14 كانون الثاني يناير 2011 / 07:43 / بعد 7 أعوام

عمارة لخوص في "القاهرة الصغيرة".. ظرف ونقد ساخر

بيروت (رويترز) - يطل الكاتب الجزائري عمارة لخوص في روايته ”القاهرة الصغيرة“ بصورة قصصي ظريف وناقد ساخر نادرا ما يوقر شيئا في الشرق.. والغرب حيث يعيش.

وتحفل روايته باراء ومواقف وخبرة في مجالات شتى نجح المؤلف في نقلها بصورة عامة لكن ربما شعر القارىء بأن هناك الى حد ما وبصورة من الصور ”استثناء“ هو عالم الاستخبارات الذي تدور فيه الرواية.

ففي بعض الاحيان بدا الكاتب هنا كأنه هاو يكتب من التصور لا من ثقافة تلم بتفاصيل مميزة مقنعة ولم ينجح في حمل القارىء إلى هذا العالم الغريب قدر حمله الى ”عوالم“ الرواية الاخرى.. وفي كثير مما اورده عنها ما يجذب القارىء الى نصوصه بظرف وبتساؤلات عميقة ومعرفة غزيرة.

وعمارة لخوص روائي جزائري مقيم في ايطاليا ويكتب باللغتين العربية والايطالية. من اعماله ”البق والقرصان“ التي ترجمت الى الايطالية و”كيف ترضع من الذئبة دون ان تعضك“ التي اعاد كتابتها بالايطالية وحولت الى فيلم سينمائي. حاز على جائزة فلايانو الادبية الدولية وجائزة المكتبيين الجزائريين.

وردت الرواية في 215 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن ”منشورات الاختلاف“ في الجزائر العاصمة وعن ”الدار العربية للعلوم ناشرون“ في بيروت.

يستشهد عمارة لخوص بأقوال منها لنيكولو ميكيافيلي عن الحب والقوة ومنها ما قاله انيو فلايانو وهو ”اعتقد ان ميلي الى التهكم او بالاحرى الى السخرية يحررني من كل ما ينغص علي حياتي ويضغط علي ويهينني ويحرجني في المجتمع.“

في الرواية شخصيتان رئيسيتان هما عيسى وصفية. التعريف بالرواية الذي حمله الغلاف يعطي فكرة عنها من نواح مختلفة. وقد جاء فيه “يندس كريستيان الايطالي بين المهاجرين العرب والمسلمين في حي ماركوني بروما لكشف عملية ارهابية مرتقبة وصلت اخبارها الى الاستخبارات الايطالية.

“وقع الاختيار عليه لكفاءته اللغوية وقدرته على التحدث باللهجة التونسية بطلاقة. يباشر كريستيان مهمته السرية بعد ان تقمص شخصية عيسى التونسي ويتحول الى شاب بشارب بارز يعملا غسالا للصحون ويقيم في بيت جماعي لا يملك فيه سوى الفراش الذي ينام فيه.

”يتقاطع مصيره مع مصير صوفيا الشابة المصرية المحجبة التي تعيش مرحلة عصيبة في حياتها اذ تضع ثقافتها العربية الاسلامية تحت مجهر تجربتها الجديدة المختلفة لغويا ودينيا وثقافيا.“

وختم التلخيص بقول يجده القارىء صحيحا هو ”القاهرة الصغيرة هي كوميديا على الطريقة الايطالية يتداخل فيها العديد من التناقضات.. الانفتاح والانغلاق.. الجد والهزل.. المعقول والعبثي.. الامل واليأس.. الحب والخوف.“

عناوين الفصول تتوزع بين الاسمين ”عيسى“ و”صفية“. تبدأ بعيسى فنتعرف اليه. ينقل الينا الكاتب عالم روما ومجتمع هؤلاء العرب والمسلمين المقيمين في حي ماركوني وجواره. انه يتحرك الآن في شخصيته الجديدة بعد ان ابلغته الاستخبارات الايطالية من خلال ضابط كبير باختياره للعملية لانه كان قد عاش في تونس صغيرا ودرس فيها واتقن العربية وتشرب اللهجة المحلية قبل ان ينتقل اهله الى ايطاليا والى مدينة غير روما. لما سأله الضابط ان يختار اسما يعرف به في الوثائق وبين الناس اختار اسم ”عيسى“ فرد الضابط وهو برتبة نقيب انه سيختار اسم ”جودا“ اي يوضاس الذي خان السيد المسيح.

