1 تموز يوليو 2010 / 08:10 / بعد 7 أعوام

سعيد الغانمي.. قديم باسئلة تتجدد

بيروت (رويترز) - كتاب المؤلف العراقي سعيد الغانمي ”الكنز و التأويل... قراءات في الحكاية العربية“ يحمل اسئلة يبدو انها والى حد بعيد تتجدد استنادا الى مقارنات ومقاربات مدروسة. ولان كثيرا منها يرتبط بالمخيلة البشرية وتوق الانسان الى الربط بين التجارب البشرية المختلفة او اظهار الفرق بينها وهو نوع من ”الربط“ وان بدا انه يسعى الى ”الفصل“.

وليس هناك فعلا تناقض في هذا القول وان بدا كذلك. فحين نتحدث عن التناقض فاننا كما في حديثنا عن التشابه والتكامل انما نتحدث عن تجارب الانسان عبر مسيرته التاريخية والثقافية ونتناول سمات من هذه المسيرة عبر تعدد ألوانها التي تعبّر عن الوضع الانساني.

الطبعة التي صدرت من كتاب الغانمي وصفت بانها ”طبعة الدار العربية للعلوم ناشرون الاولى“ بينما ذكر ايضا انها صدرت عن الدار البيروتية المذكورة بالاشتراك مع ”منشورات الاختلاف “في الجزائر العاصمة. اما كلمة الكاتب فقد اوضحت الامر اذ حملت عنوانا هو ” كلمة الطبعة الثانية.“

وجاء في الكلمة “مرّ على هذا الكتاب ما يزيد على عشرين سنة وعلى صدور طبعته الاولى ما يقارب ذلك. لكنني اعتقد انه ما يزال يحتفظ بما يفاجيء به قارئه مع كل قراءة جديدة. ولست انكر بالطبع انني وسّعت كثيرا من موضوعاته واعدت النظر في بعض الحكايات التي حللتها فيه. على سبيل المثال تناولت من جديد ”حكاية الحالمين“ بعد صدور رواية ”الخيميائي“ ( لباولو كويلو) واعدت النظر في حكاية ” الرداء المسموم“ من حكايات امريء القيس في عمل لم ينشر بعد عن ” الاستعارة الملبسية“...

الكتاب الذي جاء في 108 صفحات متوسطة القطع اشتمل على الحكايات التالية “حجر سنمّار.. الحكاية اللانهائية”و “حكايات امريء القيس ..البحث عن ”اوديب عربي“ و”حكاية حاسب كريم الدين ..بلوقيا والسرد والخلود“ و”صندوق وضّاح اليمن ..الحكاية المحرّمة“ و”سلامة والقسّ.. ترويض الحواس“ و”ابو حيّان الموسوس والماء ..الحكاية المجنونة“ و” الرؤيا والكنز والتعبير .. حكاية الحالمين.“

وتحت عنوان ”تمهيد“ اورد المؤلف كلاما لابن عربي في ”الفتوحات المكية“ ليتحول هذا الكلام الى ”مفتاح“ لكثير مما اراد الكاتب ان يجعل الحكايات تنطق به او فلنقل مما يعتقد ان هذه الحكايات تنطق به خفية او رمزا. قال ابن عربي”الكلمات كنوز وانفاقها النطق بها.“

قال الكاتب بعد ذلك كلاما يحفل بالعمق والمتعة الفكرية “ليس فينا من لا يتذكر الحكاية التي سمعناها صغارا ..خلّف رجل لاولاده ارضا واخبرهم ان في الارض كنزا. وبعد ان مات حفر الاولاد الارض ووجدوا ان الكنز هو الارض نفسها هذه الحكاية اتذكرها وانا افكر بمكافأة القراءة ففي القراءة درر وكنوز ايضا ...

”ومثلما ينشأ حول الكنوز الحقيقية صراع تملّك ينشأ كذلك حول الكنوز الحكائية. يزعم “المؤلف ” انه صاحب الكنز الذي اودعه في الكلمات ويزعم القارىء انه وحده الذي اكتشفه فهو مالكه الحقيقي.“

ويتحدث سعيد الغانمي هنا عما وصف قبلا بانه نوع من الشراكة بين الكاتب او الشاعر وبين القارىء. يقول “صراع ملكية الكنز الحكائي صراع حكائي ايضا بين صاحب الكنز ومكتشفه او كما يجب ان نقول هنا بين كاتب النصّ ومؤوله. الحكاية كنز والتأويل فعل اكتشاف الكنز. ومثلما لا يكتمل الكنز المدفون ولا يكتسب هويته الا بالعثور عليه كذلك لا تكتمل الحكاية الا بالتأويل الذي يعطيها معناها في سياق معيّن.

