9 كانون الأول ديسمبر 2010 / 11:11 / بعد 7 أعوام

جودت فخر الدين.. الطفولة والغربة والعمر الهارب غيوم مسافرة

بيروت (رويترز) - يربط الشاعر اللبناني جودت فخر الدين في مجموعته الاخيرة ”فصول من سيرتي مع الغيم“ ومن خلال الطبيعة غيوما وثلوجا وأشجار حور بين مشاعر الطفولة وتلك التي جعلها الزمن تشيب وتشيخ فيحكي من خلالها حكاية العمر الافل.

وقد قيل ان للاطفال نظرة ”احيائية“ ترى في الطبيعة ومظاهرها حياة يتفاعلون معها وتتفاعل معهم كلاما ومشاعر متبادلة فتبدو كأنها عالم مسحور يعج بحياة وحركة ويروي لهم قصصا وحكايات.

وجودت فخر الدين في قصائد مجموعته هذه وفي مرحلة من مراحل ما اصطلح على تسمية مراحله المتقدمة ”الطفولة الثانية“ تعود به الطبيعة في الغربة الى عالم احلام الطفولة الاولى والى احزان الكهولة والشيخوخة.

انه يقرأ الغيم والثلج بل يقرأ حياته وحياة الانسان فيهما لكنها قراءة بعيدة في صفحاتها عن فرح احلام الطفولة وألوانها الحلوة بل بعيدة حتى عن المخاوف الطفولية البسيطة والبريئة التي تنتهي بلحظات مطمئنة.

انه يقرأ الرحيل ويرى العمر الراحل مع تلك الغيوم المسافرة والطفولة المولية مع بياض الثلج الذي يحمل اليه بياضه رائحة من الاحلام الماضية ومن احزان الشباب الحلوة.

احزان جودت فخر الدين وذكرياته الحلوة ايضا لا تأتينا في شكل جمر يلتهب ويحرق بل في اشكال مشاعر وحالات نضجت وتخمر فيها الاسى فأطلت علينا ”جدية“ ولكن دون عبوس وحزينة دون نواح. انها مشاعر تشبه شيب الكهولة وما بعدها ويخيل الينا احيانا انها تأتي في ثياب ”رسمية“ بجدية نسيت اللعب حتى حين تتحدث عن عهود اللعب والطيش الصبياني.

وقد يبدو الشاعر احيانا كأنه لا ينطلق من تجربة فنية حالية بل من تجارب عبرت نفسه وألقت بعض لهبها خلال المسيرة فجاءتنا بخلاصات تذكر يما سلف حتى حين ربطه بالحاضر. انها احيانا تشبه استرجاع التجربة اكثر من دخول حالي الى اتونها.

صحيح انها لا تحرق لكنها لم تأت من تجارب باردة بل من حرارة فقدت لهبها في الطريق الطويل وبقيت فيها صور هادئة توحي بالدفء ايحاء. حافظ الشاعر على ايقاع متنوع مستمر ولم يتخل عن القافية المتعددة فهو ابن وفي للقصيدة الحديثة ”الاولى“ قبل قصيدة النثر اي ما اطلق عليه قصيدة التفعيلة او قصيدة تعدد الاوزان والقوافي لكن مع اضافات في الشكل احيانا. الموسيقى اذن عنصر اساسي في قصائد الشاعر هنا كما في اعمال سالفة له.

صدرت المجموعة عن دار رياض الريس للكتب والنشر وجاءت في 98 صفحة متوسطة القطع وتوزعت على خمسة عناوين رئيسية.

العنوان الاول هو ”لم اجد غير نفسي“ وفيه استهلال يقول الشاعر في بدايته ”لم اجد غير نفسي/ فكيف تنكرت لي (... وكنت ارى كل شيء قصيرا) فرافقني الحور/ رافقني كأخ لي طويل/ وسرنا معا في الصباح الذي خانني/ ثم سرنا في المساء الذي لم اخنه/ وثالثنا كان ثوب الضباب الذي لفنا/ وتغلغل ما بيننا...“

ويركز الشاعر على تفاصيل عالمه وعلاقته به واقعا ومجازا فكأنه يروي لنا الحكاية من خلال سرد الاحداث المختلفة. ولان الامر حكاية فقد نشعر احيانا بتباطؤ النبض الشعري لحساب التفاصيل.

