3 حزيران يونيو 2008 / 08:18 / بعد 10 أعوام

فهد العتيق.. غرابة متعددة الخيوط.. كآبة ووحدة وطرق لا توصل

بيروت (رويترز) - العمل الأخير الذي صدر للكاتب السعودي فهد العتيق بعنوان ”هي قالت هذا“ يطرح تساؤلات عن الشكل والمضمون.

أما التساؤل الشكلي فناتج عن كون مجموعة القصص القصيرة هذه قد وصفت بأنها الطبعة الاولى. لكن قراءة الصفحات الواحدة والثلاثين التي وردت تحت عنوان ”... لحظات نقدية حول القصص“ تجعل القارئ الذي لم يتح له الاطلاع على بعض نتاج فهد العتيق يجد ان الكلام عن النتاج السالف ومنه ”اظافر صغيرة...وناعمة“ والاستشهادات المأخوذة منه انما هي نفسها التي يقرأها في العمل الحالي.

قد يكون في الامر خطأ من دار معروفة هي ”المؤسسة العربية للدراسات والنشر“ او من قرار للمؤلف نفسه او سوء فهم من القارئ.. مع انه يبدو ”ضحية“ الاثنين أو أحدهما.

اما التساؤل الاخر فهو ان القارئ قد يشعر على رغم مما في قصص المجموعة من غرابة وجمال بأن اجواء كثير منها تحمله الى اجواء عرفها او عرف سابقا ما يشبهها. جمال وغرابة.. لكن مع ذلك فالاجواء لا تبدو جديدة كليا عليه.

المجموعة اذن صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وجاءت في 137 صفحة متوسطة القطع.

عمل العتيق الاخير كبعض اعماله السالفة تتداخل فيه انماط كتابية مختلفة في سمة اصبحت مألوفة هذه الايام وسميت تداخلا في الانواع او نصوصا مفتوحة واعتبر كل ذلك من تجليات العمل القصصي الحديث.

في قصص المجموعة سمات خاصة دون شك واجواء موحية جميلة قوية الوقع الى حد انها احيانا تبدو كأنها ”تطبق“ على صدر القارئ وتكاد تخطف انفاسه. ومع كثير من الخصوصية فيها فإن القارئ ربما وجد نفسه يستعيد اجواء متعددة منها لفرانس كافكا وليوسف الشاروني وزكريا تامر وحتى رشيد الضعيف كما في قصة العتيق ”اذعان صغير“.

استهل الكتاب بقصة عنوانها ”انفاس الليل“. انها عمل ترد فيه السمات القصصية في اجواء شعرية وجدانية تصويرية تنقل العالم الخارجي بدقة حينا كما تنقل نبضات النفس الداخلية -وحتى هواجسها- متداخلة مع هذا العالم الخارجي حينا اخر. وهي تشكل نصا ربما اختلف عن عدة نصوص اخرى في الكتاب.

تبدأ القصة كما يلي ”في هذا الليل البري البارد والهادئ والمخيف والممطر بهدوء كنت اسمعه يأتي خفيفا من بعيد كأنه صوت طائر محبوس او صوت لكائن لا اعرفه.. لكنه صوت أنيس يشبه الموسيقى احيانا ويشبه الرنين البعيد...“ ويترك بطل القصة سيارته في وهد هبطت فيه ويسير وسط الليل مفتشا عن مكان غامض يشير اليه احيانا وكأنه لا يشير بل كأنه يزيده غموضا وايغالا في الرمز رغم كل الصفات الواقعية التي يغدقها عليه.

ويضيف ”مشيت مسافة نصف ساعة تقريبا حتى اضعت انوار سيارتي ولازال الصوت الخفي يتبعني مع صوت المطر على الارض الرطبة والهواء البارد يضرب صدري ضربات متتالية حتى بدأت اشعر ان حلقي صار اكثر جفافا وخشونة مع احساسي بالدوار وخطواتي اصبحت اقل اتزانا وبدأت اتحدث مع نفسي وأنا اضرب الارض الممطورة بقدمي الرخوتين حتى عاد صوت الطائر المحبوس قادما ربما من البعد يضيء ظلام الوقت والمكان والروح والاسئلة والخوف...“

ومع ما في نهاية القصة من خطرات فكرية تبقى اهميتها في الصياغة الفنية الشعرية الموحية التي أتى بها العتيق.

