده ”روح المدينة“ الى صفحات الكتاب الذي اهداه الى ”ندلاء المقاهي صناع الالفة والمودة“ في اشارة الى الصداقة المتينة التي تنشأ بين رواد المقاهي والعاملين فيها وبعضهم استشهد وهبي برأيه وبرؤيته للمقهى ولدوره في الحياة المدينية مثلما استشهد باراء ووجهات نظر لعشرات الرواد من مثقفين وطلاب ونشطاء لبنانيين وعرب من مختلف الاجيال والاعمار خصوصا وان بيروت ”تتسع على الرغم من كل الضيق الذي يعتري بلاد العرب ومن محاولات التضييق التي تعرضت وتتعرض لها المدينة الموصوفة بشهدائها وشعرائها على مر الايام.“

الحرية طبع لا تطبع هذا ما يخلص اليه وهبي في تحليله لواقع مقاهي بيروت ودورها في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية وانطلاقا منها نحو تحليل المتغيرات الديموجرافية والعمرانية التي اصابت العاصمة اللبنانية في العقود الاخيرة.

”ولئن استطاع الطبع المدني والاهلي لبيروت ان يهزم -حتى الان- تطبع الحروب وشروخ الانقسامات رغم كل الندوب الواضحة الجلية البادية للعيان فان الارث المديني الراسخ لمنطقة الحمرا ومحيطها جعلها في منأى عن التطييف والتمذهب... وملاذا لطبقة وسطى هي عماد المجتمع وصمام امانه...“

يعطي وهبي مساحة واسعة لشارع الحمرا ومقاهيه التي كانت وكان لها مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للبنانيين والعرب مثل ”الهورس شو“ و”الاكسبرس“ و”فيصل“ و”الويمبي“ و”المودكا“ واقفلت تباعا او تلك المستجدة والتي تشبه زمانها وروادها بحسب المؤلف الذي ركز على الحمرا ”الشريان الابهر في قلب المدينة“.

لكنه لم يغفل مقاهي ”الداون تاون“ والاشرفية وفردان والضواحي مميزا بين المقاهي ذات الطابع او المزاج الثقافي الادبي حيث ولدت حركات ادبية وفكرية وسياسية او تلك التي تأخذ طابعا سياحيا او تجاريا بحتا.

اذا كانت بيروت ”مسقط القلب“ كما يحلو لزاهبي وهبي ان يطلق على المدينة التي يعشقها فان المقهى هو الرحم الذي يتشكل فيه الكثير من اجنة الابداع فكم من المؤلفات والروايات والقصائد والاعمال المسرحية ”ولدت هنا“ في مقاهي بيروت وعلى ارصفتها التي تنبض بالحياة على الرغم من كل الذي جرى فيها ولها.

وما من نبض لحياة بدون الانوثة التي ينحاز اليها وهبي وينصرها في شعره وفي نثره وها هو في ”قهوته السادة“ يتحدث عن ”انوثة المكان“ منتقدا الذين يربطون هذا المقهى او ذاك باسماء ادباء وشعراء ذكور متجاهلين النساء المبدعات اللواتي يرتدن هذه الامكنة ”فحضور المرأة وشراكتها الفعلية في المشهد الانساني الاجتماعي اليومي يجعل للمقهى عطرا خاصا.“

واذ يعطي وهبي حيزا للمرأة التي “تهب الحياة اليومية كرما في الجمال والاناقة” فانه لا يكتفي بالكتابة عن اناقة المظهر بل اناقة اللمسة والحضور والشراكة الابداية في تأليف“ الحياة.

كثيرة هي الافكار والوقائع التي يستعرضها وهبي ويستخلصها من خضم المقاهي البيروتية حتى يبدو كتابه شهادة حية لا عن المقهى فحسب بل عن المدينة نفسها ليقدم نفسه من خلال كتابه الاخير لا كشاعر او اعلامي معروف بل كناقد ذي عين بصيرة وقلم ثاقب يجيد التقاط التفاصيل ليبني منها عمارة نقدية شاهقة.

نادرة هي الكتب التي التقطت “روح” المقهى كما فعل زاهي وهبي الذي صنع “ قهوته” بكثير من الحب والشغف لكن هل “وقع في فخ المغالاة..” كما تساءلت زوجته نفسها في المقدمة التي كشفت فيها ان قصة حبهما وزواجهما بدأت في مقهى “سيتي كافيه” في منطقة راس بيروت“... اي في قلب المدينة.

لكن يبقى السؤال هل ينجو عاشق من الغلو والمغالاة وزاهي وهبي عاشق كبير سواء في شعره او في نثره لا للمرأة او المدينة فحسب بل للحياة..

من ليلى بسام

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below