يضيف قائلا ” كان اطول مني اذا ما كبوت/ وأقصر مني قليلا اذا ما زهوت/ ولكنه كان مثلي نحيلا وهشا/ ويحفر فيه الاذى/ ربما انا ظل له/ ربما هو ظلي/ نهيم معا/ ويساوره كل ظن يساورني/ انه الحور/ رافقني/ وتحول بي في حدائق احلامنا الزائلة...“

ومما ورد تحت عنوان رئيسي اخر هو ”ورق لفصول خريف كثيرة“ تصويرية واسعة النطاق. نقرأ معه ”ورق ينتزع الشارع/ يحمله/ ويطوف به.../ ورق يتنزع الشارع/ يمحوه/ ثم يعيد كتابته/ يرسمه بالالوان/ اوراق الاشجار هنا تنضج كالاثمار وتذروها الريح/ فتسبح في افاق تتلون مرات مرات/ في اليوم الواحد ايام شتى/ وفصول خريف شتى/ ورق الاشجار هنا ثوب يخلعه الشارع/ يلبسه/ ثوب تنسجه الريح/ تمزقه/ ثوب لفضاء لا يتكون لا يتلاشى/ ورق الاشجار هنا عصف هباء/ يسترجع روحا هائمة/ منذ بدايات العالم...“

القصائد مكتوبة في عالم الغربة ومعظمها كما يبدو كتب في انديانا في الولايات المتحدة حيث يعيش الشاعر. ترى اتكون الغربة وما فيها احيانا من وحدة وان بشكل نسبي سببا في تركيز الشاعر على عالم الطبيعة نفسه.

ولنتابع القراءة وكأننا نصغي الى حديث معه وهو يروي الحكاية ” امشي في هذا الشارع او ذاك/ هنا وهنالك عبر شوارع تمحوها الاوراق وتكتبها/ ما اكثر ما بذلته الاشجار هنا من اوراق/ من الوان/ امشي/ واقول.. ترى هل مر هنا احد قبلي..../ في مدن تحضنها الاشجار/ تشكلها الاشجار وتحجبها/ هل يصطحب المرء سوى الاشجار ..“

اما في ”يوميات بيضاء“ فالحديث هو للثلج. والحديث عنه يراوح بين الشعري الموحي والتقريري السردي وان بجمال. مما يقوله الشاعر ”هنا في البلاد التي يجثم الثلج فيها طويلا/ انام وأتركه ساهرا حول بيتي/ قريبا كهر أليف/ وأصحو صباحا/ لابصره مشرفا من جميع الجهات...“

وفي تجربة شاعر في بلد غريب لابد من تذكر الارض القديمة وعالمنا القديم كما جرى للشاعر المهجري الاخر ورفيق جبران خليل جبران والاخرين اي رشيد ايوب وقد اثار الثلج مشاعره فقال ”يا ثلج قد هيجت اشجاني/ ذكرتني اهلي بلبنان/ بالله عني قل لجيراني/ ما زال يرعى حرمة العهد...“

يمضي فخر الدين فيتحدث عن البرد وهو هنا ابن الثلج فيقول ”اسير ويلفحني البرد/ برد جديد قديم/ يزعزعني ويعيد الي السنين التي ارتجفت بي/ وارتجفت بها/ ايها البرد.. لا/ لست انت الذي قد عرفتك/ لا لست انت الذي كنت تصحبني في ليالي الشتاء/ وتطلب ودي.../ ايها البرد انت جديد علي هنا/ وشديد/ كأن الذي كنت اعرفه منك قد كان طفلا وشب عن الطوق/ ما كنت اعرفه منك كان خجولا/ كدفء خجول/ وها انت../ لا لست انت.. اما كنت مثلي هشا/ أأصبحت اقوى وأبعد..“

ويتحدث عن الثلج والغيم والغربة.

وفي الغربة وتحت عنوان هو ”ربما نتذكر يوما“ التي اهداها ”الى ابي في غيابه“ يخاطب الراحل العزيز فيقول في اسى جميل وان كان قد ترمد وفقد حريق جمره ”وحدك الان من دون خوف/ دع الخوف لي/ وحدك الان من دون يأس/ دع اليأس لي.../ لقد هدك الداء/ لكنك الان افلتّ منه/ شفيت والامك انطفأت/ وأنا ما شفيت...“

الى ان يقول ”غدا عندما نلتقي من جديد/ سيدرك واحدنا اننا ما افترقنا/ فكيف اذن نلتقي؟“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below