24 نيسان أبريل 2008 / 02:03 / منذ 10 أعوام

خالد البسام..كتابة السيرة بين الرواية الممتعة والتاريخ الموثق

بيروت (رويترز) - يقدم الكاتب والباحث البحريني خالد البسام في كتابه الاخير وهو سيرة شخصية عملا يجمع بسهولة فائقة بين كتابة السيرة والعمل الروائي الممتع والتوثيق التاريخي العلمي.

ولعل من مقاييس نجاح عمل من هذا النوع ان القارئ الذي ليس مولعا بقراءة السير الذاتية خاصة تلك التي لا تعود الى شخصيات ”عالمية“ في مجالات السياسة والحروب والعلم والفن يجد نفسه ”مسروقا“ اي منجذبا يتابع بلذة اكيدة قصة حياة شخصية ”محلية“ لم تدخل التاريخ من ابوابه العريضة.

اما عمل خالد البسام فقد حمل عنوانا هو (النجدي الطيب.. سيرة التاجر والمثقف سليمان الحمد البسام 1888-1949 م) وصدر في كتاب صقيل يضم ما يزيد على 300 صفحة كبيرة القطع عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

خالد البسام عمل كاتبا وصحافيا في العديد من الصحف والمجلات في البحرين ومنطقة الخليج منذ سنة 1981 وعمل رئيسا لتحرير مجلة (هنا البحرين) الاسبوعية بين 2001 و2005. وله كتب وأنشطة صحافية وبحثية عديدة اخرى.

يبدأ البسام كتابه بتقديم جاء في شكل قصصي مشوق فقد سأل والدته وهو لم يزل في السنة الدراسية الابتدائية الاولى عن سليمان الحمد البسام قائلا ”هل يقرب لنا هذا “سليمان”؟ ردت بدهشة “انه جدك جدك الشهير.. لا تنس اسمه منذ الان..انت حفيده”. “منذ تلك الايام راح معي ”سليمان“ الى كل مكان تقريبا... كان سليمان يسبقني في التعريف على نفسي وكان يكفي ان يذكره احد ممن عاصروه حتى اثير انا الاعتزاز.. هل انت ابن سليمان الحمد؟.... وأرد ”لا ..انا حفيده.“

وننتقل عبر هذا الجو القصصي ”الذاتي“ الى بعض المراحل التي شكلت بقصد ..او غير قصد في البداية.. مرحلة ”تقميش“ وجمع معلومات. يقول لنا خالد ”وعندما كبرت عرفت جدي اكثر وتوثقت علاقتي به من خلال الكثير من الرسائل التي قرأتها بخط يده او الاوراق والدفاتر القديمة التي بقيت في دكانه بشارع التجار في سوق المنامة. وازدادت معرفتي به عندما قرأت اسمه... في رسائل ووثائق السلطات البريطانية الحاكمة انذاك في البحرين عندما كنت ابحث في وثائق المكتبة البريطانية في لندن عام 1986 م.“

بقي كثير من الاوراق وضاع بعضها. وقد شرح اسباب الضياع بطريقة ”شديدة“ الاقناع.

اضاف يقول انه في بداية تسعينات القرن العشرين ”عثر عمي عبد الرحمن على صورة فوتوجرافية نادرة للجد سليمان... وهو شاب صغير كان يرتدي لباسا نجديا فخما ووراء الصورة كانت خلفية من سجادة... لقد كان العثور على صورة له اشبه بمعجزة حقيقية. فقد مات الجد مبكرا ولم يره احد من احفاده...“

وينتقل في ”القصة“ الى مرحلة اخرى فيقول ان مرض العم محمد ووفاته عام 1994 ”جعلني اكتشف كنوزا أخرى كانت نائمة او مخبأة عند المرحوم فقد عثرت على عشرات الاوراق والوثائق والرسائل الخاصة والعامة التي كانت جميعها تخص الجد سليمان.“

ويعجب خالد البسام كيف استطاع العم الاحتفاظ بتلك الوثائق طوال السنوات الطويلة. وقد جاءه الجواب ذات يوم من والدته ببساطة نفاذة اخاذة بينت له ان للحياة اولويات ولعل استمراريتها هي اكبر واهم هذه الاولويات. وهل هناك ما يمثل اولوية هذه الاولويات سوى ”الذرية“ اولادا واحفادا بهم تستمر الحياة..

وفي ما يحملنا دون قصد الى ما يشبه الى حد ما اجواء اسطورة بجماليون الاغريقية والسؤال عن اي من الخيارين يريد الانسان.. حياة الفن ام الحياة العادية اذ يصعب الجمع بين الاثنتين اضاف خالد ان والدته قالت له ببساطة ”أتعرف لماذا استطاع المرحوم عمك الاحتفاظ بكل هذه الرزم من الاوراق؟.... تساءلت.. لماذا؟.. قالت بابتسامة.. لانه لم يتزوج.. فالرجل المتزوج صاحب العائلة والاولاد لا يستطيع الاحتفاظ بما احتفظ به فالاولاد سيعبثون بها حتما وسيبعثرونها عاجلا ام اجلا.. وبعضها سيمزقونه.. وغيرها سينتهي الى سلة المهملات...“

يقول خالد انه ”على رغم تراكم الاوراق وتنوعها واهميتها وطرافتها“ واقتناعه بان سليمان يستحق ان يكتب عنه ”فانني كنت مصرا ولسبب مجهول على عدم ايقاظها.“

ونصل معه الى سبب رومانسي انساني و”روائي“ مؤثر اذ قال ”غير ان تلك المقاومة انهارت“ عندما تم العثور على رسالة صغيرة وقديمة جدا كتبها جده في مارس اذار 1914 الى زوجته قبل ان يسافر الى البحرين من موطنه نجد ”يتعهد فيها بان يحبها طوال العمر وان يخلص لها في كل مكان يذهب اليه وان لا يتزوج غيرها...“

والتفت خالد الى ناحية اخرى لا تقل اهمية تختصر كثيرا مما جاء في مؤلفه فاضاف ”واستطيع ان اقول الان ان كتاب “سليمان” ليس كتابا عن سليمان الحمد البسام وتاريخه فقط بل هو كتاب عن حياة مئات المهاجرين النجديين الذين جالوا في كل خرائط الدنيا بحثا عن لقمة عيش شريفة... واعطوا لهجرتهم بريقا جميلا بثقافتهم وشجاعتهم واعمالهم البارزة حتى اليوم...“

ينطلق الكتاب من المنبت النجدي الذي جاء منه سليمان اي ”عنيزة“ فيصفها ويصف حياتها بشعرية و”توثيق“ من النواحي الجغرافية والتاريخية والاجتماعية كما يتناول بالشرح مراحل تاريخية شهدها العالم وكان لها تأثير على المنطقة.

ويتناول الباحث قصص السفر واراء مستشرقين منهم لوريمر وادباء عرب كأمين الريحاني مثلا ويعرض وثائق...وصورا تفيض بحنين رومانسي عن بيوت واماكن وبشر رحلوا .. عن عالم جميل غابر. خالد البسام يكتب ”ويوثق“ باجواء ممتعة فيها من الشعر والقصة خيوط حينا وغمائم حلوة تخيم فوق هذا العالم الافل حينا اخر.

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below