المكان المستهدف كما ابلغ هو مقهى ومطعم ومركز للاتصالات الهاتفية للقاء العمال العرب وغير العمال احيانا وللتجمع لمشاهدة قناة الجزيرة يحمل اسم ”القاهرة الصغيرة“ لصاحبه ”حنفي“ وهو ذكي يعرف اخبار الجميع ويحل مشكلات الجميع لقاء مبالغ معينة من المال. عمل عيسى هو جمع المعلومات عن الشبكة التي اوحي له بأن حنفي هو على الارجح منسق شؤونها بسرية بالغة.

اما صفية التي تحول اسمها عند البعض في ايطاليا الى ”صوفيا“ فهي فتاة مصرية جميلة تطمح الى ان تلقى مستقبلا افضل من مستقبل شقيقتيها المتزوجتين. كان حلمها وهاجسها الكبير ان تتحول الى ”كوافيرة“ لكن الاهل يرفضون ذلك باستكار وازدراء. يقول الوالد ”يا خبر اسود كوافيرة “

فلما طلب يدها جارهم سعيد وهو مهندس سافر الى روما حيث يعمل طباخا متخصصا في ”البيتزا“ بتميز وصار يعرف هناك باسم ”فليشي“ شعرت برضا لانها ستسافر الى عاصمة من عواصم التجميل وتصفيف الشعر.

لكن سعيدا ما لبث ان فرض عليها ارتداء الحجاب فلم تستطع ان تخالف رأيه على رغم اعتراضاتها. في روما رزقا بابنة جميلة ذكية.

يركز الكاتب على مسألة الاسماء فيقول ان لكل اسم قصة. والد صفية كان ينتظر ان يرزق بصبي وقد اعد له الاسم مسبقا وهو “سعد” تيمنا بالزعيم سعد زغلول. ولما رزق ببنت تحمل “مصيبته” وابلغ الحاضرين “ بنبرة فيها الكثير من العزة والتحدي.. ”هيكون اسم البنت على بركة الله صفية زي مرات زعيمنا سعد زغلول“. وتعلق صفية على الامر بالقول ”يا له من عزاء جميل“.

ولكثرة المصريين في الحي خيل لصفية انها لا تزال تعيش في القاهرة وكانت تتساءل ”يا عالم يا هو.. هي روما راحت فين؟ “

وينتقل الكاتب الى موضوع اخر هو ايمان العرب القوي بالقضاء والقدر ويذكر نقاشا دار في فصله الدراسي حول الشاعر التونسي ابي القاسم الشابي وبيته الشهير ”اذا الشعب يوما اراد الحياة/ فلابد ان يستجيب القدر“ وقال ان بعض الطلبة اعتبر البيت دليلا على كفر الشاعر الذي مات في ريعان الشباب ”واصدروا فتوى بحرمانه من الجنة“.

يصور الكاتب لنا ما يدور بين رواد مقهى ”القاهرة الصغيرة“ اثر احدى ندوات الحوار الحامية الصاخبة على قناة الجزيرة. يقول احدهم ”حسب رأيي تصدير الديمقراطية كأنها سلعة كلام ما يحط ما يهز“ ليرد عليه رجل اخر بقوله ”ممكن تقول لي ليه ما بيصدروش الديمقراطية بتاعتهم لكوريا الشمالية ولا كوبا بتاعة فيديل كاسترو... عاوزين البترول بتاعنا ادي كل الحدوتة.“

ويصف لنا بشكل مؤثر مشكلات العديد من المغتربين العرب والاسيويين والافارقة وعذابهم ومشكلاتهم مع الشرطة ومع كثير من اصحاب عملهم ويتحدث عن عنصرية عند بعض الايطاليين.

