25 آب أغسطس 2010 / 06:58 / بعد 7 أعوام

حنان عاد.. توتر شعري وهندسة بلاغية وطابع شخصي رغم سلسلة اسلاف

بيروت 25 اغسطس (رويترز) - لعل بين ما يميز ”حريتي في فمي احمل“ وهي مجموعة قصائد الشاعرة اللبنانية حنان عاد سمات لغوية راسخة مع هندسة بلاغية تطل برأسها بين فترة وأخرى وتوتر شعري لا تحجبه هذه البلاغية او تضفي برودة عليه وسمات شعرية لعدد من الاسلاف دون ان يطغى كل ذلك على تميز شخصي في المشاعر والاسلوب.

في المجموعة نتبين ملامح ونبرات من انبياء التوراة او من نبرة ونفس دينيين وجو تأملي ومن نبي جبران خليل جبران بشكل خاص ومن قصائد ونفس لمحمد الماغوط.

المجمموعة التي صدرت عن دار درغام للنشر وردت في 84 صفحة هي الى القطع الكبير اقرب وفي خمس قصائد طويلة او فلنقل في خمسة ابواب شعرية بالاضافة الى باب عنوانه ”مقتطفات نقدية“.

وحنان عاد المقيمة حاليا في النمسا هي شاعرة وناقدة ادبية لها اسهامات كثيرة ومهمة في مجال الصحافة الادبية وهي ايضا مترجمة ومعدة برامج تلفزيونية واذاعية وقد فازت بعدة جوائز.

اما عناوين القصائد فقد جاءت على الصورة التالية.. ”العمر الافل كمجنون“ و”اعدوا للكون وليمة الرحمة انشدوا رخيما لمكفوفي القلوب“ و”لن اخشى ما ارى“ و”هناك للدفء ينصبون قوس نصر“ و”الان انا يد يمنى تدير طاحونة الروح“.

نبدأ من البداية. والبداية هنا هي العنوان المكتوب بنوع جميل من ”الخطوطية“ الفنية و”المشروح“ بعد ذلك مباشرة بخط اوضح. العنوان قد يبدو للقارىء اشبه بشطر من بيت شعري موزون. وهو يدل على قدرة بلاغية بمعنى انها من خلال التقديم والتأخير تقول الفكرة بوضوح لكنها ايضا تخلق ايقاعا خاصا بها وان اتسم بتلك القدرة اللغوية التي ربما بدت صاحبة المنزلة الاولى في العملية الشعرية.

القصيدة الاولى ”العمر الافل كمجنون وسيم“ بأناقة كلمات عنوانها وصورها وايحاءاتها نموذج ممتع لما تتسم به القصيدة بل والى حد بعيد القصائد ككل.

في القصيدة صوت ومسرح امامه وأمامنا هو العالم. صوت مشبع بالبكاء بمزيج غريب من الحسرة والحنين احيانا كأنه يأتي من اقاصي العمر وصولا الى كثير من ادنى مجالاته. فيها خطابية بمعنى ان الصوت يدوي عبر المسرح المذكور وأحيانا يهمس من فوقه همسا ضاجا ومقلقا. تقوم بنوع من ”جردة الحساب“ للعمر الافل من خلال تتابع ”كنت لم...“

تقول ”كنت لم اشحذ قلمي كما اشتهي/ لم اسنن ذاكرتي/ بحدة الامي/ كنت لم افرغ بعد من الصراخ/ لم اقفز على حبال صمتي العالي/ كنت لم ارد الرياء/ قتيلا استحق فناءه شديدا..“

تضيف ما يبدو اتيا من عالم قصص الاطفال السحرية والاساطير وبلغة ثرية بالمجازات وبالرموز الاشد اكتمالا ”كنت لم احل قاتلي/ ضفادع بلهاء/ لا ترعوي عن نقيق/ كنت لم امر بعد/ شرودي الطويل المرير/ بالانتحار على صخرة سكوني/ كنت لم اجتز بعد/ مطارات تجمل بالسفر/ وجنتي الارض/ كنت لم أضمخ بالاريج/ نهرا من القلق ينهشني...“

تضيف في ما بدا دخولا للمنطق ولمجردات او لكلام عقلي تقريري الى حد ما وأقرب الى النثر الى عالم دفء القصيدة مستنزفا بعض حرارته لحساب فكرة ” كنت لم اهمس جيدا/ لامير الخلق داخلي..انهض/ فينهض باجلال مهيب/ كنت لم اناد بعد انتظاراتي/ من رهاب الوهم.“

لكن حنان عاد سرعان ما تعود الى اندفاعتها التصويرية الايحائية الدافئة لكنها تأتي هنا يواكبها ما اشرنا اليه من مجردات وعمل عقلي. ”كنت لم ارحل بعد/ الى اقاصي شيخوختي/ كي يكون لي ملء الفتوة/ ملء النضارة/ حتى ارتماءالكواكب في المسرة...“

وتتابع في هذا التكرار الذي مهما كان وقعه جيدا فهو على الارجح سيسرق بعضا من الدفء الشعوري ليضيفه الى التقريري وليجعل الصوت والمسرح .. الشاعر والجمهور.. اكثر بروزا اي اكثر خطابية. تقول ”كنت البوصلة التي لم تعثر بعد علي/ الان حان وقتي/ ارهفوا السمع الي/ دعوني من الحب امامكم انتحب/ ان سئلت من انا حقا/ انا البكاءة الازلية اقل/ بلى البكاءة انا قط لن اخجل...“

في ”اعدوا للكون وليمة الرحمة انشدوا نشيدا رخيما لمكفوفي القلوب“ تتجلى في عدة مجالات قدرة حنان عاد على ان تحمل ”الفكرة“ مرتفعة بها فلا تقع في التقريرية ولا في البرودة بل تتحول الى مادة شعرية دافئة بأسى. تقول معبرة عما يشبه مشكلة بحار خليل حاوي ودرويشه مع العالم وحضارته ”نتدفق الى مصائرنا/ توقا تورق الهنيهة/ بافخاخ الوهم مطرزا/ الكون المهرول الى حتفه/ ارعن/ لغته في الحب بدائية/ يحفر بأظافره قبره/ يخترع من جهله جناحين/ يحلق الى اقاصي الهاوية...“

تضيف في ما يضعنا في ما يشبه اجواء رومانسية بل صوفية بمعناها الاشمل عن هذا الكون الواحد بكبيره وصغيره ”نور القمر شرارة/ ذرت بحنو على الكوكب/ القمر مقلة الصمت المضيء...نور الشمعة/ قمر سقط سهوا من عل/ نارها كخفقة الروح/ تتسلق بالضياء حلمها الاخير/ نور الشمعة قمر جنين/ به يسر رهين الحلكة...“

في ”لن اخشى ما ارى“ نقيض لما يقال عن الرؤية التي يصعب نقلها وتصيب القلب بالهلع. انها قراءة جميلة ومعزية في الحياة تنقلها الشاعرة في صورة شديدة الايحاء تبدو محدودة لكنها في الواقع بانورامية واسعة اتساع الحياة. تقول ”الاشجار والعصافير تحرس ابدا/ شرارة في الكون اسمها الحب/ والبط العائم منذ دهر في البحيرة/ يلقن البشر بلا كلل/ كيف يراقصون اعمارهم/ايضا/ كيف يعومون على سطح كاباتهم...“

مجموعة حنان عاد الشعرية على اختلاف ما فيها وتنوعه تشكل قراء ممتعة محركة للنفس والفكر.

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below