”وليس التأويل المشار اليه هنا هو “المعنى القصدي” الذي زرعه المؤلف في مكان ما في نصّه ولا المعنى النهائي المكتمل الذي سيزعم القارىء انه المعنى الوحيد. فالنصوص تتعدد بتعدد القراءات وما من قراءة يمكن ان تشارف نهاية العالم فتدّعي لنفسها حق الاكتمال... وكلما تعددت القراءات والتأويلات تعددت النصوص...“

بهذه الروحية والمفاهيم ينطلق الغانمي الى قراءة او اعادة قراءة تلك الحكايات العربية. وللقارىء هنا ان يتوقع الممتع والغريب وان بدا للقارىء احيانا ان هذا الممتع الغريب ”موغل “ في الغرابة..ألم يقل الكاتب بحق بتعدد القراءات..

في ”جزاء سنمّار“ التي اختلطت بالاسطوري يسعى الى التمييز بين ”ما هو تاريخي وما هو حكائي فيها...“

قال الكاتب متحدثا عن طلب النعمان تخليد نفسه من خلال القصر الشهير الذي بناه سنمار وجعل فيه حجرا سريا اذا ازيح تهدم القصر كله ”هذا القصر الخيالي لم يقدمه سنمار الى الملك حتى الان (في القصة) واكتفى بان اهدى اليه لانهائية كاذبة عرف الملك فيما بعد انها لا تدوم. حجر سنمّار اذا بحسب احتمال كونهما عدوين ليس حجرا بل استعارة. انه سنمار نفسه الذي ينافس الملك في اللانهاية ويمنعها عنه ... الاحتمال الثاني ان يكون سنمار صديق الملك الحميم فقد اعطاه اللانهائية فماذا سيعطيه الملك.. الذهب والفضة.. هل يكافىء ما يتناهى بما لا يتناهى..“

يتساءل الغانمي عن النعمان في حكاية جزاء سنمّار فيقول ”هل النعمان هو النموذج الوحيد للبحث عن اللانهاية.. قبل النعمان كان هناك نموذج مماثل- هل كان قبله حقا..- هو الامبراطور االصيني “شيه هوانج تي” الذي بنى سور الصين العظيم واحرق الكتب جميعا ...كان احراقه الكتب نوعا من التخلص من الماضي وتبشيرا ببداية جديدة للزمنٍ...لكن شيه هوانج تي والنعمان السائح كليهما نسخة مكررة من ملك اقدم بحث عن اكسير الحياة لكنه لم يفلح. انه جلجامش الذي فقد صديقه انكيدو كما فقد النعمان صديقه سنمّار...“

في“حكايات امريء القيس.. البحث عن ”اوديب عربي“ يقول سعيد الغانمي ان عمل الباحثين كان ”ان يخلّصوا ماهو واقعي مما هو اسطوري وحكائي. ونريد هنا ان نقلب الاية فنخلص ما هو اسطوري وحكائي مما هو واقعي وتاريخي .فحياة امريء القيس في مجموعها تشكل سلسلة من الحكايات التي ستكشف القراءة الفاحصة انها حكاية اواسطورة تشظّت وتفرقت الى عدد من الحكايات.“

وتحدّث عن امور مختلفة في الحكاية منها طرد حجر ابي امريء القيس ولده الشاعر وما نسج حول الاسباب ليصل الى الشبه بينها وبين قصة اوديب والنبوءة التي قالت انه سيقوم عن جهل منه بقتل ابيه ويتزوج بامه. واورد هنا عمليتي طرد الاولى للطفل امريء القيس بسبب قول كاهنة حجر ان الاب سيتعرض للخيانة والقتل من اقرب الناس اليه فنفي ابنه وطلب من حاجب قتله لكن الحاجب كما في قصة اوديب اشفق عليه وابقى على حياته مدعيا قتله.

وتحدث عن الطرد للمرة الثانية لان الابن تشبب بنساء ابيه والامر هنا يشبه الى حد ما زواج اوديب بامه. ويورد الكاتب احتمالات اخرى مقلّبا الامر على وجوه مختلفة.

وفي سائر الحكايات يطرح الغانمي اسئلة ويقدم اجوبة من هذا النمط ويعيد ”فهم“ الحكايات بما يجمع بين التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع والنقد الادبي وطبعا الخيال المبدع الذي يجعل هذا النوع من ”القرّاء“ شريكا في العمل الحكائي وما وراءه.

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below