26 تشرين الثاني نوفمبر 2010 / 09:30 / منذ 7 أعوام

ميشائيل كروجر في الكوميديا التورينية.. الفنان عاريا من الداخل

بيروت (رويترز) - رواية الكاتب الالماني ميشائيل كروجر ”الكوميديا التورينية“ المترجمة الى العربية عمل مميز وثري دون شك ولكنه في الوقت نفسه عمل صعب قد يكون ”مرهقا“ احيانا في بعض مجالاته.

وربما كان من طبيعة عمل فكري نفسي من هذا النوع ان يسبب شيئا من التعب لقارئه الا ان قراءة هذا العمل في غير لغته الاصلية ودون تكيف ضروري بالعربية قد تكون سببا اضافيا في ارهاق القارىء.

غلاف الرواية التي تجري احداثها في تورين في ايطاليا حمل عنوانا على الغلاف هو ”الكوميديا التورينية“ اما العنوان الداخلي المفصل فقد كان ”الكوميديا التورينية .. تقرير مدير التركة الادبية“. وواضح ان العنوان جاء مقصودا وفي شبه اقتباس عن ايطالي شهير في عمله الذائع الصيت ”الكوميديا الالهية“ الا وهو دانتي الياري (1265 -1321) ورحلته الى العالم الاخر.

في الرواية رحلة من نوع اخر الى عالم اخر وهي غوص في النفس البشرية وتعرية للفنان نفسيا وفكريا وتصويره احيانا بشكل مغرق في الانانية وعبادة الذات والاستخفاف بالاخرين الذين يبدو انه يعتبرهم خلقوا للدوران في فلكه اذا لم نقل ”عبادته“ بمعنى من المعاني. وهنا يجد القارىء تصويرا لمعاناة اشخاص تحمل سمات ”جحيمية“ من نوع اخر.

وفي الرواية كشف عن حال تشبه حال جفاف القدرة على الخلق وسعي الفنان الى تغطية ذلك بحجب وطبقات وأقنعة. وهو هنا -كما في السابق- يمارس سادية تلذ بتعذيب الاخرين ويبدو احيانا انه يلذ بتعذيب الذات.

جاءت الرواية في 191 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف للفنان عادل كامل وصدرت عن مؤسسة محمد بن راشد المكتوم في دبي بالتعاون مع مؤسسة شرق غرب في دبي ايضا. قامت بنقل الرواية الى العربية فاطمة عبد الهادي وهي جزائرية من مواليد المانيا وحائزة على شهادة الدبلوم للترجمة وعلى اجازة لتدريس الالمانية كما تعمل مترجمة ومترجمة محلفة في برلين. اما عملية تحرير الرواية ”العربية“ فقد قام بها الروائي والصحافي المصري سعد القرش والشاعر العراقي علي الشلاه.

انها عمل روائي يحفل بالفكري فالكاتب كما يقول سعد القرش يتمتع بسعة الخيال وبقدرة ”على عجن الفلسفات والافكار“ وبقدرة مميزة على اختصار كل ذلك.

البطل صاحب الصيت والذي تحول الى ما قد تصح تسميته ”معبودا“ لكثير من قرائه فتهافتت عليه النساء يبدو بعد عمل سنوات الزمن فيه وقد تحول الى شخص فارغ جاف من الداخل والى حالة تشبه الموت لكنه بقي محافظا على قدرته الساحقة في التحكم باصدقائه وصديقاته وجعل الجميع يخدم غايات يريدها هو.

انها علاقة اشبه بعملية تنويم مغناطيسي يسيطر فيها على النائم فيبقى هذا في حال من التبعية للبطل. انها صورة الفنان الذي نضبت قريحته وجف ابداعه فتحول الى طاغية على من حوله ليحافظ على صورته القديمة.

وربما وجد القارىء العربي نفسه يتذكر قصيدة الشاعر الراحل خليل حاوي الشهيرة ”لعازر 1962“ عن البطل القومي الذي انتهى لكنه لا يقبل ذلك. استعمل حاوي قصة العازر الذي اقامه المسيح من الموت بعد ثلاثة ايام من وفاته. العازر الجديد الذي سحقته القوى الكبرى اعيد الى ” الحياة“ لكنه بقي ميتا. لم يستطع الانتقام من القوي فارتد على شعبه وهو هنا في صورة زوجته بطاشا رهيبا.

