5 أيلول سبتمبر 2010 / 08:50 / بعد 7 أعوام

مي مظفر.. حياة وجوه ونبضات من حياة ماضية بسرد شيق

بيروت (رويترز) - مجموعة ”ألم يبق منهم احد“ للكاتبة والشاعرة العراقية مي مظفر قد لا تشكل مجموعة قصصية بما معناه ان قصصها هي اعمال فنية من صنع الخيال اساسا وان استندت الى احداث وأشخاص وسمات مختلفة من الواقع.

انها قصص لا تنقصها الفنية الرفيعة لكنها في شكل عام ذكريات ومشاهد من عالم فريد رحل فجاءت مي مظفر تعيد احياءه بواقعية تحولت الى فنية أخاذة. انها ترفع الواقعي الى مستوى فني مؤثر قد يجعل القارىء يتساءل ان كان الخيال قادرا دائما على اللحاق بتلك الفنية العفوية التي قد نشهدها في الواقع وقادرا على نقلها حية.

ومهما يكن من امر فلن يفوت القارىء ان نقل الواقع في العمل الادبي لا يمكن ان يكون تقريريا اليا وحرفيا بل هو امر انتقائي فيه كثير من الزيادة والنقصان والحذف واعادة الخلق. ويبدو ان هذا ما فعلته مي مظفر.

الكتاب الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر جاء في 132 صفحة متوسطة القطع واشتمل على 20 قصة قصيرة او فلنقل وجها من وجوه الحياة في بغداد وصفحة من المشاعر الانسانية والتعامل البشري فيها خلال فترة تمتد ”طردا وعكسا“ في سير مع الذاكرة بين زمننا الحالي وفترة مبكرة اي العقد الثاني من القرن العشرين المنصرم.

وعلى كل حال فالكاتبة اوضحت بشكل مؤثر ما انطوى عليه كتابها. قبل المقدمة استهلت مي مظفر كتابها بقول الامام الشافعي عن بغداد مسرح ذكرياتها وحياة احباء لها واخرين غيرهم. اما قول الامام فهو ”ما دخلت بلدا قط الا عددته سفرا الا بغداد فاني حين دخلتها عددتها وطنا.“

في المقدمة قالت مي مظفر “لا يوجد مدينة مثل بغداد يتداخل فيها الاسطوري بالواقعي. وقليلة هي المدن التي تحتل مكانة في الخيال والذاكرة الجمعية كما هي بغداد. مدينة حاضرة غائبة لا تعمر الا من اجل ان تخرب. اول مراكز قوى العالم الاسلامي وحاضرة الدنيا اجمعها. تألبت على ارثها العريق كوارث الطبيعة والاوبئة والحكام...

”وليس الحاضر الا فصلا جديدا من فصولها لكنه فصل مروع فاق فيه الواقع كل خيال المعقول منه واللامعقول... انا ابنة بغداد لم تغادرني ولم اغادرها حتى في الاقامة بعيدا عن ارضها. عايشت احوالها المختلفة وأزمنتها المتقلبة. رأيت فيها من المودة والتراحم ما يؤلف ويحيي وشهدت من الكراهية وقسوة الانتقام ما يشتت ويفني. ارعبني عنف ثوراتها ومسرحياتها المبتذلة رسخت الخوف في نفسي فتمرست مثل غيري على ابتلاعه حتى غدا شجرة متجذرة في الذاكرة...“

تتحدث الكاتبة عن الامال والاحلام والخوف والامل والحب والانتقام الوحشي خاصة بين ذوي القربى.. عن الايام الجميلة والمدينة الرائعة وناسها في كل ألوانهم وأحلامهم وتصرفاتهم.

كثير مما نقرأه عندها على اساس انه قصة قصيرة يبدو لنا فعلا وجها واحدا او صفحة واحدة من وجوه الاحداث والمشاعر لكنه يرسم بجمال مؤثر. وهذا الوجه مع سائر الوجوه والصفحات يرسم الصورة العامة او القصة الكبيرة لبغداد وناسها.

