28 آذار مارس 2008 / 00:38 / بعد 10 أعوام

يوسف زيدان يعيد الاعتبار إلى الطاقة الدلالية الكامنة في الكلمات

القاهرة (رويترز) - في كتابه الجديد (كلمات) يلتقط الكاتب المصري يوسف زيدان كلمات تبدو مألوفة وأحادية الدلالة لكنه يمنحها ما تستحق من تأمل ليكتشف فيها ظلالا وأبعادا ودلالات جديدة.

ويقول في الكتاب الذي حمل عنوانا فرعيا هو (التقاط الالماس من كلام الناس) ان المفردات أو الكلمات التي تجري على الالسنة تكون أحيانا مراوغة فتبدو محدودة الدلالة لكنها بمزيد من البحث تكشف عن معان خفية تحمل وعيا جماعيا أو فرديا باعتبارها تلخص تصورا ذهنيا ما عن العالم.

ويضيف أن الأنشطة الذهنية لا تتم إلا عبر اللغة المكونة بدورها من كلمات ”هي مفاتيح المعرفة... لذا نرى (السيد) المسيح على جلالة قدره يوصف في القرآن بأنه كلمة من الله“.

ويستشهد بأن انجيل يوحنا يبدأ بالقول ”في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله. وكان الكلمة الله“ حيث جاء الفعل كان مذكرا مع الكلمة وهي مؤنثة ”وهو ما فهم منه الناس أن المراد بالكلمة هو يسوع (عيسى) المسيح وهو الفهم الذي أكده الفكر الإسلامي مستندا إلى الآية القرآنية التي تصف السيد المسيح بأنه.. كلمة منه. أي من الله. وهو ليس كلمة الله أو الله متجسدا في الكلمة.“

ويقع كتاب (كلمات) في 151 صفحة كبيرة القطع وصدر يوم الخميس عن (نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع) في القاهرة.

ويقول زيدان وهو مدير مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الاسكندرية ان بحث الحدود الدلالية للكلمات مسألة مهمة لتعميق الوعي باللغة وكذلك للنظر في تحول وانقلاب معنى كلمة واحدة أحيانا إلى الضد مثلما حدث مع كلمة ”سامية“ التي ابتكرها في نهاية القرن الثامن عشر عالم اللغويات الألماني لودفيج شلوتزر لوصف اللغات العبرية والعربية والسريانية وتمييز هذه اللغات السامية عن اللغات الهندو-أوروبية التي تضم الفارسية والتركية واللاتينية.

ويضيف أن علماء اللغة لم يجدوا آنذاك ضررا في استخدام هذه المصطلحات ”الملغومة“ التي تحول معناها من مجال الدرس اللغوي إلى دلالة عرقية تخص السلالات الانثروبولوجية ”ونجح اليهود في اقناع العالم بأنهم الساميون.. ونظرا لسطوتهم الإعلامية فقد استطاعوا أن يشيعوا هذه الدلالة الأخيرة لكلمة السامية وأن يسقطوا مع الأيام دلالتها الفيلولوجية (اللغوية) أو يهمشوها لصالح الدلالة السياسية التي تخدم أغراضهم.“

ويبدي دهشته من مادة التاريخ المقررة على الصف الثاني الاعدادي في مصر حيث يسجل المنهج الدراسي أن العرب ينتمون إلى الجنس السامي نسبة إلى سام بن نوح.

فيقول زيدان ”الغريب أننا نجعل هذا الوهم حقيقة بديهية يدرسها تلاميذ المدارس في بلادنا.. ومع الأيام يصير سام وأخوه حام وقريبه بلعام وغيرهم من الشخصيات التوراتية كأنهم حقيقة تاريخية لا بد من الاعتراف بها لانها صارت بديهية من كثرة ما ترددت. مع أن تاريخ الإنسانية لم يعرف سام هذا الذي انفردت التوراة بذكره.. تكريس هذا الوهم وتأكيده لتلاميذنا فيه خطر عظيم ونقض للتاريخ الحقيقي ومناقضة للمنطق.“

كما يسجل أيضا التحول الانقلابي لكلمتي ”أولاد الناس“ وهي صفة أطلقها المصريون على حكامهم المماليك الذين كان معظمهم بلا أب معروف وجاءوا من جنوب شرق آسيا كعبيد ثم ارتقوا في سلك الجندية والتآمر حتى صاروا حكاما وهم في عزلة عن شعب لا يعرفون لغته ولا ينتمون إلى ثقافته.