العنوان التالي كان ”في مديح الرقص الجميل“. اننا هنا مع قصيدة وكل ما فيها من ”حركة“ قصصية بمعنى وصف احداث مضت او محاولات حوارية غير مكتملة.. لا يغير في طبيعتها.

يقول ”ازوركم الان.. في بيتكم الجديد/ بعد تغير الوقت والاحوال/ وبعد هبوب رياح صغيرة اقتلعتنا جميعا/ ورمتنا في متعة جديدة بلا روح/ امك ليست امك/ وأنت لست أنت/ اراك سارحا وحزينا/ لكنك لازلت طويلا ونحيلا وجميلا.../ ولازلت تحكي لي بنبرة هادئة وعميقة/ عن الذين رحلوا ولم يعودوا/ وعن حلمك الذي احببت ومات/ وعن وجوه النساء التي احببناها ...“

وقد يكون عنوان القصة التي تلتها وهو ”ابواب وطرقات حائرة“ اختصارا موفقا لكثير مما طبع نتاج المجموعة ككل. ان قصصه تفيض بالابواب المغلقة وتلك التي تؤدي الى ابواب مغلقة اخرى والى مجاهيل تنفتح على مزيد من المجاهيل.. وبشوارع الحارات الضيقة المكتظة بالناس وبهمومهم المادية والنفسية.

يقول ”خرج في صباح هذا اليوم البارد ووضع في جيبه ضحكته المحايدة وقاد سيارته بهدوء... يتأمل ناس الصباح ويتأمل شمسا قوية على عينيه المخدرتين ليظل اقل انتباها وأقل حذرا وأقل رغبة في ان يصل الى ما يريد ... يتأمل عيونا مجاورة مليئة بالنعاس.. يحدق في الفراغات.. يتأمل اشارات المرور وعمال النظافة وتلاميذ وتلميذات المدارس...“

ويزيد ”الباب الكبير الذي امامه يفضي الى باب اخر والباب الثاني من بعده سوف يقوده الى ابواب مفتوحة وممرات كثيرة مغلقة.. يقف مترددا وخائفا ومتلصصا.. والناس تدخل وتخرج من ابواب كثيرة لكي تفضي بها الى طرقات مغلقة.. كل الابواب تفضي الى ابواب اخرى.. كل الابواب تفضي الى طرقات مغلقة...“

وفي قصة ”اماكن“ يبدو لنا العالم اشبه بحالة ”كلوستروفوبيا“ او رهاب الاماكن المغلقة بينما الانسان يسعى الى التفلت والانطلاق فكأنه يهرب من قبره وهو هنا ممثل بشقة ”حديثة“ لكن هذا القبر حتمي وهو دائما ”البيت الاخير“.

يقول ”عندما دخلت الشقة الصغيرة التي سوف تكون بيتي الجديد شعرت بغربة عميقة ثم حزن ثم رغبة في البكاء او الهرب. عمارة زجاجية اغلب شققها مكاتب تجارية تفوح منها رائحة الارقام والحسابات. الناس هنا وجوههم رسمية ولا يحدث بعضهم بعضا...“

في قصة ”اذعان صغير“ غرابة وسخرية وما يستحضر بعض اجواء ”محاكمة“ كافكا كما اعاد اخراج وجه منها رشيد الضعيف في ”ناحية البراءة“ وكذلك ما يستحضر اجواء من زكريا تامر.

تبدأ القصة كما يلي ”نهضت في التاسعة صباحا.. ذهبت الى دورة المياه.. اغتسلت وعدت الى فراشي.. كنت على وشك الدخول في اللحاف الدافئ حين رأيت يدا بجانبي تمتد نحوي وهي تحمل ورقة بيضاء...“ وقرأ الورقة فاذا فيها دعوة للحضور امام مدير مكتب الحقوق المدنية للرد على تهمة اقتناء حمام ولاتلبث التهمة ان تتحول الى وضع ساخر شبه كابوسي.

يقول ”دخلت المبنى بنشوة غريبة رسمية وجادة فبقدر ما اكره مثل تلك الاماكن تجدني مذعنا ومنتشيا بشكل مضحك... ربما لإحساسي بأن علي أن لا أذعن لهم بشكل جاد...“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below