في قصة ”مسيو جميل“ مثلا نجد نموذجا ينقل لنا حالات مألوفة عن حب خفي مكتوم خائب بينما المحبوب في عالم اخر. كان المسيو جميل التركي الجنسية مدرسا في معهد الفنون الجميلة يقوم على اعطاء دروس موسيقية خاصة لفتاة من احدى العائلات. لقد اغرم بشقيقتها الصبية الاكبر منها سنا ليكتشف من خلال سماعه حديثا غاضبا بين الام والبنت ان الاخيرة اقامت علاقة مع ابن الجيران الطبيب الشاب متوهمة انه سيتزوجها. سمع صوت صفعة الام للابنة ثم قيام الام بدعوته الى حفل عقد زواج الفتاة سترا للفضيحة. والزواج هنا عائلي مدبر. سار حزينا خائبا الى مقهى مجاور ينبعث منه مقام من غناء مغن عراقي ”دخل الى المقهى. مسح حبات العرق عن وجهه. وأسلم روحه للصوت المجرح.“

في ”رأيت شارع الرشيد مهجورا“ تفتح الذاكرة بل تجرحها صور من الحاضر يبثها التلفزيون عن العراق الجريح والامه. ينقلنا الحاضر الى الماضي.. الى الطفولة والصبا.

تقول ”من خلال شاشة التلفاز مضى المصور الاجنبي يشق طريقه على امتداد شارع الرشيد الذي كان خاليا. عند تلك اللحظة الغارقة في الغسق من اي انسان او حركة.. بدا الشارع مثقبا مبعثر الاشلاء. انخلعت مصاريع الشبابيك وبقيت معلقة من مفاصلها...“

حمل المنظر الكاتبة الى ايام زمان الى الشارع الرئيسي الشهير الذي لم يكن ليخلو من الناس والحياة الا في بعض ساعات النوم. والان ما جعله خاليا لم يكن النوم بل الموت بأشكاله العراقية المختلفة. “كنت قد رأيت شارع الرشيد العامر ذات مرة خاليا. كان فجر يوم صيفي دافىء. خرجت بدراجتي الصغيرة مجتازة البوابة الحديدية. وجدت الشارع خاليا لا بشر فيه ولا اثر لحركة. ابواب الجيران مغلقة وساكنة...

”قلت لاسرع قبل ان ترتفع الشمس ويمتلىء هذا المسرح الحيوي بالبغداديين وطقوس حياتهم المتناقضة اليومية. مواكب الاعراس وتشييع الموتى وجرائم الشرف والتظاهرات السياسية لا اهمية لها الا اذا مرت من هنا...“

في ”عطر نفاذ“ رائحة عطر رخيص الثمن يحمل ذاكرة المرأة الشابة الى الماضي وذكريات الطفولة والخدم والعمال المنزليين وعلاقاتهم بعضهم ببعض.

في ”اسمهان“ قصة الحقد الاعمى الذي جعل ابناء العم يرتكبون مجزرة يبيدون بها ابناء عمهم فلا يسلم من الموت الا طفلة صغيرة اسمها اسمهان. تعود لتدفع ثمن ما شاهدته من هول من خلال اهتزاز نفسي اصابها.

وفي ”يوم تزوجت ام كلثوم“ قصة شغف رجل ”بالست“ وصوتها وتحول ذلك الى ما يشبه الحب مما جعل الرجل يتصور ان الست تغني له وحده. وعندما تأكد من خبر زواج السيدة ام كلثوم من طبيبها جن جنونه وانتقم من جهاز الراديو.

مجموعة القصص هذه -وان لم تكن كل منها قصة قصيرة ”فنية“ دائما- شكلت ”قصة مدينة“ وناسها وحياتها.. وكانت القصة الكبيرة نفسها فنية ودافئة ومؤثرة.

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below