يتحدث من خلال ”صوفيا“ عن وضع المرأة العربية اذ تقول ”ما اصعب ان اشرح للناس هنا ان المرأة عندنا عندما تتزوج تنتقل من سلطة كفيل الى اخر.. من سلطة الاب الى سلطة الزوج.. كمحل تتحول ملكيته من مالك الى اخر.“

وبلسان عيسى يتحدث عن العرب والضيافة فيقول ان العرب ”طيلة قرون عديدة طوروا مهارتهم في معاملة الضيوف. بالتأكيد وجدوا ظروفا مناسبة بسبب اتساع الصحراء. ثم اليس من السهل اقامة خيمة وتفريش بساط للضيوف.. اليس من اليسير اطعامهم بكوب من الحليب وحفنة من التمر.. ما دمنا لا نعيش في الصحراء بين الجمال فان الضيافة في ايامنا مكلفة وعديمة الفائدة ايضا.“

صوفيا التي انقذها عيسى -دون ان يكون يعرفها- من اعتداء عنصري ايطالي يسمى ”الوحش“ تدور بينها وبينه قصة حب خفية تماما. انها تتحدث عن تعدد الزوجات وتقول ان الرسول الذي عاش قبل اربعة عشر قرنا ”كان اكثر انفتاحا من مسلمي اليوم“ وتقول ان السماح بزواج من اربع مشروط بالقول ”فان خفتم الا تعدلوا فواحدة“ لتضيف بأن هذا الشرط لا يمكن تحقيقه ”اعتقد انه من الاسهل رؤية القمر في الظهيرة من معاملة اربع زوجات بطريقة مماثلة عادلة.“

وتخصص كلاما كثيرا للعنف المنزلي الذي تتعرض له النساء شرقا وغربا وتبدي استغرابها من الاحصاءات التي تتحدث عن العنف المنزلي الذي تتعرض له المرأة في ايطاليا وتشدد على ما سمته ”العنف الحقير“ الذي يجري اخضاع المرأة له في اماكن منها مصر والسودان ومناطق في افريقيا وهو ختان الفتاة لتشير الى ان هذا الامر الذي تعتبره جريمة بحق الانسان ليس حكرا على قسم من المسلمين المصريين بل يمارس عند قسم من الاقباط ايضا.

وتصل الى الدفاع عن الحجاب الذي كانت ترفضه وذلك لانه تحول الى رمز ومن يهاجمها لانها ترتديه انما يعتدي على كرمتها وحقوقها كانسان. وتقول ان زينب شقيقتها التي عانت من الامر لم تتخلص من عواقبه ”فالجرح عميق في الجسد والنفس معا لا يمر بمرور الايام.. فلا امل في الشفاء ولا في النسيان. انها اسوأ من معاقة لان المجتمع لا يعترف بهذه العاهة كما لا يحق لها الشكوى والبكاء على ما جرى لها.“

وتعيد طرح اسئلة وجهتها مع طالبات من زميلاتها الى استاذ الدين منها انه اذا كانت مكافأة الرجل التقي هي الحور العين المتجددات العذرية فما هي مكافأة المسلمات التقيات فسألته احداهن ”يعني هنتمتع ازاي في الجنة..“ فأجابها باقتضاب ”ربنا هيجمع الست الصالحة بجوزها تاني في الجنة“ فسألته ”لو كان الزوج مجرما قتال قتلى مراته اللي هي الست الصالحة هتروح فين..“

في الرواية كلام كثير عن المتطرفين من الاصوليين وحملتهم على المسلمين المعتدلين.

يكاد عمارة لخوص لا يترك مجالا دون الخوض فيه بمهارة وظرف وعمق.

النهاية بعد ان طلق سعيد امرأته صوفيا عاد ساعيا الى استرجاعها وطلب من عيسى ان يكون هو ”المحلل“ لثقته به لكنه وصوفيا يحبان بعضهما بعضا. تنتهي القصة بابلاغ النقيب جودا عيسى ان سعيدا وصفية هما رأس عصابة الارهابيين ليكشف له بعدها ان الامر كله كذبة من اجل امتحانه وامتحان اخرين ومعرفة مدى صلاحيتهم للعمل في عالم الاستخبارات وان الجميع نجحوا.

لكن هذا النجاح في هذا المجال لم يصل الى القارىء اذ لم يقدم له الكاتب اي شيء يدل على هذا النجاح.. بعكس النجاح الاكيد في سائر الموضوعات.

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below