ويضيف أن كلمتي أولاد الناس كانت ”صفة سلبية الدلالة ثم انقلب معناها إلى الضد وصرنا نطلقها على أبناء وبنات الطبقات الراقية.“

ويقف زيدان أمام كلمة ”مفروس“ وهي في مصر تدل على أن شيئا ما ”يفرس“ أي يسبب الضيق الشديد. ويرجح أنها بلا أصل عربي وأن لها أصلا أقدم من اللغة العربية متمثلا في العبرية أو السريانية حيث اشتهرت الكلمة بسبب ”الفريسيين“ وكانوا طبقة من رجال الدين اليهودي المعروفين بالتعمق في ظاهر شريعة النبي موسى ”بشكل يجعلهم غافلين عن المعاني الكامنة وراء التشريع.. ان الفريسيين جادلوا المسيح وأنكروه.. واعترضوا عليه.. استخدم المسيحيون وصف فريسي للإشارة إلى المتحذلق المدقق المتمسك بظاهر النص.“

ويضيف أن البعض يظن الكلمة بمشتقاتها جاءت من الكلمة العربية الفصيحة ”فرس“ بسكون حرف الراء وتعني دق العنق ويقال ”مفروس للمكسور الظهر“.

ويجد المؤلف مشتركا مسيحيا إسلاميا في كلمة ”سائح“ التي يقول انها تعني في المفهوم الكنسي الشخص الذي يمكنه أن يوجد في مكانين في وقت واحد. وعند المتصوفة المسلمين يعني الارتحال الدائم. وكلمة السائح يقابلها عند الصوفية ”البدل“ والابدال هم الأولياء الصالحون الذين يمكن لأحدهم أن يوجد في أكثر من مكان في الوقت نفسه.

ويذكر أن لجلال الدين السيوطي رسالة عنوانها (الخبر الدال على وجود القطب والاوتاد والنجباء والابدال) وأن شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي أشار إلى أن للاولياء الكبار طبقات ومشارب روحية منها ”المشرب العيسوي“ نسبة إلى النبي عيسى.

أما قول أحد المصريين لصاحبه اذا خلف موعدا ”من يعتمد عليك يبيع عياله“ فهو تعبير ساخر يرده زيدان إلى سياقه التاريخي حين كانت مصر مستعمرة رومانية ودخلها الجيش العربي عام 641 ميلادية ”بلا مقاومة كبيرة“ لكن مدينة الاسكندرية الساحلية عاصمة البلاد ومقر الكنيسة المرقسية استعصت على جيش المسلمين ”حتى فتحت عنوة.. لم يكن من المنتظر أن تفتح أبوابها مرحبة بالغزاة“ وبعد استسلامها فرضت عليها جزية كبيرة.

ويضيف أن أهل الاسكندرية ثاروا بعد نحو عامين ”وطردوا المسلمين“ الذين استطاعوا استرداد المدينة. ثم حتى تلقى أهل الاسكندرية مددا بيزنطيا ”فطردوا المسلمين مرة أخرى“ وتحصنوا في انتظار مدد بيزنطي لم يصل فتمكن جيش المسلمين من ”فتح المدينة عنوة للمرة الثالثة“ ولم يكن أمام المستسلمين إلا قبول الجزية الكبيرة.

ويقول ان جيش عمرو بن العاص توجه إلى ليبيا فاتحا المدن صلحا. وينقل زيدان عن كتاب (فتوح البلدان) لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قوله ”فصالح (ابن العاص) أهلها على الجزية.. يبيعون فيها من أبنائهم من أحبوا بيعه“.

ويعلق قائلا انه اذا كانت المدن التالية التي فتحت بالصلح ”باعت العيال“ لتتمكن من سداد الجزية فكيف كان بيع العيال في الاسكندرية -التي استعصت عليهم أكثر من مرة- لسداد ”الجزية الأكبر.. وسبى عمرو بن العاص ذرية ساكنيها بل كان جند المسلمين يتنازعون فيما بينهم لاحتلال بيوت الاسكندرانيين“. وينقل عن البلاذري قوله ان أهل المدينة ”باعوا لسداد الجزية أبناءهم وعيالهم الذين نجوا من السبي“.

من سعد القرش

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below