20 نيسان أبريل 2012 / 07:33 / بعد 6 أعوام

هدية حسين.. القصة البوليسية الانسانية وسط الحرب وويلاتها

بيروت (رويترز) - الرواية البوليسية الناجحة تبدو امرا نادرا في العربية خاصة حيث تتناول موضوع جريمة تقع وسط عالم من القتل والموت.

والكاتبة العراقية هدية حسين تطل على القارىء بعمل من تلك الاعمال النادرة المشار اليها من خلال روايتها الاخيرة ”ان تخاف“.

عندما يكون العالم عالم حروب واغتيالات وتصفيات جسدية لاسباب سياسية فمن النادر ان تجد ضابط شرطة يصر على تحقيق العدالة او فلنقل الكشف عن جريمة تذهب ضحيتها امرأة عادية من الناس. مسرح الرواية هو العراق خلال عهد الرئيس الراحل صدام حسين.

والواقع ان هذا الموضوع قد جرى تناوله في اعمال غربية من زاوية تطرحها هدية حسين ايضا وهذه الزاوية تبرز في سؤال هو من يعرض نفسه للخطر مصرا على الكشف عن جريمة وهو يدرك ان مسؤولين سياسيين اعلى منه منزلة قد يكونون وراء الامر خاصة عندما يصرون ان يتخلى عن المسألة ويصطنع لها نهاية ترضيهم.

جاءت الرواية في 222 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان.

تكتب هدية حسين بقدرة على التشويق وبغور في امور الحياة يجعل من روايتها عملا تتكامل فيه زوايا انسانية وفكرية متعددة ولا يتحول الى مجرد قصة بوليسية عادية تسير في خط واحد. اسئلتها ابعد من ذلك بكثير وأجوبتها غير عادية.

الا انها تصدر حكما مبرما في هذا المجال وكأنها تقول انه في نظام كذاك الذي تتحدث عنه لا قيمة لاية محاولة للحفاظ على اي شكل من اشكال القانون والنظام وان اي محاولة من هذا النوع ستجعل من بطلها ضحية فتتحول حاله الى اسوأ من حال ضحية الجريمة التي يسعى الى حلها.

ومع ذلك فالكاتبة تطرح سؤالا مهما هو ”من يهتم“ في ظروف من هذا النوع بالكشف عن ”جريمة صغيرة“ في عالم من الحروب والموت والمؤامرات. ويبدو انها تريد ان تقول انه على الرغم من كل الاخطار فهناك من يهتم ولربما لاسباب مختلفة. انه ضابط التحقيق زهير مراد.

والغريب في الامر ان زهير مراد ليس شخصية من الشخصيات المثالية التي تتعلق بقيم معينة ولو كلفها الامر حياتها. انه محقق من هذا النظام وقد اشترك في امور عديدة في تصرف لا يعتبر مثاليا.

كان اساسا يميل الى ان يصبح كاتبا روائيا وكاتب قصص بوليسية ولكن الظروف ابعدته عن هذا السبيل وحملته الى دائرة الشرطة. وكان له اسم ومهابة وسمعة جيدة بأنه قادر على حل اعظم الجرائم. وفي يوم من الايام يستفزه فجأة شعور بأن عليه حل هذه الجريمة التي تحمله الى مجالات فيها خطر اكيد عليه.

تبدأ الرواية في بغداد في ليلة سادتها عواصف ترابية غطت سماء المدينة وأرضها والاقضية المجاورة لها.

تقول الكاتبة ”قبل ان تأخذ العاصفة مداها وحين كان ثمة رؤية خرجت انعام عارف من بيت صديقتها فيروز السعدي... متوجهة الى شقتها.“

وعند انحسار العاصفة كان مما خلفته وراءها ”امرأة جميلة في الخامسة والثلاثين لقيت حتفها امام باب شقتها بأربع طعنات نافذة وعميقة في الرقبة.“

قام زهير مراد بالتحقيقات وأجرى مقابلات مع فيروز السعدي صديقة الضحية.

وفي عمله على حل الجريمة كان يتلقى تحريضا من المسؤول السياسي جمعة عليان الذي كان يقول له ”لا تتعب نفسك في قضية انعام عارف. سجلها ضد مجهول وخلص. نحن بحاجة اليك... لا احد يحاسبك انها امرأة نكرة ولدي معلومات تفيد بأنها سيئة السمعة وتتردد على بيوت مشبوهة.“

اراد زهير مراد ان ”يعرف تلك البيوت فلعل حل القضية يكمن فيها لكن جمعة عليان قال له بحسم.. لا تبحث في هذه الامور لكي لا تتشعب القضية. اخلص منها وكفى.“

ما تجمع لدى زهير مراد كان يشير الى ان المرأة شريفة محترمة هي وصديقتها وانه ليس هناك ما يؤخذ عليها اطلاقا. والواقع ان الرجل وهو متزوج وليس من النوع اللعوب كما يبدو احس بميل شديد الى صديقة الضحية التي لم تبادله الشعور وان عاملته بلطف اتقاء لاي شر قد يصدر عنه.

بعد كلام جمعة عليان ”شيء ما غص به زهير مراد شيء مثل عظم السمك شكه خلف اللسان ولم يجادل. تسربت اليه شكوك غامضة فيما قاله جمعة عليان. شعر بالفزع كمن اكتشف بالقرب منه افعى برأسين تحاول ان تلدغه.“

الا انه استمر في تحقيقاته فتوصل الى علاقة لجمعة عليان نفسه ببيوت مشبوهة ولما عرف المسؤول السياسي بسعيه امره بختم القضية وتسجيلها ضد مجهول وبأن يأخذ اجازة من العمل. وقد فعل زهير مراد ذلك لكنه كان قد اكتشف ان مسؤوله السياسي كان قد سعى الى اقامة علاقة مع الضحية فرفضت فهددها. الا انها استمرت في الرفض وهددت بأن ترفع القضية الى من هو اعلى منه في الحزب الحاكم.

اما الذي جرى لزهير مراد فهو انه في النهاية وجد نفسه في مستشفى للامراض العقلية للعلاج فيه. ”بعد كم من الساعات.. من النهارات.. من الليالي.. لا يدري. حين وعى فتح عينيه بصعوبة وشعر بفراغ هائل داخل رأسه كما لو ان رأسه تمدد وأصبح مثل كرة ليس فيها غير هواء او كأن خرطوما اخترق جمجمته وسحب كل ما فيه.“

وبعد زمن اطلق سراح النزلاء فعاد الرجل الى بيته وقد تحول الى شخص اخر غير الشخص الذي كان. كانت زوجته التي انقطعت عنها اخباره ولم تعرف مكانه قد تركت البيت وذهبت الى اهلها في تركيا.

عاش لفترة وحيدا فقيرا شريدا الى ان اختفى مدة من الزمن ليتبين انه قتل في منزله.

كأن هدية حسين تقول في هذه الرواية المشوقة التي تحاكم كثيرا من امور الحياة انه في نظام من هذا النوع لا امل بعدالة ولا امل بأن يستطيع البعض ان يصلح او ان يتصرف التصرف الخير.

من جورج جحا

(تحرير أمل أبو السعود)

ثق

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below