الا ان بطل ميشائيل كروجر وجد في نهاية الامر انه لا مجال للتخلص من ”موته“ الا بالانتحار. لكنه ”هندس“ انتحاره متحكما بمن حوله في موته كما تحكم بهم في حياته. وتبدو انانية الفنان رهيبة قد تفوق انانية الطاغية المستبد.

الموت يخيم على اجواء الرواية.. الموت الفعلي والموت المجازي المتمثل بالجفاف.. الجفاف الادبي الذي يسعى صاحبه الى اخفائه.

تبدأ الرواية من نهاية حياة رودولف الكاتب الالماني الذي اكتسب شهرة كبيرة والذي عاش في ايطاليا. عاش في تورين التي يصفها الكاتب بانها مدينة المنتحرين. لقد انتحر وأوصى بأن يتولى ادارة تركته الادبية صديقه الوفي راسما له بمكر خطا الزاميا في تحركه.

البداية في الكنيسة خلال مأتم الراحل. يقول الكاتب ”يصعب التخمين كم من الناس كانوا موجودين في الكنيسة الصغيرة... المؤكد ان القاعة السفلية نصف الدائرية ممتلئة تماما. كان على الموت ان يحجم نفسه كي يتمكن من المرور... ليحصل على مكان ما...“

بعد الانتهاء من الرواية قد يجد القارىء نفسه امام قراءتين لبدايتها.. قراءة فعلية عن الموت ورائحته وقراءة رمزية عن كون حرق الجثة هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على رائحة الموت. ويبدو ان هذا ما فعله بطريقة او اخرى الصديق مدير تركة الكاتب الادبية.

نتابع القراءة ”كانت هناك رائحة نتنة.. رائحة تميز كل كنائس المقابر وقاعات الصلوات.. ومع هذا لا يمكن وصفها. ايقال كريهة نتنة.. لا يمكن اغفال البخور والعطور المتطايرة هنا وهناك غير ان كل هذه الروائح المركزة لا يمكنها ان تحول دون تسلل هذه الرائحة الى الملابس والالتصاق بالجلد حتى الموت عند بعض الناس فيدفنون بهذه الرائحة ان لم يصر ورثتهم على حرقهم. حقيقة محزنة ان يوارى احدنا بهذه الرائحة التي من المتوقع ان تشغل كل المعزين هنا.“

نجد انفسنا لاحقا مع الصديق ومجموعة من النساء.. الزا زوجة البطل المريضة المشرفة على الموت وايفا التي احبته بعد ان تخلت عن الصديق المدير ومارتا القوية التي كانت تتولى ادارة مكتب الراحل والتي ربطته بها ايضا علاقة كما يبدو.

وتتكشف لنا علاقة بين رودولف وهؤلاء كلهم وغيرهم ربما يصح وصفها بانها استبدادية من ناحية وتبعية من ناحية اخرى ومرضية. ففضلا عن الانانية والسيطرة على النساء نجد ان الكاتب في الايام الماضية مثلا كان يستعمل حتى فرشاة اسنان صديقه دون خجل او تردد. وكأن هذا لا يكفي اذ اننا نجد الصديق وقد انزل في منزل صديقه البطل يستعمل فرشاة اسنان الراحل في ما يمكن ان يكون من بعض النواحي رمزا مثيرا للقرف لسيطرة ساحقة من ناحية وتبعية مماثلة من جهة اخرى. الاخرون من ”الخارج“ ينظرون الى البطل باعجاب واجلال اما الحقيقة فهي غير ذلك من ”الداخل“.

انه قاس واناني وهو في النهاية نسيج من افكار ومشاعر ونظريات الاخرين الذين سبقوه دون ان ينتبه الناس والمعجبون به الى الامر. وبدا ان ميشائيل كروجر يورد لنا هنا حقيقة شاملة الى حد بعيد وهي اننا عامة والكتاب والشعراء بشكل خاص تراكم وتشكيل لما مضى وما قيل وما سمع وان في حياكة جديدة بخيوط الماضي.

في النهاية تبين للصديق ان الراحل رسم مخططا لسيرته وتجاربه اراد فرضها بعد وفاته. ومما اكتشفه الصديق في التركة رسائل عديدة من نساء دعونه الى علاقات فلبى منها ما لبى لكنه احتفظ بالرسائل التي يفترض ان تكون سرية وان تتلف وأراد نشرها بعد وفاته. وكأن ”الينبوع الجاف“ الراحل يقول انه اذا لم تعد القدرة على الخلق والابداع متوفرة فلابد من الحفاظ على الذكر والشهرة من خلال فضائح تبقي له دور البطل.

انها لرائحة تشبه رائحة الموت التي حدثنا عنها الكاتب في البداية. لكن الصديق قرر وللمرة الاولى كما يبدو الخروج على تحكم صديقه الراحل. وقد قرر كذلك منع انتشار هذه الرائحة وعدم ارضاء انانية تريد ان تتحكم من داخل القبر. قرر الصديق اخفاء تلك الرسائل.

يقول الصديق عن رودولف ”الجزء الاكبر من حياة رودولف -مثل حياة النسوة اللواتي لاحقنه- كان فارغا مليئا بأشياء عادية تتكرر. لقد نجح كما هو واضح في ان يجعل من هذه التفاهات سرا كبيرا. يبدو انه قد ضيع وقته في ان يعيش حيوات متعددة وأن يهب المقربين القلائل منه حياة حقيقية وواقعية... وأنا اميل الى رأي يتلخص في ان رودولف قد سخر منا جميعا. من الممكن ان نقولها بعبارة اخرى.. لقد قام بخيانتنا جميعا وهرب في الوقت المناسب.“

الرواية اذن ذات كثافة فلسفية وفكرية ضغطها الكاتب في عمله فجاء ما رواه في حالات عديدة جميلا ونفاذا. الان انه من نواح عديدة ايضا جاء مرهقا الى درجة.. فقصص معظم من في الرواية من اشخاص انما هي قصص رودولف. وربما كان هذا جميلا تماما لو جرى من خلال كل شخص منهم.. رسم وجه معين او صورة محددة للبطل تتكامل في ما بينها. الا اننا كنا بين فترة واخرى نعود الى ما سبق او الى نقطة بداية ما دون اضافة تذكر او تستحق هذه الكثرة من الكلام شبه المكرر.

ولا شك في ان ترجمة النصوص كانت تأتي احيانا وقد فرضت على نفسها اعباء ثقيلة تشكل عامل ارهاق اضافيا. ومن اسباب ذلك مثلا ان المترجمة الزمت نفسها بترجمة حرفية.. لا بمعنى التزام المعنى فحسب بل بمعنى التزام ترتيب الكلمات والجمل واشباهها كما هي في الالمانية تماما وهذا امر قد يصبح في النص العربي ممضا ومرهقا ويكاد يضيع المعنى.

من الامثلة العديدة في هذا المجال حديثه عن مرض الزا اذ يقول ”كنت اخاف ان يطول مرضها ومكوثها في المستشفى ولكنني لم اشأ تصديق احتمال موتها وان اتخيل تدخل اختها -امرأة مجنونة كما وصفها رودولف ولم تسع الى اقربائها الا عندما اشتهر رودولف- في شؤون الارث يجعلني خائفا وقلقا...“

او فلنقرأ التركيب التالي لنجد اننا احيانا نصل الى المعنى المقصود من خلال التكهن. جاء في النص “لم استطع يوما تخيل الاسباب التي تجعل الانسان يختار الكتابة كوظيفة اساسية. اتفهم ان يكتب شخص ما بين وقت واخر قصائد شعر لانه ادرك بانفعال عاطفي انه يريد كشف جزء من كوكب مظلم يضم اشياء لم تذكر بعد عبر استخدامه للكلمات.

”حتى اذا لم تطبع هذه القصيدة -وهي لن تكون معروفة الا في حالات استثنائية- فقد جاءت من خلالي الى الحياة. حتى نشر مقال حول اشياء ملموسة جميلة كاستمرار لكتابة انشاء.. كتمرين مدرسي.. لا يبدو لي امرا مشكوكا فيه...“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below